الخميس 19 سبتمبر 2019 م - ١٩ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الدين وعلاج الظواهر الاجتماعية المُعْوَجَّة (3)

الدين وعلاج الظواهر الاجتماعية المُعْوَجَّة (3)

د/ جمال عبد العزيز أحمد*
.. فهذه كلها أمور تشغل هذا بال وقواعد وضوابط هذا الدين الجميل الكريم ، الدين الخاتم، أنه لا ينسى أتباعَه، وسنَّ لمن تمسك به تلك الزكاةَ، وجعلها واجبةَ الأداء، ليست منَّة من أحد على أحد، بل هي حقٌّ تامٌّ للفقراء، لا تفضلا من أحد، ولا طِوَلَ يَدٍ من إنسان، ثم شرع صدقاتٍ وأعمالَ بِرٍّ تزيد في ثواب العبد عند ربه، وجاء في بعض الأحاديث:(في المال حقٌّ سِوَى الزكاة)، وفي كلِّ مناسبة يعود القرآن على الفقراء، فيفكُّ الرقاب، فيجد سبيلا للفقراء، ويسن إطعام الطعام فيطعمون، ويشبعون، سواء أكانوا مساكين، أم يتامى، أم حتى أسارى من الأعداء:(ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً)، فثمة شواغلُ قد تشغل المرء عن هؤلاء، ولكونهم ذوي عفةٍ، ونبل فهم لا يمدُّون أيديَهم لأحد، فينساهم الناس، فتحدَّث عنهم دينُهم وربُّهم، ونافح عنهم، وسنَّ لهم من التشريعاتِ ما يقوم بحقهم، وما يرعاهم، ويحفظهم، ويُبقيهم أعزةً، لهم في الشرع مكانةٌ، ومنزلة، ولهم ضوابط، وتعاليم ترعاهم، وتحميهم، وتحفظهم من غوائل الواقع، ومرارته.
فعندما يتأمل القارئ الواعي هذا الاستفهام، ويعيشه، ويحاول أن يجيب هو عنه بكلِّ لون من ألوان الجواب، فلن يرقى ذهنه، وعقله إلى أن يصل إلى تلك القمة الشَّمَّاء، والعزة القَعْساء، ولن يصل إلى هذا الطهر الراقي، والتعليم السامي، الذي فاجأنا جميعًا فبدأ يغيِّر منا المفاهيم، ويعدِّل لنا الموازين، ويقوِّم العقولَ في سعة الفهم، ويُخرجها من ضيق النظرة، وأفول الفهم، وعَطَنِ الفكر، إلى رحابة الدين، واتساع المفهوم ، وطهارة المقصد، فبين ماهية هذا المكذب بالدين، ونبَّهنا إلى رؤية أخرى للإسلام عن الحياة، والمجتمع، وعن الإنسان ومنزلته، ومكانته في نظر الدين، فقال الله عزوجل كأنه يجيب عن تساؤل:(فمن هو ذلك المكذب بالدين؟) فقال: إن أردت أن تعرفه حقَّ المعرفة، وتقف على صفاته حقَّ الوقوف، فاعلم صفاتِه، وكن على ذِكْر من نعوته:(فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ..)، فذكر من صفاته أنه هو ذلك المصلي القائم الراكع الساجد الباكي المسبِّح المكبِّر المُحَوْقِل، لكنه في الوقت نفسه هو الذي يدُعُّ اليتيم، والدَّعُّ الدفع بشدة، أَيْ هُوَ الَّذِي يَقْهَر الْيَتِيم، وَيَظْلِمهُ حَقّه، وَلَا يُطْعِمهُ، وَلَا يُحْسِن إِلَيْهِ، بل يقهره، ويدفعه دفعا يجعله يرتمي أرضًا، ويمضي عليها زاحفا على وجهه مسافة، ولو تصوَّرنا يتيمًا جاء يطلب طعامًا من أحد القساة فجابهه واحدٌ منهم يلتوي حاجباه، وتنتفخ أوداجه، وتلتفُّ عضلاته، ويدفعه دفعا من قفاه، أو من ورائه حتى يمسح الأرض مسحًا لمسافات طويلة، فيقوم باكيا قد تمرَّغ وجهه في الرغام، وتمزَّقت ثيابه، ودَمِيَ وجهه، وامتلأ ترابًا، وهو يمضي باكيًا ناظرًا بعينيه الدامعتين الباكيتين لهذا الدَّاعِّ، ووجنتاه تكتظان بالدموع، يأسى لعدم وجود أبيه، أو أمه ينقذه، أو تنقذه من هذا الواقع المرير، فيتجرع كؤوس الحرمان مرتين: مرة من موت أبيه في صغره، وعدم شربه من هذا الحنان الأبوي، والرعاية الكاملة، والحدب التام، ومرة أخرى عندما يُدفَع ويُدَعُّ؛ لكونه طلب طعاما فقط، لا مالا، ولا شيئا مما يطلبه الأبناءُ من آبائهم، فكم تكون هاتيك الصورةُ المتخيَّلةُ بين يديك، ومن المؤكد أن عينيْك، وأنت تقرأ هذا الكلام الوارد في هذه الصورة مغرورقتان بالدمع، تنسدل دموعُك على خدودك من تلك الفِعلة الشَّنْعاء التي قد تصف معها صاحبها بأنه لا قلبَ له، ولا فؤادَ يمتلكه، وقد وصفه القرآنُ بالبعيد عن الدين، المكذِّب له، وهو وصفٌ أدقُّ من كل وصف، وتعبير أرقى من كل تعبير، وهذا شأنه عند رؤية أيِّ يتيم، فالتعبير القرآني ورد بالجملة الفعلية ذات الفعل المضارع الذي وُضِعَ في الأصل للدلالة على الاستمرار، وعدم الانقطاع، (يَدُعُّ)، فشأنه الدعُّ، والدفع، والقسوة، والجفاء، فقد فاق أبا جهل في الجهل، وبزَّ أبا لهب في القسوة، و(أل) في (اليتيم) إما عهدية، أي اليتيم المعروف شرعا بأنه من فقد أباه قبل البلوغ، أو (أل) جنسية، أي جنس أيِّ يتيم في أيِّ دين، وليس فقط في ديننا الحنيف دينِ الإسلام.

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى