الخميس 18 يوليو 2019 م - ١٥ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع أميركا نحو مزيد من الانسحاب .. ولكن

شراع أميركا نحو مزيد من الانسحاب .. ولكن

خميس التوبي

خميس بن حبيب التوبي khamisaltobi@yahoo.com
كل مؤشرات الأحداث في العالم عامة وفي المنطقة خاصة، وكذلك المواقف الصادرة عن الولايات المتحدة تشي بأنها ليست في وضع يسمح لها بخوض حروب جديدة على غرار حربيها الأخيرتين في أفغانستان والعراق، أو حتى حروبها السابقة كحرب فيتنام، بل إن المؤشرات تشير إلى انكفاء الولايات المتحدة على نفسها، وإلى مزيد من الانسحاب من المنطقة تحديدًا، وذلك مصداقًا لسنن التغيير الخارجة عن إرادة البشر، فلا حال يدوم لأحد، وفي ظل تعاظم القوى المنافسة والمناوئة لها، حيث أخذت هذه القوى المنافسة تراكم قوتها العسكرية وخبراتها التكنولوجية والعلمية لمنع الاستفراد الأميركي بالهيمنة على مصير العالم ومقدراته لما يقارب ثلاثة عقود.
الولايات المتحدة ـ وهي في قرارة نفسها تعلم يقينًا أنها غير قادرة على استخدام القوة الخشنة بشن حروب عسكرية ـ تحاول مقاومة سنن التغيير والتبدل، مأخوذة في ذلك بنزعة الهيمنة والتسلط المتمثلة في الأحادية القطبية التي ترفض أن ينازعها عليها أحد، أو نشوء قطبية متعددة؛ لذلك تبذل جهودًا حثيثة في محاولة ترتيب المشهد بما يحفظ لها صفة أحادية القطبية، ويحفظ لها أمرين مهمين كانا ولا يزالان هما السبب في الانتشار العسكري، وبناء القواعد العسكرية، وشن الحروب الغاشمة؛ الأول: الهيمنة على مصادر الطاقة في العالم، وتأمين إمداداتها إلى الولايات المتحدة، والتحكم في أسعارها، وسلب حقوق ذوي هذه الثروة (المنتجين والمصدرين لها). والثاني: تأمين بقاء كيان الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، وتسليمه زمام الهيمنة والسيطرة على مقدرات المنطقة والتحكم في قراراتها، وانتهاك سيادتها واستقلالها.
ويمكن قراءة مؤشرات الانسحاب والانكفاء لأميركا مع محاولة تدخلها لعدم إعطاء خصومها ومنافسيها فرصة التربع على عرش العالم، أو الولادة الحقيقية للقطبية المتعددة، ولحماية كيان الاحتلال الإسرائيلي من خلال عدد من الصور:
أولها: إعلان الولايات المتحدة سحب قواتها غير الشرعية من سوريا ـ بغض النظر عن عدم وجود ما يدل على مصداقية هذا الإعلان حتى الوقت الراهن ـ حيث تدرك أن بقاء هذه القوات على الأراضي السورية سيكون مكلفًا وباهظ الثمن عسكريًّا وسياسيًّا، على الرغم من محاولتها الضغط على أتباعها تمويل وجودها غير الشرعي، لأنه من الممكن أن يكون ورقة مهمة بيد سوريا وحلفائها، كما كان حال هذه القوات في العراق التي استطاعت المقاومة العراقية أن تستنزف الولايات المتحدة ماديًّا وبشريًّا، وأن ترسل إلى أميركا عشرات النعوش من جنودها، ما اضطرها إلى سحب قواتها من الأراضي العراقية، وكذلك الحال أيضًا في لبنان حيث كانت القوات الأميركية هدفًا للمقاومة اللبنانية، لذا يبدو أن واشنطن تضع لهذه التجارب حسابها السياسي والعسكري داخليًّا وخارجيًّا.إلا أن الولايات المتحدة لم تسلم الراية بهذه البساطة، بل لا تزال تراهن على الجغرافيا داخل سوريا، وعلى الوكلاء والعملاء من بعض المكونات المجتمعية، ونعني بهم الأكراد تحديدًا، وذوي الأطماع الإقليمية والأحلام الاستعمارية القديمة، مضافًا إليهم التنظيمات الإرهابية التكفيرية، للنيل من سوريا وحلفائها الذين تصنفهم واشنطن خصومًا ألداء لها، وذلك من أجل استنزافهم، بحيث تتكفل بدعم وكلائها وعملائها من الخلف.
ثانيها: الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الذي وقعته واشنطن مع المجموعة الدولية المعروفة بـ”5+1″.. وبالنظر إلى طبيعة الانسحاب فإنه ليس اعتراضًا على مراقبة المفاعلات النووية الإيرانية، وتجميد بعضها، وإنما لعدم تضمين الاتفاق برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني الذي يراه كيان الاحتلال الإسرائيلي خطرًا ومهددًا لبقائه.وما يؤكد هذا الأمر أن كل محاور الحديث والمناشدات والاجتماعات التي تدور بين القيادات الإيرانية والقوى الدولية، لا سيما القوى الأوروبية الموقعة على الاتفاق، كفرنسا وألمانيا، محورها برنامج الصواريخ الباليستية، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلًا، وتؤكد أن برنامجها هذا غير داخل في الاتفاق، وغير خاضع للنقاش؛ لأنه أساس الحماية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ثالثها: تشديد الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية على خصومها ومنافسيها وفي مقدمتهم روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وسوريا، حيث ترى واشنطن في هذه العقوبات وسيلة لإضعاف هذه الدول، وزعزعة استقرارها وإثارة شعوبها ضد حكوماتها، وإثارة امتعاضهم.
رابعها: محاولة الولايات المتحدة العودة لتأمين حدائقها الخلفية المتمثلة في دول أميركا اللاتينية بتكثيف العمل الاستخباري فيها وتغيير حكوماتها، وجعلها موالية لها، فكما نجحت في البرازيل والأرجنتين بالإطاحة برموزها التي بنت اقتصادها وجعلت منها دولًا ذات سيادة وقرار واستقلال وقوة اقتصادية، تحاول التدخل في فنزويلا عبر عميلها خوان جوايدو رئيس البرلمان الفنزويلي للإطاحة بحكومة الرئيس الشرعي المنتخب نيكولاس مادورو. ومعروف عن أميركا اللاتينية أنها ذات ثروات هائلة، وبالتالي تبدو مرتعًا خصبًا للشركات الأميركية، وسبيلًا للتخلص من نفط الشرق الأوسط، وما يكتنفه من كلف باهظة، من حيث الوجود العسكري وبُعد المسافة وتأمين النقل وغير ذلك. كما أن العمل على تغيير الأنظمة والحكومات في أميركا اللاتينية يؤكد حالة الانكفاء والانسحاب للولايات المتحدة، بحيث تؤمِّن محيطها بالإتيان بحكومات موالية وتابعة لها، وممانعة لأي وجود أو تعاطف مع خصوم أميركا وفي مقدمتهم روسيا الاتحادية والصين.
خامسها: إطلاق الولايات المتحدة حربًا باردة جديدة وسباق تسلح جديدًا، وذلك بإعلانها الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة المدى، والهدف من ذلك هو العمل على إلحاق مزيد من الإنهاك للدب الروسي واستنزاف الاقتصاد الروسي الذي يتعرض لعقوبات، الأمر الذي قابلته موسكو بتجميد العمل بالمعاهدة وإعطاء مجمع الصناعات العسكرية الروسية إشارة البدء في تطوير صواريخ عابرة، منها تصنيع صاروخ كوبر بري.
إذًا، يمكن القول، إن شعار المرحلة سيكون هو إشعال الأميركي المزيد من الحرائق في المعمورة، وكل بقعة يوجد بها خصوم الولايات المتحدة من أجل الدفاع عن قطبيتها الأحادية، ومن أجل الهيمنة على مصادر الطاقة، وتأمين حليفها الاستراتيجي (كيان الاحتلال الإسرائيلي)، حيث تريد من مؤتمر وارسو الذي دعت إليه من تريد، ومن يمكن أن يدعمها فيما تريد، المرتكز لتحقيق ما تهدف إليه وتريد، ولكن سنن الكون في التغيير والتحويل لن تكون دائمًا مع ما تريد.

إلى الأعلى