الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار عندما يحترق الجسد !

باختصار عندما يحترق الجسد !

زهير ماجد

زهير ماجد
على طريقة البوعزيزي التونسي فعلها اللبناني جورج زريق.. الاثنان احترقا بفعل خيار شخصي، لكن ابعاده طالت المجتمع، بل كل المجتمعات التي تبدلت ونغيرت وفكرت بان حريق الفرد ليس سوى نار جماعية، وهي في القلوب قبل ان تمس الاجساد.
مسكين التونسي ومثله اللبناني، ودعا الدنيا بطريقة الاختيار الشخصي، أجمل الميتات الواعية كما يقول ألبير كامي هي في خيارها. مات الجسدان لكنهما حركا ضميرا جماعيا للناس اجمعين، اما سلطاتهما فليس ما يحركها سوى شهوة الزيادة في المال والربح والاستئثار بالقرار.. الانسان في هذا العالم وخصوصا في البلاد الضعيفة مجرد رقم مدون في سجلات الدولة يجري شطبه عند اغفاءته الاخيرة، بل هو مشطوب من لائحة الكرامة منذ ما قبل ان يولد.
ذات مرة من عمر مدينة صيدا في جنوب لبنان، وفي عصر كان فيه الفرس يحتلون المدن والقرى قبل الميلاد بسنين، تمت محاصرتها من قبلهم ولمدة شهور، وحين اعيا اهالي المدينة قلة الموارد او نضوبها، احرقوا مدينتهم ولم يستسلموا وهم يرددون الجملة الشهيرة “النار ولا العار”.
كان خيارا اخيرا لم يأت عفو الخاطر.. عندما تمس الكرامات يتغير الانسان ويتبدل ان هو معتنقها عن صح. تأبى النفس البشرية ان تمس في هذه الحالة وان تتعرض لاعتداء. جورج زريق هرب من وجعه الى احراق جسده، خاف ان يقول لاولاده قلة حيلته فقدم نفسه شهية لنار لاترحم.. لكن اصعب من الحريق هو الموقف امام الابناء بدون حل، بل بدوس الكرامة. حين هدد جورج مدير مدرسة اولاده بانهم ان لم يعطه الورقة المطلوبة لتسجيلهم في مدرسة اخرى سيحرق نفسه، والمعلوم انه طلب منهم علامات الأولاد وورقة من المدرسة فرفض طلبه الا اذا دفع القسط المتوجب عليه،وهو لايحمله، بل ليس بمقدوره الحصول عليه.
عندما يحترق الجسد لا يبقى هنالك حوار سوى النار.. تنتهي اللعبة امام النظارة الذين لايتقنون الاحساس النفسي بان للآخر المعدم مساحة قليلة كي يقتل نفسه بطريقته التي استعد لها. فهل مافعله جورج بنفسه كان فقط من اجل ابنائه، ام ان بنية المجتمع باسرها تشبهه نظرا للواقع اللبناني المأزوم، ولحالة الصعوبات التي يعانيها المواطن في هذا البلد المأكول من قبل سياسييه.
أرخ البوعزيزي تاريخا طويلا من التغيير الذي تنقل بين عواصم عربية، لكنه التغيير الذي يحتاج لتغيير ايضا نظرا لما اوصله من غبار التغيير ذاته واما الفعل المفترض فلم يأت، سيظل الناس في تلك المجتمعات العربية ينتظرون الآتي الذي لن يأتي، لكنهم سيعتادون على الغبار وما اكثره، وعلى الهواء الملوث، وعلى الحياة الميتة التي يعيشونها.
سيظل هذا الحوار بين المجتمع ومسؤوليه قائما دون جواب شاف.. ليس بامكان المسؤولين الاجابة على كل التفاصيل ولا على نصفها او ربعها او جواب منها، فيما الناس على ظمأ لمعرفة دائمة لمستقبلهم ولعيشهم ولحياة ابنائهم.. لماذا الاطفال اذا لم يكن لهم عيش كريم.. ليس مهما ان يولدوا اذا لم يكن لهم مجد الحياة.. وان ولدوا فلن يكون لهم سوى الهامش حلا، وان حاولوا تجاوزه فعليهم ان يفهموا ان قصة وجودهم على الارض مرتبطة بان يتوارثوا الغبار فقط، وتلك هي النعمة التي تصنعها تلك الدول للذين هم رقم في احصاءاتها.

إلى الأعلى