السبت 20 يوليو 2019 م - ١٧ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ملزمون بالقيادة في بيئة دولية قاسية

ملزمون بالقيادة في بيئة دولية قاسية

محمد بن سعيد الفطيسي

محمد الفطيسي
وسط هذا الكم الهائل من الفوضى والاضطرابات الناتجة عن تشظي النظام العالمي القائم على المركزية الاميريكية, وتشكل نظام عالمي جديد قائم على التعددية القطبية الفضفاضة أو حتى نظام حكم الكثرة، وما تبعه هذا التحول من اتجاه عالمي نحو تبني سياسات يغلب عليها طابع القوة الصلبة والخيارات العسكرية، تحاول أغلب الوحدات السياسية بمختلف أشكالها وتوجهاتها وأحجامها ان تجد لها مكانا بين الفاعلين الدوليين خلال الفترة القادمة.
وهذا الأمر بحد ذاته له من المخاطر والانعكاسات السياسية والامنية ما سيجعل أغلب دول العالم بين مطرقة الضرورة القائمة على أهمية التواجد كقوة لها وزنها ومكانتها، وبكل تأكيد ستكون متطلبات ذلك معقدة وكلفتها كبيرة ولها من الضرائب السياسية والأمنية الكثير، وسندان العزلة والبعد عن الصراعات والمواجهات، وهذا الأمر بكل تأكيد سيكون وللأسف الشديد أكثر كلفة وخطورة على العديد من الدول خلال المرحلة الزمنية القادمة . وما يؤسف له أكثر صعوبة إيجاد معادلة تحقق التوازن بين هذا المطلب وذاك .
وما هو مؤكد بناء على العديد من المعطيات السياسية والأمنية المنبثقة عن تحولات النظام الدولي والتي بدأت نتائجها تنعكس على الامن والاستقرار الدولي من جهة، وعلى مكانة العديد من القوى الدولية الراهنة من جهة اخرى، ان شيئا من تلك النتائج سيكون اكثر وضوحا بين ركام تلك الفوضى الدولية، وهو القضاء على ما تبقى من القيم الاخلاقية والانسانية في السياسة الخارجية والتعامل بين الوحدات السياسية الدولية في النظام العالمي.
ما يعني بدوره ومن جهة أخرى، ان الدول التي ستستمر او ستحافظ على فاعلية او واقعية هذا النوع من التوجهات في سياستها الخارجية وتوجهاتها الدولية وتعاملاتها مع بقية أعضاء المنظومة ستضطر مع الوقت الى مجابهة الكثير من العقبات الداخلية والدولية، خصوصا في ما يتعلق منها بتناقضات مصالحها الخارجية مع بقية الدول التي ستلتزم بالسياسات القائمة على المصالح السياسية البحتة دون اعتبارات أخلاقية، او حتى تلك الوحدات التي ستحاول ان تلبس قفاز الانسانية ويدها تضرب بعصا القوة.
وواحدة من تلك الدول التي ستواجه هذه المعضلة خلال الفترة الزمنية القادمة هي السلطنة، والتي يمكن التأكيد على انها من الدول القلائل التي حافظت حتى يومنا هذا على سياسة خارجية ملتزمة بالقيم الاخلاقية والالتزامات الانسانية كصبغة ثابتة إلى حد بعيد في سياستها الخارجية، بل وكانت وبشهادة المجتمع الدولي من الدول التي التزمت بقيم القيادة الأخلاقية والانسانية في زمن سيطرت فيه القوة على الكثير من التوجهات والسياسات الدولية .
وما لا أشك فيه في هذا السياق ان هذا الامر ليس صورة مؤقتة او مجرد تكتيك سياسي راعت فيه السلطنة ظروف ومتغيرات المرحلة الدولية وحاجياتها من القيم الانسانية والاخلاقية، بل هو استراتيجية وطنية ومسؤولية تاريخية، وواجب التزمت به منذ بواكير النهضة المباركة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، وما هو مؤكد أكثر أن هذا الأمر وهذه العقبات والمتاعب وكذلك النتائج كانت حاضرة في ذهن القيادة السياسية، وهو ما أكد عليه عاهل البلاد في أكثر من مناسبة ومحفل سياسي.
وهذه النظرة الاستثنائية التي تميزت بها سلطنة عمان في سياقات سياستها الخارجية تؤكد بأنه ما من تناقض بين الاخلاق والمصالح السياسية الخارجية للدولة، ولا يمكن بحال من الأحوال كما يؤكد ذلك بعض دعاة الواقعية المجردة رغم عدم وجود أي قراءات من قبلهم تستبعد دور الاخلاق بشكل مطلق عن الشؤون الخارجية، فما (يعلن الان على انه سياسة خارجية أخلاقية ليس جديدا، فقط ظلت الدول على الدوام محكومة بان تأخذ في الاعتبار جملة متطلبات عضوية المجتمع الدولي) ومن ضمنها المتطلبات الاخلاقية بالطبع . مع التأكيد على ان مصالح الدولة ومواطنيها تبقى الالتزام الاول بالنسبة لها، ولكن تظل هذه الاخيرة في سياق الواجبات والالتزامات الأكبر.
على ضوء ذلك اصبحت الدول الملتزمة بهذا الاتجاه والمسؤولية في السياسة الخارجية في ظل النظام الدولي الراهن والذي يسير باتجاه اكثر تشددا نحو الاخذ بالاعتبارات الانسانية والاخلاقية ليست بالكثيرة، وهو امر طبيعي جدا، بل ربما يكون الاكثر غرابة هو الالتزام بهذا النوع من الجوانب الاخلاقية والمثالية السياسية في السياسة الخارجية في زمن الواقعية المجردة والمصالح البحته او دعاة الانسانية والاخلاق الدعائية.
كذلك ومما يبدو انها أي هذه الدول ستخلق لها الكثير من الاعداء والعداوات، خصوصا ان الكثير من التصرفات والسلوكيات والانشطة الدولية للدول الكبرى خصوصا، وكذلك لبعض القوى الدولية الطامحة للنفوذ والقوة والسلطة تسير باتجاه اقرب ما يكون الى الواقعية المجردة، وفي اقل الاوقات ربما تتبنى بعض الخيارات الانسانية او الاخلاقية التي هي في حقيقتها مجرد قفاز لواقع من خيارات القوة الصلبة.
الا ان ما يدفع للطمأنينة هو استمرار تواجد هذه الدول، اقصد الدول التي لا زالت ملتزمة بالمحافظة على جملة من خيارات المثالية الاخلاقية والانسانية بقوة على الساحة الدولية واقعيا، وما يزيد من الطمأنينة اكثر هو التحولات الراهنة في النظام العالمي والتي تدفع باتجاه بروز فاعلين دوليين جدد من غير الدول، خصوصا المنظمات الانسانية والحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني، وهي في غالبها تضغط في هذا الاتجاه، أي الاتجاه الاخلاقي والانساني، ما يعطي تلك الدول التي تتبنى سياسية اكثر التزاما بالنواحي الاخلاقية قوة ودافعا اكبر الى الاستمرار من جهة، وامل في ان يكون لتوجهاتها هذه ثقل ودور في التأثير على القرارات السياسية الدولية الاكثر تشددا وصلابة خلال المستقبل، خصوصا في حدود الجغرافي.
اذا وفي ظل هذا الكم الكبير من التناقضات المرحلية الدولية، وصراع التجاذبات التاريخية العالمية القائمة على القوة والسلطة والنفوذ والرغبة في الهيمنة والتوسع، تبقى بعض الدول ميزة تاريخية ورقما صعبا في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لأنها تمكنت الى حد بعيد من بناء تلك التوازنات الصعبة في السياسة الدولية وتحقيق تلك المعادلة القاسية بين القيادة الواقعية والمثالية في هذه المرحلة التاريخية ، خصوصا في بيئة دولية واقليمية ترتفع فيها سقف الخلافات السياسية واختلاف المصالح، وهي اقرب الى الصدام منه الى الوئام، والى الصراع منه الى السلام، لذا هي ملزمة الى حد بعيد بالدفع بهذا السلوك والنشاط الانساني والاخلاقي الى مقدمة المصالح السياسية الدولية، وملزمة اكثر بقيادة هذا الاتجاه السلوكي في التعاملات والعلاقات والسياسيات العالمية مع نظيراتها في المجتمع الدولي.

إلى الأعلى