الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة : صلاة العادة وصلاة العبادة
خطبة الجمعة : صلاة العادة وصلاة العبادة

خطبة الجمعة : صلاة العادة وصلاة العبادة

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَعَدَ الْمُصَلِّينَ بِالأَجْرِ الْوَافِرِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمُ الثَّنَاءَ الْعَاطِرَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ الْوَلِيُّ الْقَاهِرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَادِرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْقَانِتُ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا لِلْحَقِّ خَيْرَ مُنَاصِرٍ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ تُبْـلَى السَّرَائِرُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْـلَمُوا أَنَّ صِلَةَ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ بِقَدْرِ حِرْصِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْبُعْدِ عَنِ الْمُخَالَفَةِ، وَأَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَصِلُ الْعَبْدَ بِخَالِقِهِ هِيَ الصَّلاةُ، فَهِي صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَمَنْزِلَتُهَا فِي الإِسْلامِ مَنْزِلَةُ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ، وَقَدْ شَبَّهَهَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) بِالْعَمُودِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ فِي قَوْلِهِ:(لِكُلِّ شَيْءٍ عَمُودٌ، وَعَمُودُ الدِّينِ الصَّلاةُ، وَعَمُودُ الصَّلاةِ الْخُشُوعُ)، فَمَكَانَةُ الصَّلاةِ فِي الإِسْلامِ عَظِيمَةٌ، وَالآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ فِي بَيَانِ مَنْزِلَتِهَا وَتَبْيِينِ فَضَائِلِهَا كَثِيرَةٌ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ:(الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ إِقَامَ الصَّلاةِ فِي مُقَدِّمَةِ صِفَاتِ عِبَادِهِ المُتَّـقِينَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِالْغَيْبِ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى قَرَنَ تَعَالَى مَعَ الصَّبْرِ الصَّلاةَ لأَجْـلِ تَحَقُّقِ الاسْـتِعَانَةِ، وَكَمَالِ الْعَوْنِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ:وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ التَّعَبُّدَ للهِ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالتَّقَرُّبَ إِلَيْهِ بِهَا مِنَ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تَوَارَثَهَا الأَنْبِيَاءُ، وَتَعَاقَبَ عَلَيْهَا جَمِيعُ الرُّسُلِ ـ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ ـ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ أَنْبِيَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَلُوْطٍ وَإِسْحَاقَ وَيَعْـقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِقَولِهِ:(.. وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(، وَأَخْبَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ بِقَولِهِ:(وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا(، وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ سَيِّدِنَا مُوْسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ ـ عَلَيْهِمَا السَّلامُ ـ بِقَولِهِ:(وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ..)، وَحَكَى عَنْ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلامُ ـ قَوْلَهُ:(وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)، وَجَاءَ خِطَابُ اللهِ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّنَا (صلى الله عليه وسلم) بِالأَمْرِ بِإِقَامِ الصَّلاةِ فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاللهُ ـ جَلَّ وَعَلا ـ يَقُولُ:فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، وَيَقُولُ:أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لا يَزَالُ عَلَى الصَّلاةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ وَالِدِهِ وَهُوَ حَدَثٌ صَغِيرُ السِّنِّ، يُقَلِّدُ أَبَاهُ فِي قِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، يَنْظُرُ إِلَى اسْـتِكْمَالِ صُورَتِهَا الظَّاهِرَةِ، وَلا يُبَالِي بِمَعَانِيهَا الْبَاطِنَةِ، لَمْ يَتَغَلْغَلْ حُبُّ الصَّلاةِ فِي فُؤَادِهِ، وَلَمْ يَتَشَرَّبْ قَلْبُهُ عِشْقَهَا وَالْهُيَامَ بِهَا، فَهِيَ لَدَيْهِ تَكْلِيفٌ شَاقٌّ، عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ، وَأَنْ يُلْقِيَ ثِقَلَهَا الَّذِي يَنُوءُ بِهِ ظَهْرُهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ سَابَقَ الرِّيحَ إِلَى أَقْرَبِ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ، وَتَكَادُ رُوحُهُ تُزْهَقُ لَوْ أَطَالَ الإِمَامُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، أَوْ أَطَالَ فِي قِرَاءَتِهِ.
عِبَادَ اللهِ:
لا رَيْبَ أَنَّ لِلصَّلاةِ شَأْنًا عَظِيمًا لا يُسْـتَهَانُ بِهِ فِي تَغْيِيرِ حَيَاةِ الإِنْسَانِ إِلى الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَأَحْسَنُ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ:(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، وَلَكِنْ أَيُّ صَلاةٍ هَذِهِ الَّتِي تَفْـعَلُ ذَلِكُمُ الْفِعْـلَ الْعَظِيمَ فِي نَفْسِ الإِنْسَانِ، بِحَيْثُ تَحْجِزُ نَفْسَهُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَتَجْعَلُهُ يَنْتَهِي عَمَّا قَدْ تُحَدِّثُهُ بِهِ نَفْسُهُ مِنَ الْمُوبِقَاتِ؟ أَهِيَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي يَنْقُرُ السُّجُودَ فِيهَا بَعْضُهُمْ نَقْرَ الدِّيَكَةِ، وَيَخْطِفُونَهَا خَطْفَةَ الثَّعْـلَبِ، وَيَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِسُ؟ أَهِيَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْوَاحِدُ وَهُوَ لا يَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ مِنْهَا؟ وَفِي أَيِّ رَكْعَةٍ هُوَ؟ وَكَمْ رَكْعَةً مِنْهَا صَلَّى؟ أَهِيَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي يَبْدَؤُهَا بَشَكٍّ وَيَخْتِمُهَا بِسَهْوٍ؟ أَهِيَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي يُؤَدِّيهَا بِأَسْرَعِ مَا يُمْـكِنُهُ فَلا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلا سُجُودَهَا وَلا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ؟ أَهِيَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي إِذَا قَامَ إِلَيْهَا الْوَاحِدُ قَامَ مُتَثَاقِلاً ضَجِرًا يَتَبَرَّمُ مِنْ سَمَاعِ الأَذَانِ لَهَا وَيَكَادُ يَفِرُّ مَعَ الشَّيْطَانِ حِينَ يَفِرُّ مَعَ سَمَاعِ الإِقَامَةِ؟ أَهِيَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي يَفْتَحُ فِيهَا الْوَاحِدُ هَاتِفَهُ غَيْرَ مُبَالٍ بِمَا يُصْدِرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّغَمَاتِ وَأَصْوَاتِ الرَّسَائِلِ؟ أَهِيَ هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي تَكَادُ تَقُولُ لِصَاحِبِهَا إِذَا سَلَّمَ مِنْهَا:(ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْـتَنِي)؟ أَلا كَمْ مِنْ مُصَلٍّ حَفِظَ لِصِلاتِهِ جَسَدَهَا وَأَمَاتَ رُوحَهَا.
عِبَادَ اللهِ:
مَا مِنْ شَكٍّ أَنَّ الصَّلاةَ الْحَقِيقِـيَّةَ لَيْسَتْ هِيَ هَذِهِ الصَّلاةَ، فَإِنَّ هَذِهِ صَلاةُ عَادَةٍ وَلَيْسَتْ صَلاةَ عِبَادَةٍ، اعْـتَادَ أُنَاسٌ أَلاَّ يُبَالُوا فِي أَدَاءِ صَلاتِهِمْ بِأَيَّةِ كَيْـفِيَّةٍ كَانَتْ، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَتْ، في حينِ أَنَّ الصَّلاةَ الَّتِي عَلَيْـكَ أَنْ تُقِيمَهَا هِي الَّتِي تَحْرِصُ أَنْ تَكُونَ فِي أَرْفَعِ مَنْزِلَةٍ لِتَنَالَ بِهَا أَكْمَلَ دَرَجَةٍ، يَقولُ تَعالى:(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، هِيَ الَّتِي إذَا قُمْتَ إِلَيْهَا قُمْتَ فَرِحًا مَسْرُورًا، تَقُولُ فِي نَفْسِكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ لِبِلالٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:(أَرِحْـنَا بِهَا يَا بِلالُ)، فَفِيهَا الرَّاحَةُ وَالسَّـكِينَةُ، وَالأَمَانُ وَالطُّمأْنينَةُ، فَإِذَا كَبَّرْتَ كَبَّرْتَ بِتَحْـقِيقٍ، وَإِذَا وَقَفْتَ وَقَفْتَ وَقْفَةَ انْتِصَابٍ كَامِلٍ فِي تَضَرُّعٍ وَخُشُوعٍ، وَرَتَّلْتَ تِلاوَتَكَ، وَتَدَبَّرْتَ قِرَاءَتَكَ، وَتَمَهَّلْتَ مُطْمَئِنًّا فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِ صَلاتِكَ، وَتَعْـتَدِلُ فِي قِيَامِكَ وَقُعُودِكَ، وَتَحْذَرُ مِمَّا يُورِدُهُ عَلَيْـكَ الشَّيْطَانُ، مِنَ الذُّهُولِ وَالشَّكِّ وَالنِّسْيَانِ، وَمِمَّا قَدْ يَعْـتَرِي قَلْبَكَ مِنَ الْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ، وَالزَّهْوِ وَالْخُيَلاءِ، وَمِمَّا قَدْ تَتَّبِعُ فِيهِ شَهْوَةَ النَّفْسِ مِنَ الْعَجَلَةِ وَالالْتِفَاتِ، وَعَدَمِ إِتْمَامِ سُنَنِ الصَّلاةِ، وَإِهْمَالِ الدُّعَاءِ قَبْـلَ السَّلامِ وَبَعْدَهُ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاحْرِصُوا عَلَى تَعَلُّمِ أَدَاءِ شَعَائِرِ دِينِكُمْ أَدَاءً مُوَافِقًا لِمَا شَرَعَهُ نَبِيُّ الإِسْلامِ حِينَ قَالَ:(صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي)، وَاحْرِصُوا عَلَى فِعْـلِ كُلِّ مَا يُقَرِّبُكُمْ إِلَى اللهِ زُلْفَى، مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَكَثْرَةِ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَفِي ذَلِكُمْ رِبَاطٌ وَأَيُّ رِبَاطٍ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ وَمَنْ وَالاهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْمُسْـلِمُونَ:
لَقَدْ أَخْبَرَ نَبِيُّنَا(صلى الله عليه وسلم) بِأَنَّ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي الصَّلاةِ، وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لأُمَّـتِهِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ مَوْتِهِ (صلى الله عليه وسلم):(الصَّلاةَ الصَّلاةَ)، وَكَانَ حَرِيصًا ـ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَهَا أَصْحَابُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِكُلِّ خُشُوعٍ وَاطْمِئْنَانٍ، فَيَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ إِذَا سَمِعْـتُمُ النِّدَاءَ فَلَبُّوا، وإِلَى الصَّلاةِ فَقُومُوا، وعَلَى التَّبْـكِيرِ فِي الْحُضُورِ فَاحْرِصُوا، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِي يَتَحَيَّنُ الإِقَامَةَ لِيَحْضُرَ، فَيَتَكَرَّرُ فَوَاتُهُ لِرَكَعَاتٍ، وَإِذَا تَأَخَّرْتُمْ لِسَبَبٍ قَاهِرٍ حَتَّى شَرَعَ الإِمَامُ فِيهَا فَاسمَعُوا تَوْجِيهَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) لَكُمْ وَهُوَ يَقُولُ:(إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلاةِ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاةِ)، فَتَعَلَّمُوا كَيْـفِيَّةَ قَضَاءِ مَا فَاتَكُمْ مِنَ الصَّلاةِ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ وَلا تَرْضَوْا لأَنْفُسِكُمْ بِجَهْـلِ أَحْكَامِ صَلاةِ الْمَسْبُوقِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهُ جَهْـلُهُ بِهَا عَلَى أَنْ يَقُولَ: لا أُحْسِنُ رَقْعَ ثَوْبِي فَكَيْفَ بِرَقْعِ صَلاتِي؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْعُدُ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ فَرَاغَ الْجَمَاعَةِ، فَيُفَوِّتُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَعُ فِي صَلاتِهِ مُنْفَرِدًا وَالْجَمَاعَةُ قَائِمَةٌ فَيَقَعُ فِيمَا نَهَى النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) بِقَولِهِ:(إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ). وتَجَنَّبُوا يَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ فِي الْمَسَاجِدِ خَشْيَةَ شَغْلِ إِخْوَانِكُمُ الْمُصَلِّينَ، وَقَدْ لاحَظْـنَا تَهَاوُنَ بَعْضِ النَّاسِ بِهَذَا الأَمْرِ فَيَرُدُّ عَلَى مُكَالَمَاتِ هَاتِفِهِ النَّقَّالِ فِي الْمَسْجِدِ رَافِعًا صَوتَهُ، أَوْ يَرْفَعُ الَّذِينَ انْتَهَوا مِنْ صَلاتِهِمْ أَصْوَاتَهُمْ بَعْدَ سَلامِ الإِمَامِ غَيْرَ مُبَالِينَ بِمَنْ يَسْـتَدْرِكُ الصَّلاةَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ، وَنَسِيَ هَؤُلاءِ أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم) كَانَ يَنْهَى عَنْ رَفْعِ الْقَارِئِ لِصَوتِهِ في أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ لِلقُرآنِ الْكَرِيمِ حَتَّى لا يَشْغَلَ الْمُصَلِّينَ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ـ وَتَعَاوَنُوا عَلَى فِعْـلِ مَا يُرْضِي اللهَ، وَتَجَنَّبُوا مَا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَسُولُهُ (صلى الله عليه وسلم)، حَتَّى تَنَالُوا مِنَ اللهِ رَحْـمَتَهُ، وَيُنْزِلَكُمْ مُنْزَلاً تَرْضَونَهُ يَوْمَ تَلْقَوْنَهُ، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

إلى الأعلى