الثلاثاء 19 مارس 2019 م - ١٢ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الأنبياء (22)

سورة الأنبياء (22)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الأنبياء من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
سميت ‏‏(‏سورة ‏الأنبياء) ‏لأن ‏الله ‏تعالى ‏ذكر ‏فيها ‏جملة ‏من ‏الأنبياء ‏الكرام ‏في ‏استعراض ‏سريع ‏يطول ‏أحياناً ‏ويَقْصُر ‏أحياناً ‏وذكر ‏جهادهم ‏وصبرهم ‏وتضحيتهم ‏في ‏سبيل ‏الله ‏وتفانيهم ‏في ‏تبليغ ‏الدعوة ‏لإسعاد ‏البشرية‎، وهي مكية من المئين عدد آياتها (112) ترتيبها الحادية والعشرون نزلت بعد سورة (ابراهيم)، وهي تعالج موضوع العقيدة الاسلامية في ميادينها الكبيرة: الرسالة، الوحدانية، البعث والجزاء وتتحدث عن الساعة وشدائدها والقيامة وأهوالها وعن قصص الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى:(وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ، وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ، وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ).
قوله تعالى:(وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً) (لُوطاً) منصوب بفعل مضمر دل عليه الثاني أي: وآتينا لوطاً آتيناه، وقيل: أي: واذكر لوطاً، والحكم النبوة، والعلم المعرفة بأمر الدين وما يقع به الحكم بين الخصوم، وقيل:(عِلْماً) فهماً، والمعنى واحد، (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) يريد سدوم. ابن عباس: كانت سبع قرى ، قلب جبريل عليه السلام ستة وأبقي واحدة للوط وعياله، وهي زغر التي فيها الثمر من كورة فلسطين إلى حد السراة ؛ ولها قرى كثيرة إلى حد بحر الحجاز وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان: أحدهما: اللواط على ما تقدم، والثاني: الضراط أي: كانوا يتضارطون في ناديهم ومجالسهم، وقيل: الضراط وحذف الحصي وسيأتي، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) أي: خارجين عن طاعة الله، والفسوق الخروج وقد تقدم. (وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا) في النبوة، وقيل: في الإسلام، وقيل: الجنة، وقيل: عنى بالرحمة إن جاءه من قومه (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).
قوله تعالى:(وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ) أي: واذكر نوحاً إذ نادى أي: دعا، (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله:(رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) (نوح ـ 26)، وقال لما كذبوه:(أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (القمر ـ 10)، (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) أي: من الغرق. والكرب الغم الشديد (وَأَهْلَهُ) أي: المؤمنين منهم، (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا) قال أبو عبدة:(مِنَ) بمعنى على، وقيل: المعنى فانتقمنا له (مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا)، (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: الصغير منهم والكبير.
قوله تعالى:(وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)
فيه ست وعشرن مسألة:
الأولى: قوله تعالى:(وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ) أي: واذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله:(إِذْ يَحْكُمَانِ) الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز، وإنما حكم كل واحد منهما انفراده، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه، (فِي الْحَرْثِ) اختلف فيه على قولين: فقيل: كان زرعاً، قال قتادة، وقيل: كرما نبت عنا قيده، قال ابن مسعود وشريح، و(الْحَرْثِ) يقال فيهما، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة،
والثانية:(إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) أي: رعت فيه ليلاً، والنفش الرعي بالليل. يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار، إذا رعت بلا راع، وأنفشها صاحبها، وإبل نفاش. وفي حديث عبد الله بن عمرو: الحبة في الجنة مثل كرش البعير يبيت نافشاً أي: راعياً، حكاه الهروي. وقال ابن سيده: لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل، والثالثة:(وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) دليل على أن أقل الجمع اثنان. وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه، فلذلك قال:(لِحُكْمِهِمْ) .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.
اعداد ـ أم يوسف

إلى الأعلى