الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / القوارض: اقرض وعش مليونيرا

القوارض: اقرض وعش مليونيرا

د. محمد الدعمي

تعصف بالولايات المتحدة الأميركية الآن ظاهرة، أطلقت أنا عليها عنوان: “البحث في الدفاتر العتيقة”. وهي الظاهرة التي قادت لأن يسرع كل مسؤول أميركي (فيدرالي، أو محلي) إلى الاستماع لأنباء الصباح حال نهوضه من النوم للاطمئنان على أنه لم يمس بفضيحة تعرية حتى ذلك اليوم. أي فضيحة من قبل واحد من آلاف “القوارض” الذين احترفوا البحث في الدفاتر العتيقة والسجلات القديمة، خصوصا وأن ظفر أحد هؤلاء الآلاف من “البحّاثة” بفضيحة على أحد السياسيين المبرزين والأغنياء إنما يعني فتح “باب الجحيم” على ذلك السياسي، حرفيا.
وإذا لم تعد “حكايات” بائعات الهوى، من بنات الليل حول المرشح الرئاسي (آنذاك)، دونالد ترامب، من المسائل الساخنة بعد تقادم سنتين وأكثر عليها، فإن ما جرى في الأسبوعين الماضيين بولاية “فرجينيا”، يميط اللثام عن “خطورة” و”ربحية” صنع الفضائح وتسويقها في أميركا.
أما قصة حاكم فرجينيا، المطالب اليوم بالتخلي عن منصبه جماهيريا، فإنها تستحق القراءة بكل تأكيد، نظرا لأنها تلقي الضوء على ما ينخر مؤسسات الدولة من فساد ومخالفة للأعراف الأخلاقية المعتمدة علنا وقانونا هناك: فعندما اكتشف “بحاثة” صورة لهذا الحاكم في كتاب الجامعة سنة تخرجه، الذي يعود إلى عقد الثمانينيات من القرن الزائل، كان الحاكم مطمئنا على نفسه وعائلته وعلى وظيفته، إلا أن الصورة المكتشفة (التي تمثله وقد دهن وجهه باللون الأسود لتجسيد شخصية “الوجه الأسود” المضحكة)، إنما تدينه لعنصريته ضد السود.
أما عندما جرى بدأ التفكير تلقائيا بنائبه الأسود، جستن فيرفاكس، ليحل محله بديلا لمنصب الحاكم، فقد تضاعفت الفضائح على نحو متسلسل، بل وقادر على التناسل والتكاثر على نحو لا نهائي. إذ إن “أستاذة جامعية” أعلنت مباشرة بأنها سبق أن قابلت “جستن” هذا في فندق، وبأنه أرغمها على أداء الفعل الجنسي بعد التقبيل، إذ راحت الفضيحة تلقى أصداءً كثيرة لمنعه من تسنم منصب الحاكم، بديلا عن الحاكم المفضوح الأول. ثم ما لبثت أن أعلنت امرأة أخرى بأن جستن الأسمر أعلاه كان قد اغتصبها عندما كانوا تلاميذ في الجامعة.
أما المرشح الثالث لمنصب “حاكم فرجينيا” على التوالي، حسب التقاليد الدستورية، فهو المدعي العام للولاية، أي الرجل الذي يتولى الــ”حاكمية” عندما يغيب الحاكم الأصل ومن يتلوه، فإنه قد استبق انطلاق بحث الآخرين في دفاتره العتيقة عن فضائح تحرمه من تسنم المنصب، بأن أعلن بنفسه، طوعا، أنه سبق أن دهن وجهه بصبغ أحذية “قهوائي” اللون قبل عقود، استهزاءً بالسود الذين يشكلون نسبة كبيرة جدا من سكان ولاية فرجينيا. ربما كان هذا إعلانا “استباقيا”، للتحوط من خروج المحترفين من صيادي الفضائح لإماطة اللثام عما كان يفعله من ممارسات لا أخلاقية سابقة. وإذا كان هذا إجراءً إجهاضيا مبكرا من قبل المرشح الثالث على التوالي، فإنه لم يمنع تيار صناعة المال بتوظيف الفضائح في أميركا: إذ أعلن محرر أحد الصحف المتعاونة مع الرئيس دونالد ترامب، بأنه قد ينشر صورة عارية فاضحة لأغنى رجل في العالم، أي لـ”جيف بيزوس”، صاحب ومدير “شركة أمازون” العالمية، على سبيل “حلب” الأموال منه للتغطية على هذه “المخازي”. وهنا، يبقى المرء حائرا حيال حياة جبابرة أميركا: فهل يمكن أن ينجو أغلبهم من هذا التيار الفظيع!
أ.د. محمد الدعمي كاتب وباحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى