الثلاثاء 19 مارس 2019 م - ١٢ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (ذو القوة المتين) (2)

(ذو القوة المتين) (2)

.. و(القوة) صفة ذاتية لله عز وجل ثابتة بالكتاب العزيز، و(القوي) من أسماء الله تعالى، والدليل: قوله تعالى:(وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ) (الشورى ـ 19)، وقوله تعالى:(إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات ـ 58)، قال البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد ـ باب قول الله تعالى:(إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، قال الشيخ الغنيمان:(وهذه الآية ونظائرها تدل بوضوح على أن الله تعالى موصوف بالصفات العليا، كما أنه مسمى بالأسماء الحسنى، فالقوة صفته، والرزاق اسمه (انظر: صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، ص: 282)، وقال الطبري: عند قوله تعالى:(إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) القوي: الذي لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه راد ينفذ أمره، ويمضي قضاؤه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه) (تفسير الطبري: ج10، ص: 17)، وقال ابن كثير عند هذه الآية:(أي: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب) (تفسير ابن كثير ج2، ص: 320)، وقال الخطابي:(هو الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والمخلوق وإن وصف بالقوة فإن قوته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة) (الموسوعة العقدية ـ الدرر السنية (1/ 485، بترقيم الشاملة آلياً)، فهو سبحانه (صاحب القوة التي لا تشبهها قوة) ـ التفسير الوسيط للطنطاوي ج14، ص: 30)، ويقول الفخر الرازي:(إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) تَعْلِيلًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَقَوْلُهُ:(هُوَ الرَّزَّاقُ) تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:(ذُو الْقُوَّةِ) تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ طَلَبِ الْعَمَلِ، لِأَنَّ مَنْ يَطْلُبُ رِزْقًا يَكُونُ فَقِيرًا مُحْتَاجًا وَمَنْ يَطْلُبُ عَمَلًا مِنْ غَيْرِهِ يَكُونُ عَاجِزًا لَا قُوَّةَ لَهُ، فَصَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ مَا أُرِيدَ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ فَإِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ وَلَا عَمَلَ فَإِنِّي قَوِيٌّ)، (انظر مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير للرازي، ج 28، ص: 195)، وجاء عند الطبري: اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ:(الْمَتِينُ) (الذاريات ـ 58)، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ خَلَا يَحْيَى بْنَ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشَ:(ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات ـ 58) رَفْعًا، بِمَعْنَى: ذُو الْقُوَّةِ الشَّدِيدُ، فَجَعَلُوا الْمَتِينَ مِنْ نَعْتِ ذِي، وَوَجَّهُوهُ إِلَى وَصْفِ اللَّهِ بِهِ وَقَرَأَهُ يَحْيَى وَالْأَعْمَشُ (الْمَتِينِ) خَفْضًا، فَجَعَلَاهُ مِنْ نَعْتِ الْقُوَّةِ، وَإِنَّمَا اسْتَجَازَ خَفْضَ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَهُ بِالْخَفْضِ، وَيُصَيِّرُهُ مِنْ نَعْتِ الْقُوَّةِ، وَالْقُوَّةُ مُؤَنَّثَةٌ، وَالْمَتِينُ فِي لَفْظِ مُذَكَّرٍ، لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْقُوَّةِ مِنْ قَوِي الْحَبْلِ وَالشَّيْءِ الْمُبْرَمِ الْفَتْلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ:(ذُو الْحَبْلِ الْقَوِيِّ) (انظر: تفسير الطبري المسمى جامع البيان، ج21، ص: 556)، وذو القوة على ما خلق، المتين القوي، متن متانة إذا قوي، (التفسير الوسيط للواحدي ج4، ص: 182)، فالله هو الرزاق الذي يفيض رزقه على عباده، ويمنحهم من فضله ما يمسك عليهم وجودهم، ويقيم حياتهم، وهو سبحانه، ذو القوة القادرة المقتدرة، بيده مقاليد السموات والأرض .. وإذ كان هذا شأنه سبحانه، فإن أعمال خلقه من خير أو شرّ لا تجلب له خيراً أو ضرّاً .. إنه سبحانه فوق المؤثرات، خيرها وشرّها، لأن التأثر عارض يعرض للمخلوقات التي تقبل بطبيعتها الزيادة والنقص.. والله سبحانه، الكامل الكمال المطلق، الذي لا يقبل زيادة أو نقصاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (التفسير القرآني للقرآن ج14، ص: 539).

محمود عدلي الشريف*
*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى