الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : سنحاريب وحملته على يهوذا

أصداف : سنحاريب وحملته على يهوذا

وليد الزبيدي

عندما جاء سنحاريب بعد سرجون الثاني قرر عام 701 ق.م القيام بحملة قوية على مملكة يهوذا، ويلخص الملك الآشوري قصة حملته تلك في كتاباته التي أوردتها The) Catholic Encyclopedia VoI :II). ويقول فيها الملك الآشوري: أما حزقيا اليهودي فلم يرضخ لسلطتي، فحاصرت 46 مدينة من مدنه المحصنة عدا القرى المجاورة التي لا يحصى عددها، واستوليت عليها كلها باستخدام أنواع الآلات الحربية والمنجنيقات مما ساعدنا على الاقتراب من الأسوار واختراقها، وقد أخذنا منهم مئتي ألف ومئة وخمسين نسمة من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ مع حيواناتهم، و(حزقيا) جعلته حبيسًا في أورشليم في قصره كالطير في القفص، وأحطته بأكوام من التراب للتضييق على كل من يحاول الخروج من المدينة، وقد أرسل سفيره ليتفاوض معي بشأن الجزية. ومن الجدير بالذكر أن (حزقيا) (715-686 ق.م) كان قد استنجد بملك مصر ضد الملك الآشوري ويقول يوسف رزق الله غنيمة في كتابه (نزهة المشتاق) إن خبر حملة سنحاريب يوجد في الألواح المحفوظة في دار التحف البريطانية في الرواق الآشوري المرقم 810 و811 و829 و840 وهي جزء من ثور من الحجر عثر عليه المنقبون في أطلال قويونجق.
ويشير د.أحمد سوسه إلى أن أورشليم لم تسقط بيد سنحاريب، إلا أن الجيش الآشوري ترك البلاد خراباً، ولم يستطع ملك يهوذا الاحتفاظ بعرشه، إلا بعد دفع الجزية واعترافه بسيادة الآشوريين.
وتعد فترة الحكم الآشوري من المراحل المهمة التي عاشها يهود العراق، لأن اليهود الذين جلبوا من فلسطين، لم يسكنوا منطقة واحدة، بحيث يكونون طائفة متجانسة لها تقاليدها وتاريخها وتجارتها وتعليمها، كما حصل بعد ذلك بالنسبة ليهود بابل، وما حصل في المناطق الجبلية أن الملوك الآشوريين، وزعوا اليهود على مناطق متعددة، ولم يكن القصد من ذلك لتفريقهم كما يذهب بعض المؤرخين، لكن يبدو أن الآشوريين أرادوا الاستفادة من هؤلاء في الزراعة، ونظراً لتعرج المنطقة في شمال العراق ووجود الجبال الكثيرة، فقد أصبح الاتصال في ما بينهم من المسائل الصعبة في ذلك الوقت، ومعروف أنه حتى الوقت الحاضر وبعد أن دخلت الآليات الحديثة في شق الطرق وتعبيدها داخل الجبال، فإن مناطق نائية لم يتم الوصول إليها بيسر وحتى قبل عدة عقود وكانت قرى كثيرة شبه معزولة ولا يصل إليها أحد إلا بصعوبة بالغة، بسبب ارتفاع الجبال وتشعب سلاسلها.
وظل اليهود يعملون على تتبع أثر أبناء طائفتهم، ولا شك أن وعورة المنطقة وخطورة التنقل بين أجزائها، حال دون الوصول إلى جميع اليهود القاطنين هناك، ويقول بهذا الصدد الرحالة اليهودي (افاريم نيمارق) في كتابه (رحلة إلى بلاد الشرق) لم يتوقف مبعوثو (أرض إسرائيل) من التعطر بعبق يهود دول الشرق في جميع العصور، وكانوا دائمًا الجسر الذي يصل بين مبعدي اليهود وبين (أرض إسرائيل) ويتحدث عن مهمة المبعوث بصورة عامة من جمع التبرعات إلى جلب الكتب وإدامة الصلة الدينية، وتشير الدراسات التاريخية وكتب الرحلات إلى أن أهم رحلة تحدثت عن اليهود في الشرق، بما فيها اليهود في شمال العراق كانت رحلة الربي بنيامين التطيلي الأندلسي، والذي قال عن يهود العمادية: إنه يقيم فيها نحو خمسة وعشرين ألف يهودي، وهم جماعات منتشرة في أكثر من مئة موقع من جبال خفتيان (وهم جبال كردستان بنواحي الموصل، كما جاء في معجم البلدان لياقوت) عند تخوم بلاد ماري ويهودها من بقايا الجالية الأولى، التي أسرها شلمنصر ملك آشور ويتفاهمون بلسان الترجوم (يقصد اللغة الآرامية الشرقية، حسب ما ذكر ذلك عزرا حداد مترجم رحلة بنيامين) وبينهم عدد من كبار العلماء والعمادية على مسيرة يوم من تخوم بلاد العجم، يؤدي يهودها الجزية للمسلمين شأن سائر اليهود المقيمين في الديار الإسلامية وقدرها دينار أميري ذهبًا، أو ما يعادل مرابطيًّا وثلث مرابطي ذهبًا لمن بلغ منهم الخامسة عشرة من عمره، ويذكر بنيامين التطيلي وهو رحالة يهودي كما أسلفنا ما حصل في العمادية قبل زيارته بعشر سنوات (رحلته كانت 1165-1173) يقول حصلت في ذلك الوقت فتنة داود ابن الروحي، وكان هذا قد تلقى العلم في بغداد عند حسداي رأس الجالوت وعند علي رأس مثيبة (نماؤون يعقوب) فتضلع بالتوراة والفقه والتلمود وسائر العلوم وبرع بلغة المسلمين وآدابهم ونبغ بفنون السحر والشعوذة، فدخل في روعه أن يعلن العصيان على ملك العجم، ويجمع حوله اليهود القاطنين في جبال حبتون ومقاتلة النصارى المتمكنين من أورشليم والاستيلاء عليها وطردهم منها، فشرع بنشر دعوته بين اليهود ويدعم دعوته بالبراهين الباطلة، كان يقول لهم (إن الله قيضني لفتح القدس وإنقاذكم من نير الاستعباد) فآمنت به جماعة من بسطاء اليهود وحسبته المسيح المنتظر، وبعد أن وصل خبره إلى ملك العجم زجه في السجن الكبير في طبرستان (رحلة بنيامين التطيلي ص154-155).

إلى الأعلى