الجمعة 19 أبريل 2019 م - ١٣ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / تأملات في عالم عالية الفارسية
تأملات في عالم عالية الفارسية

تأملات في عالم عالية الفارسية

د.صفاء غرسلي:
للمتأمل في عالم الفنانة التشكيلية العمانية عالية الفارسية أن يدرك الجذبة الفوقية التي أدركها مجال الفن التشكيلي المعاصر في العالم العربي ، إن في استجلاء الأنساق التشكيلية غير المبنية على حقائق مرئية وترجمتها بهذا الأسلوب للبحث عن الذات لا يخفى حتى على الناظر المتواضع ، عالم عالية المزدحم له أن يحكي لنا المزيد فنتعطش أكثر لتلك الجموع المتنزلة على لوحاتها بكل مساحاتها اللونية وندرك المزيد عن شخصيتها المنغمسة في اللون, العائمة في موسيقى التباعد بين خطوط المنظور و إسقاطات اللون ، في تفادي الفنانة لنقاط التلاشي طرح فريد و تمركز ناتئ للنقاط الذهبية وذلك بجرأة إدراجها للرؤوس المائلة ضمن تراكيبها المتواترة.
استقراء استيطيقي لسيميائية التركيبة
إن المتأمل في ما تخطه عالية يدرك و للوهلة الأولى مدى حرصها على تفعيل كل بواطن اللون بمختلف درجاته و كذلك الشكل بكل سياقاته لإفراز مزيج من الحواس المتداخلة. في تلك المراوحة بين ما يستضمره التشكيل من دلالات تتماهى مع الكم الهائل من الأحاسيس المتدفقة, نجد عالية تتميز بخطابها التشكيلي و الفني عن سائر الخطابات الفنية و البصريات في العالم العربي التي اتجهت أساسا إلى ترسيخ بواعث دلالية عند المتلقي معتمدين في ذلك على العنصر البصري دون سواه. لعل الإبداع عند عالية يختلف تماما, و يتجلى خصوصا في اقترانه ببواطنها عاكسا ما يمكن أن يتضارب و يتداخل في بواطن الفنان من أفكار و مكامن و ما يمكن أن يخالج صدره من مشاعر قد تتجلى في أروقة اللون و الشكل دون البحث في وجوبية الرمزية و التقصي في سيميائية التركية.
تهمس الفنانة عالية إلى اللوحة همسا بأناملها, إلى الغرض كالكرسي و الحجر و تترجم كلماتها المكنونة في وجوه تبدو متصالحة مع ذاتها, مختلفة عن كل السائد التشكيلي لتروي لنا حديث الروح كما تقول هي ” في رحلة البحث عن الذات ” فتجوب رحاب روحها المتجلية في عيون شخوصها و تقول” بحثت في سراديب روحي ” تجوب بنا عالية أرجاء الأمكنة كلها لتترجم لحظات من الفرح و اليأس الممزوج بالامتنان و الحماسة بخربشات جمرها و طبشورها على مساحاتها اللونية الجافة و المشكلة مدرجة ضربات لونية خطية في قوالب تشكيلية متنوعة لتعايش متاهات أحجامها و أشكالها و لتخلص إلى مقامات لونية مجاورة و كأنها تمضي قائلة أن بيدها مفاتيح الاستمتاع بهذه الحياة.
في عالم عالية الكثير بل المزيد من العيون الرائية، المبصرة وربما الناظرة… و لماذا؟ ألهذا العالم الجميل بكل ما يجوبه من خيبات و عثرات؟ أم أنها تخاطب فينا حب الحياة بكل يزدحم فيها من لحظات متعة وارتباك؟ هنا يتراءى عالم عالية المحبة للحياة بكل تفاصيلها، الفنانة الهادئة الصاخبة بفرشاتها.
تلك الشخوص التي تنحتها عالية بفرشاتها، هؤلاء الدراويش, تلك الطرابيش ، غاية في الاختلاف و الدقة اللامتناهية مما يجعل المتأمل في لوحاتها يلمس الحماسة المقترنة بالصفاء و بالحّس المرهفين، تمضي عالية في توريد شخصياتها التي تتجاوز بحضورها التقنيات التشكيلية العالية في طرق الترميز والمباغتة الإدراكية، تلك التراكيب التي تفيض دفئا و لونا في عالم عالية المثقل بالحضور و بالشخصيات الحاملة في طياتها مزيجا ممتدا و متباينا من الحرارة و البرودة اللونية لتأتي هاتفة بالأحاديث و الحكايا الكامنة فيها في نظم تناغمي بصري غير اعتيادي. تلك الشخصيات المتأهبة المستعدة …و لماذا تستعد؟.. أتستعد كاستعداد صاحبتها لكل مغامرة فنية حسيّة جديدة؟ لكل تحدي نسوي لا يقف مقرا بحدود؟ هنا تتميز عالية بمنحها الهدوء والرقي لشخصياتها في صرخة لونية متميزة و كأنها القائلة سأحتضن عتمة العالم بألواني لتشرق شمسي منيرة ظلمة المكان.
هنا لنا أن نلمس الحضور الأنثوي الذي يتراءى جليا في فضاء عالية التشكيلي. المرأة الباحثة عن المستحيل بجاهزيتها التي تقف مبتهجة وسط الجماهير الصامتة المتأملة، المرأة الناظرة بعمق، قدر العمق الذي نلمسه بذات صاحبتها المستمدة طاقتها من ذاتها. هنا ندرك أهمية قدرة المبدع على عدم اللجوء لمصادر طاقية أخرى، الفنان متجدد الأنفاس، متجدد الحضور، الفنان المباغت بألوانه المعثرة بحكمة . تلك هي صياغة عالية المنفردة للون والشكل… ذلك هو عالمها. ونحن المتأملون فيه…
*كاتبة وناقدة تونسية

إلى الأعلى