الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: نشر الخصوصيات الطريق إلى الابتزاز الإلكتروني

في العمق: نشر الخصوصيات الطريق إلى الابتزاز الإلكتروني

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية الارتباط الحاصل بين الابتزاز الإلكتروني (تنوع حالاته واتساع آثاره وتعدد وسائله وأساليبه)، ونشر الأفراد لتفاصيل حياتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك والسناب شات والتويتر واليوتيوب وغيرها)، فمع أن المؤشرات تبرز تزايدا في حالات الابتزاز الإلكتروني وإشكاليات كثيرة ارتبطت به على المستوى الشخصي والعائلي والاجتماعي والأسري، إلا أن التأكيد على وجود مرجعية واضحة في هذا الموضوع أصبحت أحد الحلول في التعاطي الفاعل مع مشكلات الابتزاز، خصوصا ما يتعلق منها بعمليات الرصد الإحصائي والتأطير المفاهيمي وبرامج التوعية النوعية المتخصصة، وموجهات بناء الوعي المجتمعي بالتشريعات والقوانين النافذة، والقناعات المرتبطة بعمليتي الإفصاح وقوة الممكنات النفسية والشخصية للفرد في تجاوز نتائجه وآثاره السلبية) وما يستدعيه ذلك من الوعي بثقافة الخصوصية (البيانات/الصور إلخ)، وتعميق الاستفادة من الجهد الوطني المتعدد في التعامل مع “الابتزاز الإلكتروني” في سبيل بناء ثقافة وقائية تتيح فرص الاتصال المباشر والإفصاح عن الحالات والتوسع في الزيارات والمتابعات التوعوية والتثقيفية للمدارس والمؤسسات التعليمية والأسرة وغيرها.
ومع أن الجميع يدرك ما لمنصات التواصل الاجتماعي من قيمة تواصلية عالية، ومساحات أكبر من الحوار التفاعلي بين المجموعات والأفراد من مختلف مناطق العالم، حتى أصبحت حاضنة للكثير من الرغبات، متنفسا للتعبير عن المزاجيات، وتبادل الأفكار وقراءة ما بين السطور من أحداث ومعلومات؛ إلا أن التعامل مع هذه المنصات بات اليوم محفوفا بالمخاطر وحالات الرعب والقلق التي يبثها المستغلون لهذه المنصات في ممارسات تفتقد للضمير الحي، وتتجافى مع قيم الإنسانية، واتخذت طابعا آخر يقوم على ردة الفعل السلبية المتنكرة للقيم الأخلاقية والجمالية التي ينبغي أن تحتويها، إذ شوهتها أيدي العبث من المنتحلين الوهميين للصفحات الإلكترونية، وتعدّت عليها الأمزجة الخارجة عن المألوف من الطباع والمشهود من الذوق والحياء، حتى أصبحت هذه المنصات والبيئات الافتراضية الرقمية تبحث عن حقوقها التي اغتصبتها الأنفس المريضة فانسلخت بها عن معين الفضيلة والقيم والأخلاق التي تصقلها لتبقى راقية السمعة، سليمة المظهر، بعيدة عن أي مزايدات على فطرتها الصحيحة.
لقد أدخل عليها البشر بعض الزيادات غير المطلوبة، وحشرت الناس أنفسها في مزايدات الظهور والسمعة والشهرة لتشكل منصات التواصل الاجتماعي مدخلا مهما للمسوّقين لأنفسهم والمعرفين لذواتهم، حتى أصبحت سوق مزايدة لمن يقدم أكثر، ويفصح عن الكثير، ويحرص على نشر التفاصيل وتقديم مائدة مكتملة لوصف السلوك اليومي الممارس من أكل وشرب ولبس ونوم وارتباط بالأسرة ولقاء بالأصدقاء أو سهرات وجولات وزيارات هنا وهناك، وغيرها من الوصفات المتتالية والأحداث المفتعلة التي ضجت منها منصات التواصل ذاتها. فلم يعد التعامل معها في ظل هدف وجودها الإيجابي ونواتجها المأمولة منها في تقديم نماذج صالحة في الحياة والفكر والثقافة والتعليم والعلم والإنجاز والمبادرة والابتكار والاختراع والتجارب، وهي محطات يتفق الجميع على أهميتها في تحقيق صالح الإنسان، وترقية نواتج الفطرة السليمة فيه، وتعميق منحى الخيرية منه، بحيث توجه لصالح الإنسان: أمنه وأمانه واستقراره ونهضته ورقية وتهذيب أخلاقه وتنمية فكره، وترقيه مكامن القوة فيه ومسارات التقدم لديه، لتسانده وتأخذ بيديه إلى بر الأمان، وتفتح له أبواب الأمل لعالم متجدد وآفاق يتطلع منها إلى استباق الفضل، تسبح فيها خيالاته، وتكبر فيها أحلامه وطموحاته، ويعيد فيها صياغة ذاته ليتبوأ فيها موقعا يعينه على بلوغ الأهداف وتحقيق الغايات، وينظر فيها لتجارب العالم واختراعاته وأفكاره، وكيف ينافسهم فيها، وكيف يوظف هذه المنصات في إيصال فكره والتسويق لخبراته وتجاربه والتعريف بهويته وثقافته ونقل عناصر النجاح إليه، واستكشاف حالة النقص والقصور ليطور فيها أدواته التي تغطي مكامن النقص وتصحح ثغرات العيب.
على أن الاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي لا تعني تحويلها إلى بيوت غير آمنة ومناطق نزاع وتوتر، وميدان (للهكر) والابتزاز، ومصيدة فخ للأبرياء ومسرح للجريمة، بل بإحسان الظن فيها، وحسن التعامل مع أدواتها، لتحلق في سموات القيم، وتتجلى فيها دماثة الخلق، فنقنّنها، ونحدّد عملها، ونوجّه مقصدها، ونرسم طريقها، ونثبتّها في وضع السكون، بعد أن نأذن لها في وعي، ونثريها في حكمة وهدف، للوصول الواعي إلى مساحات الحرية، التي منحت الإنسان حق التعبير والرأي وأبرزت الجزء الآخر غير المفصح عنه، لتصبح محطة استراحة وفرصة للتغيير، والتعبير عن خواطر النفس ونقلها للآخرين، وهي محطة تحمل في ذاتها أيضا أشكالا تعبيرية أخرى، ترتبط بالنجاح والتفوق والتطور الذي نعيشه كأفراد ومجتمعات، ما نحمله في ذواتنا من قناعات إيجابية للحياة، في قوة العطاء، وحكمة التعامل، وفلسفة الحوار، ونمط الأداء، وعمق الأفكار، وبوح المواهب والحكاوي، وسمات الشخصية التي نحملها ونطمح أن يقرأنا فيها العالم، فهي في مجملها قيمه مضافة حققتها التقنية ورسمت خلالها البسمة في وجوه الطامحين والمجتهدين وأصحاب الهمم والمبادرات، كما احتوت الذين يعيشون في عالم الخيال الفكري والفراغ العاطفي البريء للعيش في عالم السلام الداخلي وصدق الكلمة ومصداقية المعلومة.
لقد أفصحت الممارسة عن صورة أخرى لمنصات التواصل الاجتماعي، خرجت بها عن السرية وتعدت فيها على الخصوصية، في وصف سافر للحالة التي يعيشها أحدهم، والموقف الذي هو فيه، والطريقة التي يعيش بها في هذا العالم، وبرنامجه اليومي والأسبوعي مع أسرته وبناته وأبنائه وصغاره, وأمهاته وزوجاته ومحارمه، وطعامه وشرابه ومتنزهه، وانتقاله وتنقّله وتسوّقه وزوّاره، وحله وترحاله، وسفره وحضره، وصلواته وعباداته، وصدقاته وزكواته، ومنامه وصحوته، ومكتبه وعمله واجتماعاته، ولقاءاته وزيارته لأمه وأبيه، واستلطافه لأرحامه، وحضور جنازه صديق، أو تلبيه دعوة أخ، وهكذا أصبح كل شيء مكشوفا للجميع، وواضحا لكل ذي عين فلا تحتاج إلى مجهر لاكتشاف من بالصورة، أو تكبير الصورة لرؤية ملامح من بصحبته، ولو تتبعنا صفحات البعض لقرأنا فيها أدق تفاصيل حياتهم الشخصية اليومية مع نفسه وأسرته وبيته، وعرفنا من خصوصياته ما لا يعرفه هوه عن نفسه، وفهم لطبيعة حياته وعلاقاته ما خفيت عليه بنفسه، وما أكثر التنافس في صفحات السناب شات والفيس بوك والتويتر والانستجرام واليوتيوب وغيرها كثير، وكأن لسان الحال يقول: كيف لي أن أضيف لها رونقا جاذبا، وإطارا جذابا وإبهارا يسلط الأضواء ويسترق إعجابات وتعليقات أكبر عدد من المتابعين في إبراز ملامح الجسم وتصوير موقع الجلوس وطريقة الحركة بالعادي أو البطيء أو السريع، وهكذا أصبحت فرصة للسباق في إبراز مفتن الجسد وإظهار جميل الصنع، حتى ضاعت بذلك الخصوصيات، وتحولت منصات التواصل إلى بيوت كاملة وأحداث دقيقة، تحكي تفاصل العلاقات اليومية من الجنسين على حد سواء، في قصة فتاة تعيش يومها منذ الصباح، تبرز أدق تفاصيل حياتها اليومية مع ذاتها وأسرتها وصديقاتها، وهي على شاطئ البحر، أو في استرخاء لتناول كوب شاي أو قهوة أو غداء أو عشاء، وبين نقش حناء على أيدي حسناء، أو كحل علي عين مخضبة بالجمال، أو زينة في نحر يافعة، أو مسكة قلم في يد غيداء، أو رشة عطر، أو مسكة هاتف أو نظرة عين، أو لقاء مع من أحبّت، أو بعثرة قلم وهدية لمن عشقت.
ومع الإيمان بأن الإنسان بفطرته جبل على الجمال والذوق وحسن المظهر، ومن المباحات المحمودة في الشرع أن يظهر في أفضل حليه، فيسعد أن يراه الجميع في حياة الأمان والسعادة والحب والتعاون والمودة والرحمة، وما يعيشه من دلال وجمال، وصحة وأمل، غير أن علينا مع ذلك كله أن يكون ظهورنا فيها بوعي، وتعاملنا معها بحكمه، لنستمتع بلحظات الأنس في خصوصية، ولنعيشها مع أنفسنا وأسرتنا ومن احببنا في جو مفعم بالحب والسعادة، لتعيشوا الأماني والأمنيات، ولتستعيدوا ذكريات الأيام ولقاءات الأحبة، ولتتذكروا من أحببتم ومن عايشتم لحظات السعادة معهم، اجعلوا لأولادكم فسحة بينكم، والتقطوا لهم صور ذكريات خالدة؛ ولكن في محيطكم الداخلي وستركم العائلي، لتستريحوا وتسعدوا وتعيشوا حياتكم بعيدا عن عالم الفضائيات الذي لا يرحم ثقتنا وإن ظننا به خيرا، اسدلوا على حياتكم ثوب الجمال والسعادة والحياة الهانئة، ولكن بدون تزييف أو خروج عن مقتضى الحس الروحي به، والاستمتاع به وحدكم، ليس عيبا أن نتحدث عن كل شيء جميل في حياتنا، أو أن يعرف الآخرون ما نحن عليه من نعيم وفضل، ولكن لندرك أيضا أننا ينبغي أن نكون حذرين لأبعد الحدود، ونأخذ احتياطاتنا حتى لا تسلبنا التقنية خصوصياتنا كاملة، أو تضعنا في الأمر الواقع الذي تريده هي، ولنصنع من منصات التواصل الاجتماعي مساحات للعطاء والتأمل والانتاج والتفكّر والحوار والنقاش، من أجل عالم يسوده السلام ويعيش إنسانه حياة الأمن والوئام، ولكن بدون أن تكون خصوصيتنا الرهان الذي نحصل بسببه على إعجاب الآخرين لنا، أو زيارتهم لصفحاتنا أو تعقيبهم على منشوراتنا، فبعض خصوصياتنا خط أحمر لا نسمح للآخرين معرفتها أو التعرف عليها، فلا نكن سببا في حصولهم عليها بدون مقابل، اتركوا بعض خصوصياتكم في البيوت فهي لها ستر، وخير حاضن وحصن، وأقدس مكان وطهر، إنها دعوة لإعادة النظر في تعاملنا مع هذه المنصات التواصلية، وتأمل أكبر في اختيار ما نضعه فيها، لنترك الخصوصيات الدقيقة لأنفسنا وفي ذاكرتنا وألبوماتنا، لنطلع عليها عندما تجتمع الأسرة.
وعليه فإن ما تشير إليه إحصائيات وحالات الابتزاز الإلكتروني وتعدد أدواتها وتشعب طرقها وآلياتها، جزء من هذا التساهل نحو التقنية، والثقة العمياء في أسماء وهمية، وعصابات باتت تُرهب الجميع، فاحفظوا لأنفسكم قدرها وصونوا حياتكم وأسرتكم وصغاركم، فنحن بحاجة اليوم لنبني في ظلال منصات التواصل الاجتماعي مساحات أكبر لاحترام إنسانيتنا: أنوثتنا ورجولتنا، وحفظ ماء الحياء لبيوتنا، بحيث لا تفقدنا التقنية هويتنا، أو تسلبنا حقوقنا، وتنسينا واجباتنا، أو تضر بمصالحنا، أو تسيء لكرامتنا أو تشوّه سمعتنا، أو تؤخر إنجازنا، أو تضيع توازننا، أو تزل أقدامنا بعد ثبوتها، أو تعكر مزاجنا، أو تقلل من هيبتنا أو تعكّر صفو الوداد بيننا، لنصع من منصات التواصل الاجتماعي فرصا أكبر للظهور في ظل احتشام، والذوق في إطار خلق، ويبقى الوعي مشتركنا الأكبر في امتلاكنا لأدوات تصحيح الواقع، وإعادة هندسة الذات، والقناعة بالحاجة إلى إعادة قراءتنا للتقنية واستخدامنا لمنصات التواصل الاجتماعي، وطريقتنا في إثراء صفحاتنا فيها، فهو ما يتيح لنا فرص الالتقاء في أفكارنا وإثراء معارفنا، وفرصتنا لنطرح قضيتنا مع التقنية بثوب جديد، ولكن هذه المرة ليست في كونها هي المتهم، بل لأنها البريئة، ونحن المتهمون والمذنبون والمخطئون والغارقون في بحر الشهرة، وحب الظهور على حساب أخص خصوصياتنا وأدق تفاصيل حياتنا، فهل نحن مستعدون على أن نراجع موقفنا ونسكب على بعض خصوصياتنا ماء الحياء وفضيلة الستر؟

إلى الأعلى