الجمعة 19 أبريل 2019 م - ١٣ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عن المثقفين المزيفين وتصنيع الإعلام لهم (2-1)

عن المثقفين المزيفين وتصنيع الإعلام لهم (2-1)

كاظم الموسوي

في زمن اصبح الزيف فيه سمة مميزة، على صعد مختلفة، وأصبح أصحابه المزيفون أبطاله. شعاراتهم تنطلق من أن تكذب أو تنافق أو تضلل، كي تعيش هذا الزمن وتواصل مكانك فيه، وعندها تفتح امامك فضاءات الإعلام ومراكز البحث وحتى بعض العلاقات العامة، بأشكال متعددة أو مختلفة، ومنها حقائب المال. حتى الكتابة عنه ليست امرا سهلا، لأن من يعاكس هذا التيار يبقى في دوامة أو يوضع فيها ويحارب بقوة حتى من دعاة آخرين. طبعا هذا اختبار ليس هينا. يبقى الدرس الأساسي والرد الرئيسي كامنا في صلابة الموقف وصمود صاحبه وتحمله المعاناة التي قد لا توصف. وهو ما دفع المؤلف باسكال بونيفاس الخوض في غماره. وابرز سماته المقابلة له تلخص في الالتزام السياسي والاخلاقي، ومن ثم في الشجاعة، وهما (الالتزام والشجاعة) ما يميز اليوم المثقف عن غيره. هذا يحصل في فرنسا واوروبا عموما، فكيف عندنا في وطننا العربي؟!. بالتأكيد الحال عندنا ليس مغايرا كثيرا، اذا لم يكن أسوأ، ويحتاج إلى أكثر من أمثال بونيفاس عربي لتعرية المشهد والواقع المر وفضح الزيف الفاقع والمسكوت عنه، مجاملة أو خوفا من توابعه “الرسمية العربية”!.
فضح بونيفاس في مقدمة الكتاب، الذي حمل اسم ” المثقفون المزيفون” والذي رفضت نشره أربع عشرة دار نشر من كبريات دور النشر الفرنسية، كيف يصنّع الاعلام خبراء في الكذب، واستحواذ فئة من الصحفيين والمعلقين من عديمي الضمير على الفضاء الإعلامي. وأكد أن فكرة فضح المثقفين المزيفين، أو المرتزقة كما يسميهم، قد راودته منذ فترة طويلة مواكبة لمواقفهم المخزية التي تدمر الديمقراطية وتهدد الإعلام. ويجادل في صنف هؤلاء المثقفين القادرين ليس على الظهور الإعلامي وحسب، بل الكذب والتضليل على مختلف الصعد، بما فيها الشخصي. ومحاولة إبراز ذاته مفكرا رغم انف القارئ أو المشاهد، وتعمل آلات الإعلام ما يتبقى. ومن العنوان الواضح الصريح تبدأ القراءة.
سجل ناشر الكتاب العربي في غلافه الاخير أن بونيفاس مفكر واكاديمي بارز، يشغل منصب رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس. حاصل على دكتوراة في القانون الدولي العام من معهد الدراسات السياسية في باريس. وهو أحد أبرز المحللين الاستراتيجيين الفرنسيين. من اهم كتبه: فهم العالم، لماذا كل هذه الكراهية، ونحو الحرب العالمية الرابعة، وهو كتاب ينتقد أطروحة صدام الحضارات لصموئيل هينتغتون، وكتاب من يجرؤ على نقد إسرائيل؟!. والأخير عنوانه مؤشر لما عاناه من ورائه أو ما لحقته من تداعيات، حتى داخل حزبه الذي كان عضوا ناشطا فيه، الحزب الإشتراكي الفرنسي.
تردد كثيرا، وانتظر غيره أن يقوم بهذه المهمة، ولكنه غامر وركز همه على القضايا الدولية والاستراتيجية، فـ “المزيفون” ليسوا حكرا على الحقل الفكري، لكنه الحقل الذي عرفه واستطاع الكشف فيه. وهو يفهم دورهم ومكانهم في بلده. نقل عن جان بوتوريل في كتابه “اعزائي المحتالين” بأن فرانسوا ميتران، بعد دعوته لزيارة بريطانيا طلب أن يلتقي بعدد من مثقفي البلد، فأجابه مكتب رئيس الوزراء، بأنهم ربما يجدون له كتابا أو مؤرخين أو فلاسفة أو باحثين ولكن ليسوا مثقفين. ويقارن بين الموقفين الفرنسي والبريطاني من المثقفين، وكيف في فرنسا يجري التعامل معهم، مرجعها إلى عصر الأنوار وامتداده. ويناقش آراء حول “خيانة المثقفين” وسلسلة “كلاب الحراسة” التي نشرت في الثلاثينيات من القرن وما زالت تطرح الأسئلة أمام المثقفين.
قسم المؤلف الكتاب إلى قسمين، الأول ضم آراءه حول الموضوع الرئيس، والثاني أضواء على رموز التزييف في الإعلام والراهن الثقافي الفرنسي، أو تقديم نماذج لمهمته في كتابه. وهو يضع المسؤولية على وسائل الإعلام، ويراها تتحمل مسؤولية كبيرة في الترويج وتصنيع المزيفين في الوسط، وهذه اسماء لها رنينها وصدى الشهرة والتأثير والتضليل الفكري والإعلامي. حيث تصبح الصورة مفضلة على اللغة، وحينها يحل مثقفو وسائل الإعلام محل المثقفين الفاعلين والأصيلين. وتصبح ظاهرة لها اسبابها وتأثيرها العام، الا أن بعض المثقفين هم من يوضح الصورة الفعلية للثقافة والإعلام، ويسهم في كشف الزيف السائد. أو يعرف هذا التيار الشاسع بنقيضه القابض على جمر الثقافة الأصيلة.
يقوم الإعلام أو يسهم في تصنيع المزيفين، “لأنهم يقولون ما يكون الجمهور مهيئا لسماعه، وينسلون منزلقين في السائل الذي يحمي جنين الفكر المشترك.تزداد مصداقية “المزيف” كلما مضى اكثر باتجاه الأفكار المسبقة والرياح السائدة، ولولا ذلك لخاطر، كما حدث في حالات كثيرة، بتقديم نفسه على أنه يخالف ما يعتبر سليما بالمنظور السياسي. واذا كان جوهر وظيفته يرتكز على عدم التردد في نسف الأفكار الجاهزة اذا كانت خاطئة، فإنه يعمد بالأحرى إلى تعزيزها لكي يضمن مكانته في وسائل الإعلام ولكي … تتم دعوته مجددا”(ص (23
أوضح بونيفاس العطب الأخلاقي وازدواجية المعايير لهؤلاء المزيفين بأنهم باسم الديمقراطية ومحاربة الشيوعية يدعمون انظمة الدكتاتوريات والعنصرية، في موقف لخصه على أفضل عبارة الرئيس تيودور روزفلت بشأن سوموزا دكتاتور نيكاراغوا.
وتساءل عن تذرعهم بمدح أو قبول انتهاكات صارخة في بلد والانكار والخرس عن أمثالها في بلد آخر. وناقش الكثير من المصطلحات والتسميات والاتجاهات بالاسم والوثيقة والرد عليها. لا سيما بعد أحداث هزت العالم، أو جرائم حرب وابادة ترتكب ضد شعوب وبلدان عالمنا العربي والإسلامي. ولا سيما في القسم الثاني من الكتاب. الذي مهد له بأن خلافه الرئيسي مع الأشخاص المذكورين ليس بسبب أفكارهم بل بسبب لجوئهم إلى الكذب. “لا الومهم على ما يفكرون به، فهذا حقهم، وفضلا عن ذلك قد لا أختلف معهم. بالمقابل يجب ألا يكون الاستخدام المنتظم لحجج زائفة، أمرا مقبولا. لا يمكنني قبول ذلك” (ص67).
مَن هم هؤلاء..؟. الإطلالة العاجلة تكشف فضاعة الدور والمهمة والمسؤولية والسؤال الرئيسي في موضوع الكتاب، وتنكب بونيفاس للرد عليه عمليا من أجل الحقيقة والمستقبل. ثمانية “مثقفين مزيفين” كتب عنهم باسكال بونيفاس كنماذج عن التيار السائد. وهو يسعى للحوار معهم والجدال علنا، إلا أنه عرض وجها آخر لهم، هو رفضهم للجدل ومحاولتهم اسكات من لا يشاركهم في الرأي. “انهم في الوقت الذي يلوحون فيه بمبادئ فولتير، يتصرفون كموظفي رقابة عديمي الشفقة” (ص69). وتكاد تكون هذه سمة مشتركة من بين غيرها من سماتهم وأوصافهم، وليس في فرنسا وحدها.

إلى الأعلى