الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / مجموعة “غياب على شرود الظل” لـ مريم السيابية

مجموعة “غياب على شرود الظل” لـ مريم السيابية

إننا ونحن نحتفي بصدور مجموعة نصوص “غياب على شرود الظل” لمريم السيابية عن بيت الغشام للنشر والترجمة 2014 والذي يعد باكورة أعمالها الأدبية والإصدار الأول لها في عوالم الطباعة والنشر والتأليف فقد أهدته إلى “حارث الجد/ أضلع السماء تتدفأ بروحك وإلى بلقيس الأم/الجدة يا التي أتوهج بعظيم صبرها! وإلى نور عيني/عيناك قصيدة من خزف نفخ بهما جلال جرحي..!، وقد احتوت المجموعة بين دفتيها سبعة عشر نصا: وقافيتي مريم، نسيم اقترفي الحياة، شيء مني، ازرقاق المجهول، فتات وخزات، وهكذا ستأتي، مجرم أنت، لي رجل، يباب حارس ما، متوضئ شطر الخلود، على بعد كمين، هي.. حتى آخر فج!، كراكيب ليلة مضت، مقتطفات آذار، منحنيات، تماهي، رسائل فيسبوكية، وقد قالت الكاتبة على الغلاف الأخير”لأني أحبك، تنبت النوارس كثيفة على ساحل فمي.. ولأني أحبك، تخرج الشمس من عباءة عينيك كرزية حلوة.. ولأني أحبك، تنتصب أصابعنا ورودا في حقول الله.. ولأني أحبك، تتعملق المآذن الحجازية بأصوات العشق.. *أحبك جدا”.
وإذ ننتقي نص منحنيات لنسبر مع حروفه وكلماته وأساليبه حتى نجد ضالتنا من هذا الإصدار الجميل، وقد نقتفي آثارَ شرودٍ على كلِّ المنحنيات التي جاءت في هذا النصِّ والمكوَّن من 12 مقطعاً لنجد الظل مخيما على كلِّ الروابي والعراص وعلى كلِّ القيعان والبطاح ؛ لنكتشف ثراء التجربة الممزوجة بالذاكرة والذكرى، والحبِّ والحنين، والحزن والأنين، إنه الغياب الذي يخلف حالة نفسية لا يمكن أن تحصر، إنه الفقد الذي يشكل الهالة المخيمة على العقل والقلب وقد بثته النفس بكلِّ ما فيها من شرود وبكلِّ ما فيها من حنين وبكلِّ ما فيها من حياة:

أبي جِسرٌ مُعلّقٌ عَلى شَفتي مَدينَةٍ نَائيّةٍ
تسرجُ الأنْهارُ عِند ضفتيها حِكايةٌ الرّوحِ
وَأنَا أتَفتتُ مِن مِعْصَمِها شوقَاً/ حَنيناً
تَفْتَرِسُني قصيدةٌ خشبيّةٌ، حطابها أيّامٌ بِكرٌ
لَمْ يَمسسهَا إنْسٌ ولا جَان!

تشكل الأنثى في النص حضورا ملفتا لخصوصيتها لدى المجتمع وهو إدراك لحقيقة لا مناص منها، وخاصة في ظل الممارسات الخاطئة التي تمارس ضدها جهلا بالدور التي تقوم به المرأة الإنسانة والمرأة الأم والمرأة الزوجة والمرأة الأخت والمرأة الحبيبة:

لِأنَّ النِسيان شكلٌ مُنْحرف
وأنَا أُنثى بزوايا مستقيمة..
لم أتقنه حتّى السّاعة!

وكذلك نلاحظ ذلك في منحنى آخر حين قالت شاعرتنا المبدعة معبرة للذكرى فقط وإلا فهي تؤثر الصمت والعزلة والصبر فهي دائما مسالمة:

يا عابراً حتفي تذكّر!
كانت لك أنثى، خيّطتْ شوقها بإتساعِ مزاجكَ
وأفرغت دوائرها؛ لتكون محورها..
نكايةً بتلك الليلة، بتشفينا، بتماهي أرواحنا
سأمتهنُ الصّمتَ، وأحطبُ العُزلةَ..
سلام عليك يا بياض مدائني، وعليّ سلاُ الصّبر..!

للمرأة منحيات كثيرة في الحياة ومن عمق تفاصيل حياتها التي تكون غامضة أحيانا للرجل ومنفتحة شفافة رقراقة بلا حدود أحيانا كثيرة، إذ يشكل الليل عندها هاجسا والنسيان كائنا حيا لا يمكن حدوثه على الرغم أنها جبلت عليه:

سينامُ الليلُ على كتفي، سنُبقي معبر صهيلنا مفتوحاً لرصاصة الصمتِ
وسياج النسيان مفتونٌ بذاكراتكَ، الكائن الذي لا يعترف بخطوط الرّوحِ
وهو يرسمُ أجنحةَ الغيمِ من فوهةِ السّماء، لوناً لا تقرأه أنت/ يا الذي
يتلصصُ من المسامِ، فجراً!

للحنين حكاية عند المرأة كذلك يختلف عنه عند الرجل فلكل منهما طبع وحياة، لذلك نلحظ الصمت زنادا يمكن إشعال موقد الحكاية به والوقت مقدس عندها عندما يأتي الموعد فتصبح الحاجة إليه أكثر من أي وقت آخر، وربما القصد من ذلك نقد الموقف:

كم نحنُ متطايرينَ ساعةَ الحنينِ..
نبيعنا لحديثٍ عابرٍ، نستغرق في الثرثرةِ
نستهلكُ نارنا الصامتةُ في إشعالِ موقد الحكايةِ العتيقةِ
يا صديق الساعة الحادية عشر إلَّا خمسٍ من موسم الكلام السريع / المطرالتائب على شرفات الياسمين أحتاجكَ جداً..

إذن تستمر المنحيات ولا تتوقف رحلتها فهي في كل مرة نتوقف عندها تحكي لنا حكاية جديدة وشاعرتنا المبدعة في “منحنيات” بشكل خاص، وفي مجموعتها الجميلة “غياب على شرود الظل” بشكل عام، تتحفنا دائما بكلماتها الجميلة الرقراقة وموسيقى حروفها الشفافة التي تفيض أنوثة في كل منحنيات القصيدة، ونتوقف في نهاية هذا الاحتفاء المتواضع عند الغياب الذي شكل ثيمة في هذه المجموعة فكم ترددت بين أن أتتبع الغياب في كل المجموعة وبين القراءة في هذه المنحيات الجميلة، وحين قررت أن أستمتع بهذه المنحيات وغيرها مما تبقى منها آثرت أن لا أفوت على القارئ العزيز نموذجا من هذه الثيمة المطلقة في قلب كل إنسان، وخاصة عند المرأة وكيف نظرت إلى الغياب على أنه ظلام دامس يزيده الليل عتمة:

تبعتُكَ.. كإرتعاشةِ الأُحجية
في فمِ الحكاواتي..
تبعتكَ، كشرود كذبتنا
من هزيع الليل ساعة الحتفِ..!
وانكفأنا على الغيابِ
وما عاد التماهي ينجب
الشوقَ من أعْيُنِ الحُبِّ..!

ناصر الحسني

إلى الأعلى