الإثنين 24 يونيو 2019 م - ٢٠ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن : دروس وعِـبر مـن بـعـض آي السـور (1)

شـذرات مـن هـدي القـرآن : دروس وعِـبر مـن بـعـض آي السـور (1)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آله وأصحابه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـيـقـول الله تعالى في كـتابه العـزيـز:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (الإسـراء 9 ـ 10).
لـقـد أنـزل الله الـقـرآن الكـريـم نـوراً وهـدى للـمـؤمنـين، الـذين يعـمـلـون الصالحات، ويعـمـلـون وفـق أوامـره ونـواهـيه، يحـلـون حـلاله ويحـرمـون حـرامـه، ويـقـفـون عـنـد حـدوده، يهـتـدون بـهـديـه ويتخـلـقـون بأخـلاقـه، فهـو حجـة لمـن عـمـل به وأتخـذه مـنـهـجا مـتـبـعـاً وسـلوكاً عـملـياً، في هـذه الحـياة الـدنيا الـفـانـية، وهـو حجـة عـلى مـن لـم يـؤمـن بـه، ولـم يحـل حـلاله ولـم يحـرم حـرامـه، ولـم يـقـف عـنـد حـدوده.
والـقـرآن الكـريـم لاشـك، أنـه يهـذب الـنـفـس ويـرشـدهـا للتي هـي أقـوم، فـيجـعـل سـلـوكـها وعـمـلها لا تتعـارض مـع الـفـطـرة التي فـطـر الله الـنـاس عـليها، فـمـن لـم يـهــذب الـقـرآن سـلـوكـه ويـقـن عـمـله، فـهـو بـعـيـد عـن أوامـر الله، وعـلـيه أن يـراجـع نـفـسه، ولا يـبـقـي مـتـمـاديا في هـوى نـفـسه، لأن الـنـفـس أمـارة بالـسـوء، قال تـعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسـراء ـ 7).
لأن تأثيـر الـقـران الكـريـم في الـنفـس لابـد أن تـكـون أعـمـال الـمـريء وفـق مـا جـاء في كـتـاب الله، وإذا كان الله هـو الـذي أنـزل الـقـرآن، قال فـيه:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..) (الإسـراء ـ 9)، فـهـل بإمـكان الإنـسان أن يـجـد الـطـريـق الأ قــوم إلا في كـتاب الله، ولـينـظـر الإنسـان فـيـما سـن الـنـاس مـن الـقـوانـين، فهـل حـلـت مشـكلة مـن مـشاكـل الـعـالـم، ثـم أن تـلك الـقـوانـين الـبـشـرية تـقـنـن لـمـن، أتسـتـدرك عـلى الله فـيما شـرع لـعـبـاده، إلا يـعـلم مـن خـلـق وهـو اللـطـيف الخـبـير، ثـم إن قـوانـين الـبـشـر عـرضـة للـتغـيـير والـتـبـديل، فـقـوانـين الـبشـر لا تسـتـقـر عـلى حـال، لأن الـمشـرع الـبشـري قاصـر عـلـمه عـلى بـعـض الأشـيـاء، ومـا يجـهـله أكـثر ممـا يـعـلـمه في زمـانـه إذا تعـدى مـكانـه، فـلـن يـتـعــدى عـلـمـه مـكانه، فـكـيـف يـشـرع لـغـير زمـانـه مسـتـقـبـلاً، فـإذا يـجـهـل مـا هـو مـوجـود في زمـانه، فـكـيـف يـشـرع لـمـا يحـدث مـن تـطـورات في الـزمـان الـمـسـتـقـبـلي، فالمشـرع الـبشـري يشـرع بجـهـل وعـدم حـكـمة، والله يشـرع بـعـلـم وحـكـمة.
فالتشـريـع الإلـهـي صـالح لـكل زمـان ومـكان، لأن الله هـو خـالـق الـزمـان والـمـكان، والله هـو الخـالـق للخـلـق والـزمـان والـمـكان، لله الخـلـق والأمـر، وهـل يـستـطـيع الإنـسان أن يأتي بـشئ مـن الـعـدم، فـإذا كان الإنـسان لا يـستـطـيع أن يتـحـكـم في الـمـوجـود، فـحـكـمه في عـدم الـمـوجـود مـفـقـود.
ولـو فـكـرت أيـها الإنـسان، فـيـما تـزرعـه أنـت بـنـفـسك، فـهـل أتـيت بالـبـذر مـن عـنـدك، وهـل الأرض التي تـزرع فـيـهـا بـعـد أن تحـرثـهـا مـن عـنـدك؟، وهـل الـمـاء تـسـقـي به الأرض مـن عـنـدك؟، وهـل تـسـتـطـيع إنـبات الـبـذر الـذي بــذرته في أرض الله، إذن: لا نجـد شـيئاً أتيـت به مـن عـنـد بـل كـل مـن عـنـدالله، فالله خـالـق كل شـئ، محـتاج إلـيه كل شـئ في كـل شـئ، قال تعالى:(أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (الـواقـعـة 64 ـ 67).
والله هـو الـذي خـلـق لـنـا الأرض رحـمة مـنـه سـبحانه وتعالى، وذلـلـها بـقـدرتـك فأت ببـذرة مـن غـير خـلـق الله تعالى، وأرض لـم يخـلـقـها الله لـك لـنـا وجـعـلهـا تـتفـاعـل لـمـن أخـذ بالأسـباب، قال تعالى:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الـملك ـ 15).
ولـو أن الـماء الـذي نـشـربه، ونـسقي به زروعـنـا وحـيـوانـا تـنا لـم يـنـزله الله مـن السـماء لـنـا، طـبعـاً لا نسـتـطـيع ولـن يسـتـطـيـع أحـد أن يـنـزلـه مـن الـسماء، أو يأتي به مـن أي جـهـة، فـلـن يسـتطـيع أن يـفـعـل شـيئا مـن ذلك، ولـو أن الله جـعـل الـمـاء غـورا فــمـن غــير الله يـستـطـيع أن يأتـنا بـمـاء مـعـين؟.
ولـكـن انظـر أيها الإنسان الـمـغــرور، إلى مـا هــو مصـدر الأشـياء التي أنـت اسـتخـدمـتها في مـصالحـك، أأنـت أيـها الإنـسان الـمـتكـبر التي خـلـقـتـها، فـكل الأشـيـاء التي اسـتخـدمتها مـن بـذر وأرض ومـاء وقـدوة، هـي مـن خـلـق الله ومـوهـبة مـنه، الـذي خـلـقها مـن الـعــدم، لـك ولــمـا يخـدمـك في حـياتـك الـدنـيا الـفـانـية؟.
نقـول: إن هـناك فـرقاً بـين وجـود الـشئ بالـقـوة الـقـادرة، ووجـوده بالسـبب والـفـعـل، فالـنخـلـة مـثـلا حـبة كانت مـوجـودة بالـقـوة الـقـادرة (الله)، كانت نـواة ثـم زرعـت فأصـبحـت مـوجـودة بالـفـعـل، وأنـت لا عـمـل لـك في الحـالـتـين، فـلا أنت بـقـوتـك خـلـقـت الـنـواة (التي هـي الـبــذرة) التي ألـقـيتها في الأرض.
.. وللحـديث بـقـية.
إعـداد ـ ناصر بن محمد الـزيـدي

إلى الأعلى