الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الكلمات تقتل أو تحيي!!

باختصار: الكلمات تقتل أو تحيي!!

زهير ماجد

هنالك دائما في اللقاءات التي تسمى تضامنا مع الإنسان، كلمات منتقاة تنم عن مشاعر إنسانية إزاء ما يجري في العالم من آلام وعذاب. ذلك أن الكلمة لها وقعها على النفس الإنسانية، لكنها باتت ممجوجة لكثرة ما استعملت ولم يتغير ما هو مطلوب منها أن تغيره.
ومع ذلك لا بد من الكلمات المحسنة والطرية والعذبة فلعلها تبطئ من فجور الإنسان تجاه أخيه الإنسان. ثمة حروب في التاريخ أيقظتها كلمات، بل ثمة من سقطوا صرعى نتيجتها .. أذكر أن الشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور التقى بصديقيه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وبهجت عثمان، وجرى بينهما حوار حول استضافة القاهرة لمهرجان الكتاب وكيف فرض الرئيس الراحل السادات وجود إسرائيل فيه، وبكلمة واحدة وجهها بهجت لعبد الصبور باعتباره مديرا للمهرجان أدت إلى كارثة، فبعد أن قال له أنت جبان لأنك لم تقف بوجه الوجود الإسرائيلي، وخلال دقائق كان عبد الصبور قد نقل إلى المستشفى نتيجة ضغط شديد توفي على أثره.
أعرف سحر الكلمات ودورها في حياتنا، كلمة تعلي وأخرى تهبّط، بكلمة واحدة يمكن تحويل الفرح إلى مأساة، والصداقة العميقة إلى عداوة .. يوميات البشر قائمة على كلمات، مبنية على حروف تتراصف لتشكل نهارات متتالية من لعبة الكلمات وحضورها في حياتنا.
كان الشاعر التركي ناظم حكمت يردد أن أجمل الكلمات هي التي لم نقلها بعد، وكتب الزعيم الفيتنامي الراحل هوشي منه وصيته إلى “أطفال لم يولدوا بعد” فكان خياره حروفا منتقاة من صميم البشائر التي كان يعلم أنها ستأتي يوما إلى المجتمع الفيتنامي. وكلنا نذكر تعبير شكسيبر الشهير “كلمات .. كلمات .. كلمات” .. ويقول نزار قباني في إحدى قصائده “يسمعني حين يراقصني/ كلمات ليست كالكلمات” ربما هي من صميم اللحظة، لكل مقام مقال كما يقول الجاحظ، ولكل مقال عنوان من روحه.
صنع هتلر نوعا من الجمل التي تطير العقول وتبعث على الهمة فورا حين انطلق في خطابات نارية اعتمد فيها على لسانه الذرب فأحيا في الألمان تأهبا لا مثيل له وتوجها فوريا إلى القتال والمعركة وإلى تلبية رغبات قائده.. ولا شك أن من كان يعيش في أذنه وهو جوبلز، هيأ له الكلمات التي يجب أن يقولها للجموع وكيف يحرك فيها المشاعر، وكان جوبلز من مخترعي تكرار الكذب لأن الناس ستصدق في النهاية. الزعيم الكوبي فيدل كاسترو كان يخاطب شعبه بشكل ساحر معتمدا على روحية ما يقوله حتى أن خطاباته في بعض الأحيان كانت تتجاوز الساعات دون أن يشعر الناس بالملل .. وأشهر من سحر العرب بصوته وخياراته الكلامية كان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
أنا لا أخاف إلا من الكلمة، أحرص على أن لا أقول الحقيقة التي هي كلمات، لأن “الحق ما ترك لي صاحب” كما قال الإمام علي بن أبي طالب، كما أحرص على عدم الوصول إلى سماع ما من شأنه إيذاء روحي بالكلمات.
وأجمل ما نقرأه دائما ما هو مبني على كلمات مميزة تثير فينا الإعجاب .. يوم قرأت رواية “البؤساء” لفيكتور هيجو وكانت من ترجمة شاعر النيل حافظ إبراهيم، عشقت الترجمة العربية التي تجاوزت حتما اللغة الأصلية التي كتبت فيها، وتلك العبارات المنتقاة بكل أناقة اللغة وسحر بلاغتها.

إلى الأعلى