السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على هامش محنة الرئيس هولاند: رجال لم يقرأو كتاب النساء!

على هامش محنة الرئيس هولاند: رجال لم يقرأو كتاب النساء!

د.أحمد القديدي

أردت من خلال سرد هذه المغامرات الرئاسية الفرنسية في الحقيقة التطرق إلى قضية أكثر جدية وأقرب لمجتمعاتنا نحن، وهي قضية الأسرة في الإسلام والأسرة موضوع قرآني في كتاب الله تعالى وفي سور عديدة أولها سورة النساء، وعاش المجتمع المسلم على قوانينها العادلة 14 قرنا أنجبت خلالها تونس على سبيل المثال أعظم النساء المسلمات فضلا وإشعاعا.

من أجمل ما كتب الشاعر نزار قباني هذا البيت الذي يقول فيه بكل بساطة: أنا قرأت كتاب النساء! وهو المعروف طبعا بمعرفته العميقة بقلوب النساء وعواطف النساء وأسرار النساء وبجهله المطلق بكيدهن! ولكن يبدو أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لم يحظَ بما حظي به شاعرنا الكبير ففاته أن يقرأ كتاب النساء وهو اليوم في مأزق صعب مع صدور كتاب نشرته يوم الخميس الماضي رفيقة دربه السيدة الأولى سابقا في قصر الأليزيه (فاليري أرويلير) ويضم 320 صفحة من كشف المستور والتباكي بدموع من كلمات الحقد والغضب والانتقام ضد رجل أحبها وأحبته ثم اكتشفت كما اكتشف الفرنسيون أنه يحب امرأة ثالثة وأقول ثالثة لأن الرئيس الفرنسي له مع النساء قصص تنافس كتاب ألف ليلة وليلة. فهو الذي حين بدأ مساره السياسي مع الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران منذ ثلاثين عاما اقترن مع رفيقة كفاحه الأولى السيدة (سيجولان روايال) وكانت زميلته وخريجة نفس الدفعة في المدرسة الوطنية للإدارة؛ تلك المؤسسة الجامعية ذات المقام العالي لأنها خرجت أغلب زعماء ورؤساء ووزراء فرنسا فأحبها الشاب فرانسوا واقترن بها (لم يتزوجها فالاقتران لدى الفرنسيين يعني بالضبط الزواج العرفي؛ أي أنه اقتران حر بدون تدخل القانون الفرنسي وبدون قيد أو شرط ويترك للمقترنين الاثنين حرية فك الارتباط أو فك الاشتباك دون أي إجراء قانوني قضائي يحشر الدولة في شؤون شخصية، وهو عكس قانون مجلة الأحوال الشخصية التونسية على سبيل المثال الفريدة من نوعها في العالم لا في العالم الإسلامي وحده والتي تدين الارتباط الحر والزواج العرفي، بل تحكم على المتزوج بخمس سنوات سجنا بالرغم من أنه فضل الزواج من امرأة على اتخاذها عشيقة! وأنا حين أنادي بمراجعة بعض فصولها التي أثبتت التجارب مساوئها أدعو العلمانيين المتحمسين لنمط المجتمع الغربي العلماني أن يزوروا المحاكم التونسية ويشهدوا على استحالة البت العادل في القضايا المنشورة في الأحوال الشخصية نظرا لتفاقم أعدادها بمئات الآلاف وقلة عدد السادة القضاة في المحاكم، كما أدعو بعض غلاتهم أن يفسروا لنا أعزهم الله لماذا تبيح فرنسا وهي قدوتهم وأم العلمانية الزواج العرفي ونحن نسجن من يعقد قرانه على شرع الله؟).
نعود إلى بطلنا الراهن فرانسوا هولاند فقد عاش الرجل مع رفيقة دربه السيدة سيجولان روايال عشرين سنة وأنجبت له ولدين وبنتا ثم قررا معا الافتراق فسرحها بإحسان بعد أن عاشرها بمعروف وانتخبه الفرنسيون رئيسا للجمهورية سنة 2012 ودخل قصر الأليزيه بدون زوجة، وبعد ذلك تعرف على السيدة فاليري إيرويلير وهي صحفية في مجلة (باري ماتش) فارتبط بها أيضا بالزواج الإسلامي (الشرعي حسب الدين والعرف) لأنه من حسن حظه ليس تونسيا وإلا لكان ألقي عليه القبض وحوكم في محاكمنا بتهمة الخروج على فصول مجلة الأحوال الشخصية! واستقرت الصحفية في قصر الأليزيه ورافقت فخامة الرئيس إلى عدة بلدان في زيارات رسمية ومثلت وطنها أفضل تمثيل. إلا أنها بقيت صحفية، أما هو فبقي مغرما بالنساء على ما يبدو وحسب ما نشرته المجلات المسائية، فبدأت الشكوك تتراكم ونشرت إحدى المجلات في ديسمبر 2013 صورا للرئيس وحبيبته الجديدة التي ارتبط بها بزواج مسيار (دائما على عهدة المجلة) أي أن فرانسوا يزورها إما قيلولة أو مساء في شقة الحب السعيد الجديد ثم يعود من بيت الضرة إلى عش الرفيقة فاليري، واندلعت هذه الأنباء فتحولت من شائعات إلى واقع، ما أثار غضب السيدة الأولى وحنقها، فغادرت القصر العائلي (مؤقتا) إلى بيت أبيها في يناير الماضي، وتوكلت على المسيح لتكتب قنبلة في شكل كتاب مذكرات بعنوان (شكرا على هذه الأوقات)، وتم طبع الكتاب بكل سرية وتقية في ألمانيا، وهو اليوم معروض في كل واجهات المكتبات للبيع، مع العلم أن المواطن الفرنسي العادي يعتبر أن الحياة الشخصية للشخصيات العامة لا تهم سوى أصحابها، لكنه يحب أن يقرأ الفضائح ويطلع على الأسرار بدون أية إدانة أو موقف أخلاقي أو الخلط بين المردود السياسي للمسؤول وبين مشاكله العائلية أو الحميمية الشخصية.
أردت من خلال سرد هذه المغامرات الرئاسية الفرنسية في الحقيقة التطرق إلى قضية أكثر جدية وأقرب لمجتمعاتنا نحن، وهي قضية الأسرة في الإسلام والأسرة موضوع قرآني في كتاب الله تعالى وفي سور عديدة أولها سورة النساء، وعاش المجتمع المسلم على قوانينها العادلة 14 قرنا أنجبت خلالها تونس على سبيل المثال أعظم النساء المسلمات فضلا وإشعاعا كالسيدة فاطمة الفهرية سليلة القيروان والتي هاجرت لمدينة فاس فأسست جامعة وجامع القرويين والسيدة العزيزة عثمانة مؤسسة المشاريع الخيرية والاجتماعية أولها المستشفى الحامل لاسمها إلى اليوم، ونذكر أيضا السيدة أروى بنت أمير القيروان منصور بن يزيد الحميري التي تزوجها الخليفة أبو جعفر المنصور وكان لها الفضل في إقرار الصداق القيرواني الذي يعطي للمرأة حقوقا إسلامية كاملة دون المساس بأصل الشرع ومقاصده، وقد التزم المجتمع القيرواني في القديم إلى عهد قريب بهذا الصداق، حيث نجد أقدم أثر له فيما ذكره الإخباريّون من أنّ الخليفة المنصور قد لجأ قبل نجاح الدعوة العباسيّة واعتلائه عرش الخلافة إلى إفريقيا متسترا ونزل ضيفا بالقيروان على المنصور بن يزيد الحميري، فأعجب بابنته “أروى” وبهر بجمالها فخطبها إلى أبيها وتزوّجها وقد اشترط لها أبوها في عقد زواجها ألاّ يتزوج أبو جعفر المنصور غيرها ولا يتّخذ السراري معها، فإن تسرّى عليها كان طلاقها بيدها. كل هؤلاء النساء الفاضلات حققن إنجازات كبرى، ولم تكن في مجتمعهن مجلة للأحوال الشخصية بل كانت الأسرة تؤسس على المودة والرحمة اللتين نص عليهما القرآن العظيم، وكانت المرأة سيدة بيتها وكان الزوج تاجا على رأس عائلته ومحل احترام عياله؛ لأن زوجته تحترمه نفس احترام والدتها لأبيها، لا كما تتمرد بعض النسوة اليوم لا على الزوج فقط، بل على كل نواميس المجتمع وعلى روح الشرع ومقاصد الشريعة، فتعود الأبناء على عدم احترام الأب تقليدا للأم بدعوى أن بورقيبة هو محرر المرأة (محررها من ماذا وممن؟ ونحن نرى آلاف حالات الأمهات العازبات و35% من نسائنا يجهضن حسب وزير الصحة السيد بن عمار، وحققت بلادنا أعلى النسب في المخدرات والأمراض العصبية والمواليد بلا أب، وتفاقم حالات الطلاق، وشاهدوا برامج تلفزيونية اجتماعية لتتأكدوا من حقيقة تحرير المرأة!) وهي تعيش على فكرة أن القانون يحميها ظالمة أو مظلومة! ولا أختم هذا المقال دون أن أتقدم بخالص التعازي والمواساة لأنصار النمط الفرنسي للمجتمع وهو مثلهم الأعلى ورائد مسيرتهم؛ لأن رئيس فرنسا والرؤساء الذين سبقوه ميتران وساركوزي تزوجوا على العرف الجاري، وبعضهم عدد الزوجات، والإحصاء الرسمي لوزارة العدل الفرنسية هذه السنة تقول بأن 59% من المواليد الفرنسيين سنة 2013 ولدوا خارج مؤسسة الزواج ….المدني لأنهم أحرار وينتمون إلى دولة حق وقانون ويمارسون أحوالهم الشخصية بكل حرية وبدون أن يتعدى واحد منهم على حرية غيره. فاعتبروا يا أولي الألباب.

إلى الأعلى