الثلاثاء 19 مارس 2019 م - ١٢ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مؤشرات القيمة الأهم تنمويا

مؤشرات القيمة الأهم تنمويا

عادل سعد

مع تعقد الأوضاع الاقتصادية عالميا بحكم اتساع الحاجات البشرية، ومع صعوبة الفرص التنموية والاستنزاف الهائل للموارد الطبيعية، وتكاثر الاستحقاقات الملزمة للتنمية المستدامة، يظل التحرر من الاقتصاد الريعي ذي الاتجاه الواحد من أكثر التحديات التي تواجه حركة الوصول إلى التنوع الاقتصادي، وهكذا إن أي اقتصاد لا يواجه تلك التحديات يبقى رهن الكثير من المطبات والمعوقات والتقوقع بعزلة الانفراد، أقول الانفراد وليس التفرد على ما في الانفراد من تقلبات، واحتمالات نكوس، أو توقف، أو تغير، وبذلك يكون الاقتصاد قد خضع إلى دوامة من النمطية والانتظارات غير المستجيبة لحقوق التطور، وهذا بحد ذاته يمثل الاقتصادات المعتمدة الآن بصورة مباشرة وأساسية على الطاقة الأحفورية كمصدر مالي لتمويل دورة الحياة اليومية، إذ يرتبط هذا الوضع بحجم الريع المتأتي من تسويق تلك الطاقة، وبالتالي يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد خدمات بالدرجة الأساس، الأمر الذي يجعل من القيمة الإنتاجية قيمة ضعيفة جدا، ومن أجل تقريب الصورة أكثر عن هذا الوضع الاستثنائي يبدو أن المال الذي يتأتى من مبيعات النفط والغاز والفحم هو الذي يتحكم بدورة الاقتصاد لأي بلد منتج لهذه الطاقة على ما يتعرض له هذا المال من تباين في قيمته تبعا لهبوط وارتفاع أسعار الطاقة التقليدية إذا لم تأخذ الدول المعنية إجراءات تقوم على الانتقال من الاقتصاد الريعي بكل ما فيه من نمطية إلى الاقتصاد المتنوع.
إن من الدول التي تخوض الآن تجربة هذا التنوع مع كل ما فيه من تحديات كبيرة وقاسية أحيانا هي سلطنة عمان منذ أول خطة تنموية محسوبة عام ١٩٧٠ امتدادا للرؤية الاقتصادية بسقفها المنتظر عام ٢٠٤٠، والسؤال هنا: الذي ينبغي أن تتم الإجابة عليه ماذا يجب أن يكون عليه الاقتصاد العماني لكي ينجح في هذه النقلة النوعية؟
لا شك أنه يخوض الآن تحولات من أجل تحقيق القيمة الأهم لكل مفردات التنوع الاقتصادي، في الصناعة، وفي الزراعة، وفي الامتثال التقني الحديث، وفي وجود حافز قوي يحث الخطى لتطوير مسيرة هذا الاقتصاد، لذلك نجد فيه قنوات تتواصل وحققت معدلات جيدة نسبيا، وبعيدا عن الإحصاءات، وعن نسب النجاح تبقى هناك ضرورات لا بد منها لاستمرار التنمية على هذا الطريق.
إن أحد عوامل التنوع الاقتصادي تكمن في رعاية ما يطلق عليه القيمة الأهم، أنا هنا أتحدث عن القيمة الأهم وليس عن المصطلح الاقتصادي الشائع القيمة المضافة لكي لا يتم الخلط بين القيمتين وفق عناصر تضمن تحسين الجودة وتوقيتات ملزمة وزيادة القدرة على اعتماد المزيد من الموارد المرشدة، وكذلك زيادة القدرة على تلبية الطلب المتزايد في كل الحلقات، فعلى سبيل المثال لا الحصر إن القطاع الزراعي مثلا يظل بحاجة بنيوية إلى توسيع الرقعة الزراعية، وتأمين قدرة أوسع في توفير المياه التي تتطلبها الزراعة مع وجود شبكة طرق ضامنة تربط الأراضي الزراعية بمحطات التسويق، وما يترتب عليه من نقل وضمانات أخرى وقدرة على تصريف المنتج بدون حصول أي ركود، والأسبق من ذلك أن يتم التواصل في إنشاء القرى العصرية الزراعية، أما في الصناعة فالأمر يبدو أكثر تعقيدا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التقنيات المستخدمة في الصناعة لا يمكن لها أن تلبي الحاجة إلى التطور وإيجاد قيمة مضافة للمنتج الصناعي ما لم تستخدم آليات حديثة وتقانة عالية الجودة، وهكذا يتم ضمان متطلبات المنافسة في الأسواق.
إن أجواء السلع ووصولها إلى المستهلك تتحكم فيها بالدرجة الأساس جودة المصنوع وقابليته للإدامة وإمكانية الاستفادة منه فائدة كاملة، وهكذا ينطبق الحال على الخدمات الصحية والتعليمية.
إن القيمة الأهم هنا التي ينبغي أن يتمتع بها قطاع تلك الخدمات تكمن بتكوين معرفة عالية الفهم والاستيعاب للحياة التي تعيشها البلاد، وبتعبير أقرب، ربط التعليم بالاقتصاد والحاجة القائمة إلى التطوير دائما مما يستدعي اعتماد حيثيات تعليمية تقوم على سد الحاجة الآنية مع التطلع إلى التطورات المستقبلية.
إن بنية اقتصادية تنموية تعتمد القيمة الأهم إنما تمثل ضمانة حقيقية للاقتصاد المتنوع الذي هو حجر الزاوية للتنمية المستدامة بما فيها التنمية البشرية.
عادل سعد

إلى الأعلى