الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “الميادين”… فضائية الانتماء الوطني الفلسطيني والقومي

“الميادين”… فضائية الانتماء الوطني الفلسطيني والقومي

د. فايز رشيد

“الميادين” تميزت بالوضوح الكامل لخطها الوطني, وبالأمانة الصحفية, وعرض مختلف الآراء, حتى التي تخالف معتقداتها, في إطار من الديموقراطية الحقّة والحرص عليها، وتعميقها كأسلوب وكنهج في إطارٍ من التطبيق الهادف الخلاّق. أحد أسرار عظمة الميادين: أنها لم تصل إلى إهدار معاني الديموقراطية وتهزيئها, وتبهيتها, وتقزيمها, ومسخها, وابتذالها: “بدعوة ضيوف صهيونيين” إلى برامجها..

أن تنتمي لفلسطين, وقضيتها الوطنية, وحقوق شعبها في كل أرضها التاريخية, وصولًا إلى حالة الاندغام في التماهي معها … وأن تعادي الحركة الصهيونية وتمثيلها في الدولة الصهيونية … وتعتقد بحتمية زوال مشروعها الإسرائيلي, وأن تنتمي أيضًا للقضايا الوطنية والقومية العربية, وأن تدافع عن جماهيرنا العربية وقضاياها العادلة، وأن تعكس ذلك في صحيفتك, وفضائيتك, ومقالاتك, وفنك, وموسيقاك, ولوحاتك وإبداعاتك المختلفة الأشكال, كل ذلك…. يعني أن تكون قابضًا على الجمر في زمن الرداءة والرّدة. يعني وفقًا لإيمان البعض ومعتقداته: أنك تنغرس في الوهم … تسبح عكس التيار… وأنك تعيش في “أزمان” العصر الحجري… وأن مفاهيمك بائدة أكل الدهر عليها وشرب … وأن لغتك خشبية، ومعتقداتك خيالية وليست واقعية, وغير ذلك من الاتهامات؟!
فضائية “الميادين” هي أحد هؤلاء الملتصقين بالقضية الفلسطينية, والقضايا الديموقراطية الوطنية القومية العربية, والقابضين على الجمر. تمثّل ذلك منذ انطلاقها, وتعزز إيمانها إبّان العدوان الصهيوني الأخير (2014) على قطاع غزة. كان للميادين ميزة واضحة في تغطية أحداثه وكل حلقاته, بشكل شامل وتام، حتى بات المشاهد يعتقد: أنه موجود في غزة وفي مكان القصف تحديدًا, ولكن على أرضية من الالتزام الوطني بالقضية والشعب, والإيمان الكبير بحتمية الصمود في وجه العدو, وإفشال أهداف عدوانه ومخططاته، وتحقيق الإنجازات ومراكمتها, وصولًا إلى الانتصار الأخير على العدو.
الميادين غطّت أيضًا: كافة القضايا الأخرى المتعلقة بمعادلة: “العدوان والصمود”, وتداعيات ذلك: فلسطينيًّا, وعربيًّا, وعلى صعيد المنطقة، ودوليًّا. وكشفت حقيقة معاناة أهلنا في القطاع, ومدى همجية ونازية الكيان. تمثّل ذلك في تغطيتها المباشرة الواسعة للأحداث, وفي الحوارات السياسية والتعبوية الكثيرة التي دارت على شاشتها, واستطاعت الوصول إلى الإيمان والاعتقاد بضرورة مشاهدتها هي لا غيرها, وتصديق ما تقول (لأنها الصادقة), من قبل جماهير الأمة العربية, والعديدين في الشارع الإسرائيلي. هؤلاء الذين ملّوا العنجهية والصلف والأضاليل والتزييف والكذب وما تتشدق به دولتهم, ويدّعيه قادتهم من سياسيين وعسكريين من انتصارات خيالية, صنعتها أوهامهم، ومن تحقيق “أهداف كثيرة” لا تنعكس واقعًا مرئيًّا، بل تتوارد إلى تلافيف أدمغتهم! يتمنون: لو يتم تحقيقها! فهي مزروعة في لا وعي كلٍّ منهم، ولذلك تمر كلمحات في خلاياهم العصبية, في إطار شعار تقليدي: “بأن جيش إسرائيل لا يمكن هزيمته”! وغيرها من الأساطير الأخرى.
“الميادين” تميزت بالوضوح الكامل لخطها الوطني, وبالأمانة الصحفية, وعرض مختلف الآراء, حتى التي تخالف معتقداتها, في إطار من الديموقراطية الحقّة والحرص عليها، وتعميقها كأسلوب وكنهج في إطارٍ من التطبيق الهادف الخلاّق. أحد أسرار عظمة الميادين: أنها لم تصل إلى إهدار معاني الديموقراطية وتهزيئها, وتبهيتها, وتقزيمها, ومسخها, وابتذالها: “بدعوة ضيوف صهيونيين” إلى برامجها، ومحاولة تبرير ذلك بدعاوى سخيفة من نمط: “أننا نحضرهم كي نبهدلهم ونمسح بهم الأرض”، و”الحرص على الديموقراطية” وغيرها من الترّهات, المستخفّة بعقل المشاهد أولًا وثانيًا وأخيرًا! والمستغفلة لواحد من أعظم مناقضات هذه الشعارات: وهو أنها باستضافتهم تمارس عملية تطبيع مجانية, وتعمل على إدخال الأعداء إلى بيوتنا, حيث تصبح القضية بعد مرور الوقت وكأنها “ظاهرة طبيعية”! وبالتالي: فإن “إدخال الإسرائيليين ودولتهم ووجودها في منطقتنا, يصبح مع الزمن, مسألة طبيعيةً”! وغيرها بالطبع من الأهداف الصهيونية الأخرى! أذكر على هذا الصعيد: حادثتين من ثلاث حفّزاني على أهمية الرد على كتاب نتنياهو “مكان تحت الشمس”. الأولى: أحد مرضاي الفلسطينيين ممن يعيشون في الأردن ذكر لي عندما جاء للعلاج: أن ابنه الأكبر الدارس في أميركا آنذاك, قرأ كتاب نتنياهو باللغة الإنجليزية, والصادر في بداية تسعينيات القرن الماضي تحت عنوان:
A place Among The Nation
وأنه مقتنع بما جاء فيه؟! حينها, مسّتني صاعقة كهربائية, وانتفضت, فالكتاب خطير, ومليء بالأضاليل, ومحاولة تزوير التاريخ في افتئات واضح عليه. للصدفة: كنت قبلها بأسابيع قد أتممت قراءة ترجمته العربية الصادرة عن “دار الجليل” في عمّان, وقررت حينها الكتابة عن أضاليله, في مقالاتي الأسبوعية في عدة دول عربية. بعد الحادثة, بدأت إرهاصات أهمية الرد, تغزو مخي. الحادثة الثانية: شاهدت برنامجًا حواريًّا عن الكتاب على شاشة إحدى الفضائيات العربية, وكان أحد المحاورين, عضوا قياديا في أحد التنظيمات الفلسطينية، وعندما سألته مقدمة البرنامج: عن طريقة الرد عليه؟ أجاب القيادي: بأن الرد يحتاج إلى معاهد دراسات. قررت في تلك اللحظة أن أرد بعد شعور بالتحدي, والسؤال لذاتي: هل سأستطيع؟ وأنا الطبيب مهنيًّا؟! بعد معاناة حوار الذات … قررت الرد. وفعلا صدر كتابي: “تزوير التاريخ” في الرد على كتاب نتنياهو: “مكان تحت الشمس”, وأثار ضجة فكتاب نتنياهو راج كثيرا في العالم العربي ودوليا. طُبع كتابي مرات كثيرة في عدة دول عربية. بالطبع، الكتاب أخذ مني جهدًا طويلًا امتد أربع سنوات, وكان بمثابة الهاجس الرئيسي لي, إلى الحد: أن زوجتي تندّرت من خلال القول: إن نتنياهو أصبح ينام معنا في السرير، لكثرة ما عرضت عليها مسودات من فصول الكتاب المقصود لمراجعتها, كقارئة, ومدى إقناعي للقرّاء في كشف التزوير. المقصود من ذلك: توضيح خطر إدخال الإسرائيليين كأشخاص (وليس إدخال أفكارهم وأضاليلهم, فنحن مطالبون بمراجعتها ومتابعتها أولا بأول, على طريق إتقان قراءته وتحليل تفاصيله من أجل معرفته) إلى مجالات حياتنا, مثل الكريه “دوري جولد” وأمثاله. نجاح الكتاب حفّزني على إصدار كتابين عن الكيان ومواجهته, وهما: “زيف ديموقراطية إسرائيل”, و”ثقافة المقاومة”.
أحد شروط الفن هو: التزامه بقضيته (والفضائيات من وجهة نظر عديدين هي: إحدى وسائل الفن, وحتى لو لم ينطبق عليها تمامًا, فإنه يسري عليها بهذا الشكل أو ذاك) فالفن لم يَعدْ وفق الفهم الأفلاطوني له: “الفن للفن”, فمنذ بلزاك, مرورًا بفلوبير, وصولًا إلى “الواقعية الاشتراكية”, فإن رواده الحقيقيين, قرنوه: بمدى التزامه, وعدالة القضايا التي يدافع عنها، بالتالي: فإن دوره كبير, إلى الحد: أنه يفرض حقائقه. “الميادين” هي رائدة على هذا الصعيد الملتزم، وهي الأولى في العالم العربي دون منازع. ولذلك, استقطبت ولا تزال, جماهيرنا الفلسطينية, وأمتنا العربية من المحيط إلى الخليج.
عندما نقول: “الميادين” … فإن ذلك يعني: مديرها, ومسؤوليها ومقدمي (نساء ورجالا بالطبع … ولن ننسى, الدور الرائع للجميلات الأصيلات, شكلا ومضمونا وتقديما) برامجها, وعامليها, ومراسليها (وبخاصة في الساحات الساخنة الصعبة) وفنييها جميعًا, وعمالها, وكل جنودها المجهولين, وموظفيها بلا استثناء, فلولا هذا الإيمان الكبير منهم, كلهم, وبغض النظر عن معتقداتهم, وانتماءاتهم السياسية, لما وصلت الميادين إلى المركز الذي وصلت إليه. أخاطبهم من خلال كلماتي هذه, قائلًا: أبدعتم، شكرًا لكم أيها الأحبة من صميم القلب.. وإلى المزيد أيها الأعزاء من العطاءات الخيّرة وتحقيق النجاحات لكم على الصعيدين: الشخصي والمهني, لقد تألقتم كثيرا في القاسم المشترك لكم جميعا: العشق لفلسطين. التحية للميادين: فضائيتنا وفضائيتكم, ولكم. ونحن معًا على طريق الانتصار, فأنتم مثل شجرة يانعة مخضرّة في كل الفصول, تعطي ثمارها في كل أوقات السنة, بالرغم أنها تعيش في وسط صحراء قاحلة؟!

إلى الأعلى