الإثنين 26 أغسطس 2019 م - ٢٤ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تساؤلات عن “محمية الإرهاب”

تساؤلات عن “محمية الإرهاب”

أيمن حسين كاتب مصري ـ وباحث اقتصاد وعلوم سياسية Ayman76h@gmail.com
أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجى فيرشينين أن موسكو لا يمكنها أن تسمح بوجود “محميات” للإرهاب في سوريا، وأنه يجب القضاء على الإرهاب إن آجلا أم عاجلاً، بحسب وكالة أنباء سبوتنيك الروسية والتي نقلت عنه قوله إن إدلب هى آخر منطقة عاملة بين مناطق خفض التصعيد الأربع التى تم إنشاؤها فى عام 2017، وأكد التزام بلاده بانتهاك “محميات” الإرهاب البغيض فى سوريا ـ حسب وصفه ـ وهذا يعني أيضاً التزاماً على كل القادة الروس بمن فيهم الرئيس فلاديمر بوتين.
أثارني في تصريح الوزير الروسي مصطلح “محميات الإرهاب” وهو مصطلح جديد في فهم طبيعة رعاية الدول والأنظمة والجماعات للإرهاب، فحسب السائد عالمياً أن المحميات مرتبطة بنطاق جغرافي، وتحوي بداخلها نباتات أو حيونات أو ظواهر جيولوجية أو حتى ظواهر طبيعية يتم عمل سياج لها لحمايتها من التعديات الخارجية وضمان بقائها.
فيرشينين استخدم المصطلح لوصف الإرهاب، وهو بالتالي أقر بأن الإرهاب بات له مساحة وحدود جغرافية، وبات له موارد بيئية وطبيعية ومالية وتنظيمية، وكونه وصف ارتباط المحميات الإرهابية بسوريا فإنه أيضاً يشير إلى أن هناك سياجا محيطا بهذه المحمية الغريبة ويرتبط بالأراضي السورية.
لو أخذنا التشبيه الجديد وعدنا به سنوات قليلة إلى الخلف، وتحديداً فترة ظهور تنظيم دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وتمت مقارنة المكتسبات الوجودية لداعش على الأرض، بأن بات لها أرض وسياج يتصرف فيه التنظيم كما شاء، وداخل هذه المحمية ترعرعت نبتة الإرهاب، وتم سقيها وتغذيتها، وتتكاثر حفاظاً عليها من الانقراض، وتحاول أن تمتد مظلة حمايتها إلى أراضٍ مجاورة تكتسب معها واقعاً جديداً، وكان التمدد يشمل ضم أجزاء من سوريا والعراق.
عامل الوقت خلال السنوات المنقضية كشف الكثير عن جوهر العناصر الموجودة داخل محمية الإرهاب في منطقة العراق وسوريا، وتبين أنها تضم عددا من محترفي الإرهاب على مستوى العالم، وغالبيتهم تم انتدابهم من مناطق ودول مختلفة في العالم لممارسة مهامهم في المحمية الجديدة، فرأينا جنسيات أوروبية ولاتينية وآسيوية وأميركية وبالطبع عربية، وهي تركيبة نادرة الوجود، وتم إعلان مسمى المحمية وتقديم الأيقونة والشكل الخاص بها، فسميت داعش، وأيقونتها التي استخدمتها للترويج الإعلامي من قبل صانعيها إنشاء دولة الخلافة، والتزام أفرادها بإطلاق اللحى، والرايات السوداء، وحمل السلاح، وباتت المحمية قادرة على التعبير عن نفسها من خلال ترويج أخبارها لوسائل الإعلام العالمية، وصنعوا لأنفسهم وجوداً أشبه بوجود الدولة، وربما لو طال الأمد لوجدوا اعترافاً من قوى دولية.
محمية الإرهاب أو “داعش” استولت على آبار النفط وأصبحت تبيعه لدول العالم بطريقة موازية، وبالتأكيد لها في الخفاء مظلة رعاية قوية دولية، ودمرت الموروثات التاريخية في سوريا والعراق، وانتهكت التراث الإنساني والثقافي في هجمات أشبه بهجمات المغول، واستخدمت الأدلجة الجديدة التي صاحبت ظهورها في فرض أنماط عسكرية وقتالية على مواجهاتها، لكنها دائماً كانت تفتقد الشكل والطرق الدبلوماسية والرسمية التي تسمح بالحوار معها والوصول لنقاط حل للأزمات.
اتفق تماماً مع وصف الوزير الروسي، المحمية كانت لها حماية خفية؛ لكن من هي الجهة صاحبة مظلة الحماية؟ ومن هم الأفراد أو الدول أو التنظيمات أو الجماعات التي يمولونها؟ وكيف شرعنت الجهات الممولة وصول الدعم لها؟ ومن صاحب المصلحة العليا لاستدامة المحمية وتكاثر ما بداخلها؟
التساؤلات كتيرة، والاستنتاجات جمة، والتنبؤ والتنظير متاح، واجتهاد الباحثين مباح؛ لكن ما يتفق عليه الجميع هو أن استساخ فكرة “الخمير الحمر” في المنطقة من خلال داعش بهدف الإساءة للإسلام هي فكرة تستهدف المنطقة والعقيدة الإسلامية السمحة، ويعرف الجميع من وراءها ومن يدعمها، كما أن شعوب المنطقة وأنظمتها لم يكونوا يوماً من رعاة هذه المحمية، بل قاتلوا وكافحوا لاجتثاثها، وهم من دفعوا ثمن زرعها من دماء أبنائهم، وأنهم ما زالوا يلفظونها ويعانون من ويلات اقحامها في هذه الأرض.. فماذا فعل من استفادوا منها سواء باستباحة الأراضي أو الدماء العربية، أو نهب ثروات وخيرات سوريا والعراق؟!

إلى الأعلى