الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات .. العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية في منطقة الخليج ( 2 )

تاريخيات .. العلاقات بين القوى الدولية والإقليمية في منطقة الخليج ( 2 )

نظراً لسيئات البرتغاليين في الدول العربية التي دخلوها، أصر الإنجليز على التعاون مع القوى الإقليمية للقضاء عليهم، ووضع حد لمصالحهم في الخليج، إذ تم التعاون بين الشاه صفي نجل عباس الصفوي الكبير، وشركة الهند الشرقية الإنجليزية لإخراج البرتغاليين من هرمز مقابل منحها مزايا تجارية، وأعطته الشركة سفناً لنقل قواته التي وصلت هرمز “فدمروها تدميرا وخربوا معاملها، وأخرجوا البرتغاليين منها، وملكتها الدولة الصفوية، وبعد ذلك ارتدت عساكرها إلى جزائر البحرين فحاربوا، البرتغاليين فيها بقيادة إمام قليجان، فأخرجوهم منها وطردوهم شر طردة، وكان ذلك سنة 1622م الموافقة لسنة 1040هـ.
والجدير بالذكر أن التنافس والصراع كان هو السائد بين ملوك “هرمز” وشيوخ “الجبور” في الخليج العربي قبل وصول البرتغال، وعلى الرغم من أن “الجبور” كانوا هم القوة الصاعدة، إلا أن “هرمز” كانت هي القوة الرسمية المتصدية للزعامة، وكان عليها أن تتكفل بحماية الخليج العربي من الإحتلال البرتغالي، رغم التفكك السياسي الذي كانت تعاني منه.
تلك الملاحظة لها أهميتها الخاصة، ليس لأن ذلك دليل واضح على عدم تبعية “هرمز” للدولة “الصفوية” أو الدول التي سبقتها في فارس، بقدر ما يرجع إلى عدم مقدرة فارس في ذلك الوقت على احتلالها كما كانت تتخوف من منافستها، إلى أن مملكة هرمز العربية كانت أقدم بكثير من الدولة الصفوية التي نشأت بعد نهاية ممالك الأتراك في شمال فارس و”الأناضول”، وكانت عاصمتها في “تبريز” قبل أن تنتقل إلى “اصفهان” بعد تدميرها وإجتياحها من قبل العمانيين، ومن هناك بدأت تتجه وتتوسع نحو سواحل الخليج العربي الشرقية، كما وجدت لاحتلال البرتغال الصليبي لمملكة هرمز العربية، فرصة سانحة للتعاون معه ضد الدولة العثمانية الإسلامية.
وعند وصول البرتغاليين كانت هرمز حاضرة لدولة كبيرة تسيطر على جزر أخرى في الخليج العربي، علاوة على بعض المدن في سواحل عمان والبحرين، وتعج بالثروات التجارية، لذلك أصبحت هدفاً للبرتغاليين عند وصولهم، وأهم المراكز التجارية في الخليج العربي قبل وصول البرتغاليين هي: مسقط، خورفكان، قلهات.
مسقط:
المركز الرئيسى التجاري لمملكة هرمز – تدخلها كل السفن التي تبحر في هذه الأجزاء التي تبحر في هذه الأجزاء، لكي تتجنب الجانب المقابل الذي به أجزاء كثيرة ضحلة – وسوقاً للخيل والبلح والقمح والشعير التي يكتنف حمولة كل السفن التي تجىء لأخذها.
خورفكان:
دخلت هذه المدينة في صراع وتنافس في التجارة مع هرمز، وهي ميناء بحري كبير يقع على ساحل خليج عمان، ومنها يتم تصدير مختلف الصادرات إلى الهند، وأهمها الخيول.
قلهات:
من أقدم وأهم الموانئ على ساحل خليج عمان، كما كانت “صور” و”ريسوت” و”قريات” و “مرباط” و”صلالة” و”شحر” من المواقع الهامة على بحر العرب والتي كانت أيضاً من أهداف البرتغاليين.
مملكة هرمز العربية:
هرمز بمفهومها القديم كانت تشمل أجزاء دخلية على الساحل الشرقي من الخليج العربي، والتي كانت أهم وأقوى التنظيمات السياسية والتجارية، وقد أخذت تلك المملكة مركزها التجاري منذ القرن الحادي عشر الميلادي حين أصبحت أهم منطقة لتجميع السلع التجارية في الخليج العربي. وتعتبر مملكة هرمز عربية منذ نشأتها، كما أن أصل الأسرة المالكة التي تعاقبت على حكم هرمز يرجع إلى أصول عربية يمنية.
كتب أحد حكامها تاريخ كامل عن تلك المملكة هو “طوران” ومؤسس هذه السلالة هو الأمير “محمد درهم كوب” ، وهو شيخ عربي جاء من اليمن وعبر الخليج العربي، وكون مملكة هناك، وقد يرجع تاريخ تأسيسها إلى القرن العاشر، ويعتبر الملك “ركن الدين محمد” الثاني عشر في سلسلة ملوكها.
وتيمناً بعظمة “هرمز” أطلق “أياز” الملك السادس عشر في هرمز القديمة ابن “بهاء الدين” وملك لهرمز الجديدة نفس الأسم القديم لمملكتهم القديمة للجزيرة الجديدة “جيرون” تذكاراً لبلادهم الأصلية، ونمت هرمز وأصبحت عاصمة لأكبر تنظيم سياسي وتجاري شهدته منطقة الخليج العربي، وشملت أجزاء من السواحل الشرقية للخليج العربي وكذلك الغربية، وامتد نفوذها الإداري حتى البصرة في بعض الفترات، واستمرت حوالي مئتي عام، حتى استولى عليها الاستعمار البرتغالي.
وتعد هرمز مرسى “للسند” و “خراسان” و “الهند”، وقامت بين مملكة هرمز وجزيرة قيس والبحرين حروب ترتب عليها سيطرتها على البحرين عام 1320م، حين تمكن ملكها قطب الدين الرابع في السلالة الجديدة من أخذ جزيرة قيس وإخضاع البحرين.
وهي مدينة محصنة تحصيناً قوياً وتشمل مخازن ثمينه، وعندما زار الرحالة “لودفيج مارتمان” هرمز في عام 1502م، أي في السنوات القليلة السابقة مباشرة لوصول الاستعمار البرتغالي إلى هرمز كان بكتابته عنها خير شاهد على عظمتها، ومما ذكره أنه كان يوجد بميناتها ما يزيد أحياناً على ثلاثمائة سفينة تجارية لمختلف بلدان العالم راسية على أرصفتها البحرية، كما كان يقيم فيها بصفة دائمة أكثر من أربعمائة تاجر، وأن معظم تجارتها كانت من اللؤلؤ والأحجار الكريمة والحرير والعقاقير والتوابل، كما نستنتج من وصفه بأن المدينة في تلك الأيام في أوج تطورها ورخائها التجاري فيقول.
” لا ثانية لها في الموقع الممتاز، وتكثر فيها اللآلئ، وتبعد عن القارة إثنى عشر ميلاً، ويرى أحياناً ما يقرب من ثلاثمائة سفينة وغيرها من أنواع السفن التي تأتي هناك من أماكن متعددة. ويوجد هنا حوالي أربعمائة تاجر ووكيل يمكثون بصورة مستمرة لنقل البضائع التي تأتي من المناطق الأخرى مثل الحرير واللؤلؤ والأحجار الكريمة والتوابل وما شاكل ذلك “.
قدم “بير رانيل” وصفاً شيقاً لعظمة المدينة وإزدهارها، وأشار إلى الإزدهار التجاري الذي تمتعت به جزيرة هرمز كان يعود بالدرجة الأولى إلى موقعها الاستراتيجي في المضيق المؤدي إلى الخليج العربي، وأضيف إلى ثرائها التجاري الدخل الذي كانت تحصل عليه من المكوس الجمركية التي كانت تفرضها على الموانىء التابعة لها، حتى قدر دخل الدولة من هذه الرسوم وحدها بأكثر من ستين ألف ريال، هذا إلى جانب استغلالها لمصائد اللؤلؤ التي أضافت إليها مصدراً هاماً من مصادر ثروتها.
وطبيعة النشاط البحري التجاري الكبير في تلك الفترة التي لم تقتصر على تجارة الهند وشرق أفريقيا، وإنما امتد إلى قلب العالم الإسلامي، وأصبحت جزيرة هرمز تمثل الحلقة الهامة في نقل التجارة العالمية بين الشرق والغرب، وخاصة حين دخلت المدن الإيطإلية ذلك الميدان، وأصبحت هرمز مثلاً يضرب على الثراء، ويعرفها رجل الشارع الأوروبي، واعتبارها خاتم العالم، وأن من يمتلكها يمتلك العالم.
دول الجبور:
يسطر “الجبور” على منطقة الإحساء والبحرين منذ بداية القرن الخامس عشر، وهذا الوضع أتاح للجبور أن يمدوا سيطرتهم إلى عمان الداخلية نفسها، وعندما وصل الاستعمار البرتغالي إلى السواحل العمانية التابعة لهرمز، انفرد الجبور بالساحل الذي لم يجد مساندة تذكر إضافة إلى المناطق الداخلية من عمان.
واستخدم الجبور عاطفة القومية العربية لتجمع القبائل العربية، ويستغلون مركزهم في شرق الجزيرة العربية، وخاصة في عمان، حيث استطاعوا من هناك تهديد هرمز في أخطر المواقع، ألا وهو مدخل الخليج العربي الجنوبي الذي تعول عليه للإبقاء على وجودها.
مما اضطر هرمز إلى خوض الحروب ضد أهم مركزين تجاريين للعرب في الخليج العربي في القرن الرابع عشر، ألا وهما البحرين وجزيرة قيس، وهي حروب تواصلت فيما يبدو حتى عام 1320م، بتمكين الملك قطب الدين من الإستيلاء على قيس وإخضاع البحرين، وليس ذلك وحسب، ولكن الجزء الأكبر من الساحل الشمال الغربي لعمان (ساحل عمان) ظل لفترة طويلة تابعاً لمملكة هرمز.
يتبع ،،،

محمد بن حمد الشعيلي
اكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى