الأحد 16 يونيو 2019 م - ١٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى والتنمية (9 ـ 14) من أوراق المرحلة التأسيسية

الشورى والتنمية (9 ـ 14) من أوراق المرحلة التأسيسية

سعود بن علي الحارثي

سادسا: التنمية الاقتصادية والصناعية والتجارية (ب).

تضمنت دراسة (دعم الاستثمارات الوطنية) توصيات أخرى مهمة منها: (يحظر على شركات المقاولات الأجنبية بناء مشاريع سكنية لصالح موظفيها أو القيام مباشرة بتوريد المؤن لحساب عمالها إلا بالاستعانة في الحالتين بالإمكانيات المتاحة في الأسواق المحلية …. والتزام المقاولين بشراء ما لا يقل عن 20% من إجمالي مستلزماتهم من داخل عمان …). كما قام المجلس الاستشاري للدولة بتقييم دور البنوك الوطنية في التنمية، وقدم عشرات التوصيات التي تضمن قيام هذه البنوك المتخصصة في تمويل مشاريع الزراعة والأسماك والمشروعات العقارية والإسكان وتشجيع الاستثمار في القطاعات الأخرى. وفي يناير 1985م أقر المجلس أول مشروع قانون يحال إليه من الحكومة، تنفيذا للتوجيهات السامية، فقد تضمن (مشروع قانون التجارة)، ما يقارب من 700 مادة، وقد أجرت اللجنة القانونية مقارنات بين نصوص المشروع والقوانين التجارية في معظم الدول الخليجية وبعض الدول العربية، كما روجعت كثير من مواده بما تضمنته قوانين بعض الدول الأجنبية المتقدمة، واستعانت اللجنة بآراء ومقترحات الهيئات المتخصصة في السلطنة كالبنك المركزي ولجنة حسم المنازعات التجارية وعدد من الضالعين في هذا الملف… وفي يوليو من عام 1990م، صدر القانون الذي أظهر بعد مراجعته بأنه تم الأخذ بما نسبته 75% من التعديلات التي اقترحها المجلس الاستشاري على أحكامه. الدراسة الخاصة بـ(تحديد مفهوم دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية والاجتماعية)، ركزت على أهداف ومسار القطاع الخاص، وطالبت بالتركيز على المشاريع التي تضمن (توسع القاعدة الإنتاجية للبلاد)، و(اكتساب الخبرة والمعرفة العلمية والفنية من خلال الممارسة الفعلية لمختلف الأنشطة للوصول بمؤسساته إلى مستويات قادرة على أن تحل محل الشركات الأجنبية العاملة)، و(استقطاب الشباب العماني للعمل في القطاع الخاص ووضع حوافز مادية ومعنوية مع توفير فرص التدريب للزيادة في كفاءته الإنتاجية ورفع مهارته الفنية)، وتلحق الدراسة هذه التوصية بما يكملها ويحفظ أسواقنا من سيطرة العمالة الأجنبية التي تقبض اليوم على مفاصل القطاع الخاص وشرايينه وأنشطته وأسواقه وتفرض تحديا كبيرا على تنظيمه وعلى تحقيق المعدلات المرضية في التعمين والقضاء على التجارة المستترة … (الترشيد من استجلاب العمالة الأجنبية إلى البلاد واختيار النوعية والاهتمام بالكيف بدلا من الكم)، وهو ما وجه إليه جلالة سلطان البلاد مرارا وتكرارا في كلماته السامية ولقاءاته بالمواطنين، فأين الجهات المختصة عن ذلك كله ألا يتحمل المسؤولون عنها نتائج الأوضاع الحالية وتأزم الملفات الاقتصادية؟ وقدمت الدراسة عشرات التوصيات التي من شأنها تذليل العقبات أمام القطاع الخاص لتحقيق أهدافه وحماية المنتج الفني، ولو أن المسؤولين في الحكومة أخذوا بهذه التوصيات ورفعوا من نسبة العمانيين في القطاع الخاص قيادات وموظفين وعمالا لما كان لهذا القطاع أن يعاني كما نراه، ولما أصبحت لدينا أزمة باحثين عن عمل وظاهرة تجارة مستترة تتسع وتتفاقم يوما بعد آخر، لذلك واستشعارا بمخاطر هذه الظاهرة، وتنفيذا لتوجيهات جلالة السلطان في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الفترة الخامسة للمجلس بـ(الإسهام في إيجاد الحلول لأية معوقات تحد من كفاءة الأداء في مختلف المرافق، واسترشادا بتوجيهات جلالته في التصدي لظاهرة التجارة المستترة وإيجاد الحلول المناسبة للقضاء علها، لما لها من آثار سلبية حادة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي فقد أجرى المجلس دراسة شاملة ومتأنية لهذه الظاهرة خرج منها بتوصيات عديدة…) الرؤية السامية والشعور بمخاطر التجارة المستترة وتوجيهاته السديدة ـ حفظه الله ورعاه ـ ودراسة عميقة متأنية بل دراسات ولجان وتوصيات وجهود كبيرة متواصلة جميعها للأسف لم تستفد منها الجهات الحكومية، إلى أن استفحل الوضع فبلغ شأن هذه الظاهرة شأوا لن أبالغ إن قلت استسلمنا لها، وقد تكون المصالح الفردية للبعض هي التي أعاقت العلاج وتجاهلت كل تلك الجهود. توصلت الدراسة إلى أسباب عزوف (العمانيين عن ممارسة التجارة بأنفسهم ومن أهمها مشكلة عدم تفرغ المواطن لإدارة المنشأة التجارية، أو قلة الخبرة الفنية، أو عدم توفر رأس المال اللازم)، وقد قدم المجلس توصيات غاية في الأهمية ـ لو طبقت وقتها ـ فما هي هذه التوصيات؟ (إنشاء الجمعيات التعاونية للسلع الاستهلاكية التي تعتمد على تعاون المواطنين في الأحياء والقرى وتكتفي عادة بأقل قدر من الربح بما يمكنها من منافسة التجار الأجانب …)، و(وضع التشريعات التي تكفل حماية هذه الجمعيات وتدعم قيامها ..)، فماذا كانت النتيجة؟ لقد فتحنا السوق العماني للاستثمار الأجنبي في إقامة وإنشاء المحلات التجارية الكبرى أو المجمعات التسويقية والأسواق الاستهلاكية الضخمة التي قضت على التجار العمانيين الصغار، كما أوصى المجلس بـ(الحد من ظاهرة استخدام الأجانب للسيارات في تسويق السلع الاستهلاكية)، ولو طبقناها لكنا قد تمكنا من تعمين هذه المهنة وكل ما يرتبط بها من عقود قبل أن يسيطر عليها الأجنبي فيصبح العماني بعد ذلك موظفا صغيرا عند الأجنبي، (تكثيف الحملات التفتيشية التي تهدف إلى اكتشاف حالات التجارة المستترة مع إعطاء المواطنين الذين يثبت تعاونهم مع الأجانب في ممارسة هذه الظاهرة فرصة لتعديل أوضاعهم والالتزام بالقوانين قبل تطبيق العقوبات عليهم وذلك تشجيعا لهم للتخلص منها)، توصيات متكاملة شاملة في مجال التوعية والتأهيل والتدريب وتطبيق العقوبات، وإنشاء أجهزة مستقلة للرقابة والتفتيش، ووضع الآليات التي من شأنها الحد من التجارة المستترة لا يسع المجال لعرضها هنا.. فالدراسة ضخمة وواسعة. في دراسة أخرى مهمة تحت عنوان (حفز القطاع الخاص للإقبال على المشاريع الصناعية)، أوصت بـ(إزالة المعوقات التي تحد من إقبال المواطنين على الاستثمار في المجال الصناعي منها توحيد الحوافز بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لخلق منافسة شريفة، وتخفيض تكاليف الإنتاج عن طريق دعم تكاليف الوقود، وفرض الحماية الجمركية على المنتجات المستوردة وتخفيض الفوائد البنكية وتبسيط إجراءات القروض…)، دراسة أخرى لا تقل أهمية مما سبقها (وسائل تنشيط الحركة الاقتصادية في البلاد)، ويا للعجب لما تضمنته بشأن محور السياحة، حيث يظهر من خلال الدراسة بأنه كانت لدينا استراتيجية لتطوير هذا القطاع ومتى؟ في عام 1990م، فكم من الاستراتيجيات خاصة بالسياحة أعددناها منذ ذلك اليوم، ولا تزال مساهمات هذا القطاع متواضعة وشبه ثابتة في الاقتصاد الوطني (استهدفت توصيات المجلس الخاصة بتنمية قطاعات السياحة ليلعب دورا أكثر أهمية في تكوين الناتج المحلي للبلاد، حيث أوصى المجلس بنشر الاستراتيجية الموضوعة تحت إشراف البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لتنمية قطاع السياحة وتبني أهدافها المعلنة، والعمل على توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذها…)، (تشجيع السياحة الداخلية بمختلف الوسائل مثل تسيير رحلات برية وجوية بأسعار مدعومة…)، (توفير الكوادر الوطنية المؤهلة والمدربة في مجال السياحة والفندقة، وتشجيع شركات الطيران العالمية لاستخدام مطاري السيب وصلالة كنقطتي عبور…)، وحتى الآن للأسف ما زلنا نفكر ونناقش ونطرح هذه الرؤى في اجتماعاتنا وإعلامنا ووسائل التواصل، وما زال المرشد السياحي العماني غير متوفر ونعتمد على أجنبي لا يتكلم العربية في التعريف بمعالمنا السياحية، الدراسة أخذت عدة محاور لتنشيط الحركة الاقتصادية من بينها (قطاع التجارة، قطاع السياحة، قطاع التشييد، قطاع الصناعة، قطاع الزراعة والأسماك…). وما نلاحظه أن دراسات المجلس وتوصياته سعت إلى تشجيع وتحفيز العمانيين للتحكم والسيطرة على الأنشطة الاقتصادية ومؤسسات القطاع الخاص والسوق العماني بمختلف مجالاته، إلا أن المسارات أخذت للأسف طريقا آخر، وقد حان الوقت لإحداث التصحيح وتوجيه الأمور بما يخدم اقتصادنا الوطني ومصالح المجتمع العماني.

إلى الأعلى