الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الصراع الإيطالي الفرنسي على ليبيا

الصراع الإيطالي الفرنسي على ليبيا

فوزي رمضان
صحفي مصري

فيما يشبه كيد النساء، حذرت وزيرة الدفاع الإيطالية إليزابيتا ترينتا السلطات الفرنسية من تدخلها في الشأن الداخلي للدولة الليبية، مؤكدة أن بلادها هي الدولة القادرة على قيادة ليبيا، وأن القيادة بيد إيطاليا، قالت إليزابيتا بالحرف الواحد لنظيراتها الفرنسية، على هامش الاجتماع الوزاري بمقر الناتو ببروكسل (لنكن واضحين القيادة في ليبيا لنا).
تفاقمت الخلافات واشتدت بين الغريمين الفرنسي والإيطالي إلى حد تبادل الاتهامات، وهو الشيء النادر الحدوث بين قوى أوروبية ديمقراطية، من الممكن أن تتغلب على خلافاتها بالطرق الدبلوماسية، لكن المشكل هنا ليس سياسيا، بقدر ما هو خلاف على اقتسام كعكة نفط ليبيا وسرقة شعبها المسكين.
في تطور غريب، استدعت فرنسا سفيرها في روما للتشاور، بعد تهجم غير مسبوق من قبل مسؤولين إيطاليين، فقد بلغ استياء باريس ذروته، بعد لقاء نائب رئيس الوزراء الإيطالي لو بيجي دي مايو زعيم حركة الخمس نجوم بمحتجين من السترات الصفر، الذين يتظاهرون ضد الرئيس الفرنسي ماكرون، كما جاءت التصريحات غير المسبوقة لتشعل التوتر من قبل ماتيو سالفيني وزير الداخلية الإيطالي، والذي أعرب عن أمله في أن يتحرر الشعب الفرنسي قريبا من رئيس سيئ للغاية ـ على حد قوله.
يتحدد الصراع الإيطالي الفرنسي في واقع الأمر على الغاز والنفط الليبيين، خصوصا بين شركة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية، وتعتقد إيطاليا أنها صاحبة الحق والنفوذ في ليبيا لماضيها الاستعماري لذلك البلد، ولكونها المحتل والناهب لثرواته قرابة 40 عاما، وأن ليبيا هي الأكبر استيرادا للغاز الإيطالي، معتبرة أن شركة إيني هي الشريك الرئيسي لشركة النفط الليبية.
الطرف الإيطالي يرى نفسه الأقرب لإدارة الملف، بحكم قربه من السواحل الليبية ولأن روما رسخت نفوذها الاقتصادي في ليبيا بشكل كبير في مجال الطاقة، فقد كانت شركة إيني أولى شركات النفط التي عملت في ليبيا عام 1959 ولم تغادر ليبيا حتى الآن، ما بسط لها الأفضلية في عقود الطاقة.. الحكومة الإيطالية الشعبوية تقدم الدعم والمساندة لمن يوصفون بـ(أنصار الإسلام السياسي)، كما أنها تقف إلى جانب فايز السراج رئيس مجلس الرئاسة ورئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.
الطرف الفرنسي يعول على علاقته التاريخية مع بعض الأطراف الليبية، فباريس تدعم الفكر الليبرالي المتمثل في اللواء خليفة حفتر أمير الحرب القوي، وقائد الجيش الوطني الليبي والمنافس على السلطة، والمسيطر على مساحات شاسعة في الشرق الليبي، وكانت المعونة العسكرية الفرنسية قد ساعدت حفتر على حسم المعركة التي واجه فيها مجموعات مسلحة متطرفة، ليحسم الصراع مؤخرا لصالحه، ويسيطر على بني غازي.
ماكرون أراد إضفاء هالة من الفخامة على كرسي حكمه، كما يفعل الزعماء الكبار، فقد استقبل العام الماضي بقصر لاسيل سان كلو التاريخي بالقرب العاصمة باريس كلا من فايز السراج وخليفة حفتر، لكن لم تفلح كاريزما ماكرون في التغلب على الصراع الليبي، ولم تتجاوز تعهدات وقف إطلاق النار والمصالحة في ذلك اللقاء حدود الحبر الذي كتب به.
إيطاليا تعارض خطة ماكرون لاستقرار ليبيا، التي تدعو لإجراء انتخابات رئاسية وديمقراطية، وترى أنها هي فقط القادرة على قيادة ليبيا، وتسعى من خلال ذلك لإرساء تحالف عملي مع الولايات المتحدة الأميركية، لإدارة الوضع في ليبيا، والتصدي لسعي فرنسا لتوجيه العملية السياسية في ليبيا، وإزاحة إيطاليا وضرب مصالحها.. ومن هنا تعتقد إيطاليا أن الظروف التي تمر بها فرنسا الآن، بسبب الاضطرابات الداخلية، تجعل الوقت الآن ملائما أكثر لإثارة المشاكل في وجه فرنسا، وإحراجها عالميا.
لقد أدى العراك بين روما وباريس على نهب ليبيا إلى إنتاج حلقة صراع جديدة من التنافس الاستعماري بين متنافسين من الدرجة الثانية، في ميزان القوى اليوم، ينحاز كل منهما لطرف ويقف بجانبه ويموله ويزوده بالسلاح، ويتبنى مواقفه في المنظمات الدولية، ليتضح أن الصراع في خباياه هو من أجل السيطرة على ليبيا وإعادة احتلالها، وتسخير الشعب الليبي لمصالح القوتين المتصارعتين والمتنافستين، وسرقة النفط، وإقامة قواعد عسكرية في الأراضي الليبية، بعيدا عن أية تطوير أو تعمير لليبيا التي كانت.

إلى الأعلى