الثلاثاء 26 مارس 2019 م - ١٩ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / بوح على أبواب دمشق (٢ ـ ٢)

بوح على أبواب دمشق (٢ ـ ٢)

علي عقلة عرسان

.. ويضيف هيرودوتس: [[لم يعرف اليونانيون أصل واحد من الآلهة، ولا تاريخ وجودها القديم جميعا، ولا ما هي أشكالُها، لم يعرفوا ذلك إلا بالأمس وبالأمس القريب كما يقولون. وأنا أعتقد أن هسيودوس وهوميروس عاشا قبل عصري بأربعمئة سنة لا أكثر ـ نهاية القرن التاسع ق.م ـ وهما اللذان دوَّنا لليونانيين أنساب الآلهة وسمياها بألقابها... إلى آخره.]] – هيرودوتس يتحدث عن مصر- ص155-156.
وهذا لا يترك مجالا للشك في أبوة وأمومة ثقافة هذه المنطقة التي شغلها المصريون القدماء والعرب الشرقيون والغربيون “في العراق والشام”، لثقافة الغرب وأساطيره وعقائده “ميثيولوجياه” القديمة، كما أنه يدعونا إلى مزيد من التقصي والبحث والتدقيق، للوقوف على الدور الحضاري الذي لهذه الأمة التي ينال منها اليوم الضعف، وينخر فيها السوس، ويرين على ذاكرتها ووعيها الجهل، ويتأكَّلها الإهمال والتدابر وفساد القلب والنية والرأي والرؤية، ويقوم بعض أبنائها بتشويه صورتها، بجهل مطبق، وانعدام وعي، وضعف انتماء، وتبعية عمياء إذا لم نقل أكثر…
لقد تداخل في دمشق المعبد الوثني القديم ـ معبد الإله حَدَد وسواه، ممن سبقه وتلاه من آلهة هذه البلاد ـ مع الكنيس، والكنيسة، والمسجد، وهي بهذا الغنى والتنوع والتداخل، لم تكن مجرد حاضرة من حواضر العالم القديم التي شاركت في احتضان العقائد والثقافات، وساهمت في نمو الوعي والإيمان فقط، وإنما كانت سُرّة الأرض التي شهدت صراع الوثنيات فيما بينها، وصراعها مع الديانات الإلهية، “السماوية”، وصراع الديانات الإلهية فيما بينها ثم تعايشها وبعض ملامح تآخيها، وسبوغ التسامح عليها. فدمشق جارة “يَبوس، أورسالم، إيلياء = إيليا كابيتولينا، القدس” وخِدْنُها، وهي جنَّة الأرض التي نبَّه إليها رسلٌ وأنبياء، وهي الدار التي تعززت فيها الدولة العربية ورسالةُ الإسلام وانتشرت انتشارا واسعا، بنوع من التآخي والتسامح مع الديانات والقوميات لم تشهده إلا مدن عريقة قليلة في التاريخ، وهي التي تداخلَ فيها النسيج المعماري والحضاري وحتى الاجتماعي الأقدم والقديم، في تكوين حضاري عضوي ثبَّت شخصية ثقافية نوعية، من خلال تراكمية ثقافية وحضارية بناءة، كما تداخلَ فيها القديم مع الجديد، والمستجد والحديث. ولكن ذلك المعطى الثقافي والحضاري العام والمتنوع كان يدخل دائما بوتقة واحدة تصهره وتسبغ عليه في النهاية ثوبه، الثوب الشآمي، الدمشقي ـ العربي، ليعطي هوية وخصوصية وشخصية للمدينة، يجلوه موقفُها ومبدؤها وتراثها، وليعطي للتراث شَمْرخة زاهية تجلوها شخوصه وتحدد هويته وانتماءه.
لقد كان الفتح الإسلامي لدمشق في السنة الرابعة عشرة للهجرة ـ القرن السابع للميلاد ـ فهل تراه دخل ديارا لم تكن العروبة مستقرة فيها، والجولان العربي من أرض الجزيرة إلى العراق فالشام فالجزيرة، مستمر سعيا وراء الكلأ والمَرعى، والغساسنة العرب على سبيل المثال، مستقرون جنوبها منذ خراب سد مأرب، وإخوتهم المَناذرة مستقرة في غرب العراق؟! أم تراه وجد من أهل الديار عونا له وترحيبا به، وتعرّفا عليه، واعترافا بأصالة “زيتونته” الشرقية العريقة الأصلية البهية في الأرض الشآمية، وعبق ريحانته في الدور والقصور، وعلى ضفاف بردى وفي بساتين الشام، الريانة المزدانة بالذكريات وبـشمائل الانتماء العربي الصُّراح إلى هذه الأرض المباركة وأهلها.. ذاك الذي ينال منه اليوم متغولون بالتبعية للاستعمار، والولاء للصهاينة والمتصهينين، ومتواطئون مع القوى الدولية الغازية الظالمة؟!
ربما كانت دمشق، لسبب من ذلك التعايش القديم والتلاقي الحميم بين أهلها والقادمين إليها/إليهم من طينتهم، دخلها العرب المسلمون فكان دخولهم إليها “مناصفة” بين صلح وحرب، عاشت في ظلهما قرونا من قبل ومن بعد، وتكاد تكون تلك علامة عليهما منذ ذلك اليوم الذي سَبَحَ فيه خالد بن الوليد ومذعورُ بن عدي والقعقاعُ بن عمر في ماء خندق دمشق وكبروا فوق سورها القديم وفتحوا بابها الشرقي للجند وفتحوها عنوة من هذا الجانب وساروا ما شاء الله لهم أن يسيروا فيها، قبل أن يلتقوا أشقاءهم في درب الريحان، “ما يقرب من منتصف المدينة داخل السور”، ذلك لأن الذين فتحوا لجند يزيد بن أبي سفيان وأبي عبيدة بن الجراح أبواب دمشق الأخرى من جهة الغرب والجنوب الغربي كانوا يصالحون ويميلون وربما ينتمون، وكان اللقاء بين العنوة والصلح، بين الحرب والسلم، بين الموت والحياة، في درب الريحان.. فيا له من مكان، ويا له من اسم على مسمّى في الزمان والبيان.
ويبدو أن لدمشق حظها الوافر في كل العصور، من ثنائية ملحوظة الوجود والتأثير، أو من تلك “النّصفيَّة” التي تجعل الضدين يلتقيان ويتوقفان وينكسران في آن، ذروة ومكانا. ولا أدري أهي خصوصية دمشقية أم هو قانون خفي تفرضه الطبيعة العامة للحياة في مرتكزات التجمّع البشري والحضاري؟! فلدمشق العاصمة والمُعتَصَم، سباسب ريحانها التي تواكب سيوفها الدمشقية الشهيرة أو تقطع عنها حدود السيوف، ولها حريرها وفولاذها الأشهران، ولها قلعتها القوية العصية، وبساتينها الرضية الرخية، لها ماؤها وسهولها وحمادها وصحراؤها، جبلها وغوطتها، عُمَرُها ويزيدُها، فضلاؤها وفجارها.. ولها أطباؤها وعلماؤها وأدباؤها وشعراؤها، ولها أيضا جُهَّالها وجهلتها. وقد كان فيها “الزعران والعوانية والبلاصيّة والغوغاء ومشايخ الحارات وعرفاؤها”/ دمشق بين عصر المماليك والعثمانيين- ص95- تأليف: د. أكرم العلبي- منشورات: الشركة المتحدة للتوزيع- دمشق 1982.”.. وفتوّاتُها.. لها من تيمورلنك نصيب، ومن نور الدين الشهيد وصلاح الدين نصيب، وفيها الأموي والظاهرية والمدارس والزوايا والتكايا قديما، والجامعات والمكتبات العامة حديثا، وكان فيها أيضا سوق الخيل وما هو على شاكلته، مؤديا لوظيفته قديما وحديثا.. ولها نصيب من الفقهاء والصلحاء والمتصوفة، وأهل الرأي والسياسة على امتداد الزمن وتلوّن العهود.
ومنذ توطدت فيها أول دولة عربية في ظل الإسلام، أعني الدولة الأموية، وهي منطلق الحس القومي ومرتكزه، تخبو جذوته آنا وتشرئب آنا، ولكنها لا تموت. وقد تعزز ذلك فيها يوم قاومت ظلمَ العثمانيين “الدونما”، وحملات التتريك، واتفاقية سايكس ـ بيكو، والاستعمار الفرنسي الذي أشعل فيها الحرائق، والوجود الصهيوني الذي استقر في الجناح الجنوبي الغربي لبلاد الشام، الذي ما زال يشكل حضورا عنصريا استعماريا، وصليبيا متجددا، ويلقى دعما غير محدود من الدول العظمى. وظلت دمشق، وستبقى رغم دعاة قصار النظر، منطلق الدعوة إلى العمل العربي، الوحدوي والتحرري والتحريري على المستوى العربي الشامل، وبيتا للعرب، وموقعا يرفض العدو الصهيوني والاعتراف به وتطبيع العلاقات معه.. حتى لو طبقت جامعة الدول العربية قرار قمّتِها، قمة بيروت، واعترفت بالصهاينة، فسيرفض شعبنا الصهيونية كلها.. سيرفضها من دمشق، ويجب أن تفعل ذلك دمشق، لأن فلسطين هي الجزء الجنوبي الغربي من بلاد الشام، وهي عربية وستبقى عربية. وقد أثبتت الشام في معاركها ومواقفها القديمة والحديثة، وعيا وصلابة وثباتا في وجه الطغيان والظلم والظلام ومخططات الاستعمار والأعداء والطامعين والحاقدين والصغار القصار.
أفلا تتداخل، من خلال هذا القليل الذي ألمحت إليه، ألا تتداخل دمشق مع التراث العربي الإسلامي الإنساني، لتكوِّن قوس قزح عالمي إنساني بهي، يعشقه المرء ويجد نفسه فيه؟! أفلا يشكلان، دمشق والتراث، لُحمة وسدى، يصعب الحديث عن نسيج مديني ومدني وعربي وحضاري من دونهما؟!
إن من ينظر إلى أبواب دمشق وسورها وتجليات عمرانها داخل السور القديم، وإلى صخب الحياة وغناها وتنوعها داخل ذلك السور وخارجه، يشعر بأن قلب دمشق هو قلب الحياة، وهو الذي يضخ في قلوب عشاقها دم الحب والاعتزاز بها وبالانتماء إليها.. فكيف يُلام عاشقها إذن؟!
وإن من يسرّح النظر ويتأمل فيما استجدّ داخل سورها وخارجه على مدى قرون يستغرقه عمر المدينة وعمرانها، بالمعنى الخلدوني الشامل للعمران.. يعجز عن كبح جماح العشق والاعتزاز والزهو، ويسلم قياد القلب على أبواب دمشق لقلب يرجو ألَّا يعمى أبدا، وألَّا يشيخ أبدا، وأن يسكنه الهُدى إلى نهاية الأمد، أمده.. لكي يرى ويدرك ويستمتع ويحب، وتتداخل فيه كما تتداخل فيمن يعشق، أمشاجُ البدايات مع ما انتهت إليه الشام اليوم من أوضاع ومواقف وظروف واستخلاصات ومعاناة وحكايات، معظمها لا يسر الصديق ولا يغيض العدى، وبعضها يؤمل أن يكون فيه الخير. ولكي يتحقق ويتثبّت من أن الجذر الثقافي العربي القديم ـ القديم الذي نبتت عليه جذوع دمشق وفروعها، هو ذاته الجذر الحي الذي ما زال يمد عروبتها وإسلامها اليوم بنسغ الرؤية والموقف والحياة، وأنه سيبقى قادرا على استيعاب كل معطيات التربة والتخصيب، وعلى تمثّل ذلك وصوغه وجعله في صلب وبقائه المرتجى على الزمان، حاملا هوية المكان والأمة التي كانت دمشق حاضرتها الأرحب والأقوى والأعز والأحب، الأمة العربية الأوضح والأصرح، وستبقى بعون الله.
فلدمشق، من ريحانها وياسمينها وجوريّها باقة فيها من حب القلب وخلاصات العقل والوجدان ما لا يخفى على البصيرة وأهل النظر، ممن تهمهم دمشق بشمول معانيها وتاريخها وتراثها ورموزها وما يؤمّل منها ويترتب عليها، إذا ما عجز البيان عن ترجمة ذلك.
وعلى أولئك نطرح الأمنية بأن يخرجوا خارج بعض أسوارها ودوائر نعاسها وانتكاسها، ليريوا كيف يزوبع عصر القوة الغاشمة المدن والناس، ويقتحم الحضارات وثوابت الثقافات، وكيف توجه جهاتٌ وبلدانٌ سمومها إلى أرواح أبنائنا، وأسس بنياننا، ومقومات وجودنا، لكي نتمكن من المواجهة الفعالة بعصرنة الرؤية والأسلوب ونوع الخطاب، ولكي يمتد جسر التواصل الأروع والأعمق والأعرض والأطول الذي نقيمه بين أجيالنا العربية وتراثنا العريق، وليكون الوعي والإيمان والانتماء الأصيل: حبا عميقا ووعيا معرفيا دقيقا وانتماء مسؤولا، للأمة وتراثها ولغتها وأبنائها ومرتكزاتها الحضارية ومراكزها العريقة التي تنير الطريق إليها، ولكي تطلق الإرادة والعزم لتشق طرقا منها إلى التقدم العلمي والبناء الحضاري والعناية بروح الإنسان الحر المطمئن المتفتح على الحياة بثقة وأمل، وعلى التماسك القومي الأرحب، وعلى الغنى الروحي، والحضور الفعال، في بيت أمة وحضارة وعقيدة وثقافة، كانت مع الأمم والثقافات دائما في سجال، تعطي ولا تعرف الغياب المميت، أو الموت الغياب. وستبقى كذلك إن شاء الله وتتخلص من شوائب لا تليق بها.
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى