الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / اللبان العماني.. ثروة حضارية تخشى الانقراض

اللبان العماني.. ثروة حضارية تخشى الانقراض

د. مسعود الحضرمي:
حيثما نوجه انظارنا في بقاع ارض سلطنتنا الحبيبة، نجد هبات كثيرة من الله تعالى لهذه الأرض، من ثروات طبيعية لها خصائصها الفريدة، التي جعلت منها مقصدا للكثيرين، تجارا وزوارا ودارسين ومستكشفين، وما ان ذكرت اشجار اللبان حتى اقترنت باسم عمان، فاللبان العماني من اهم ما ميز التجارة قديما، وازدهرت به الأنشطة التجارية مع مختلف مناطق العالم من شرقها إلى غربها.
تعاظمت اهميته، وتهافتت القوافل التجارية رغم مشاق الرحلة لتصل الى حيث الوافر من اشجاره في ظفار التي عرفت في التاريخ بأرض اللبان، وكان ميناؤها سمهرم حلقة الوصل في تجارة اللبان، فتصله السفن متجهة إلى شواطئ جنوب العراق، وإلى الشام ومصر القديمة، وغزة الفلسطينية، ومنها الى البلدان ‏الأوروبية ومنها روما القديمة واليونان وحتى بلاد فارس لما له من أهمية في الطقوس الدينية لتلك الحضارات، وتشتهر ظفار بأجود أنواع اللبان في العالم والذي يسمى الحوجري، فضلا عن انتشار انواع أخرى من أشجار اللبان العماني وهي النجدي والشزري، ولكنها أقل جودة من الحوجري.
تتجلى أهمية اللبان العماني في احتوائه على العديد من المركبات العضوية الحيوية المفيدة لصحة الإنسان، فضلا عن استخدامه في صناعة البخور والعلك للمضغ، وقد أثبتت الدراسات التي أجريت على اللبان العماني كونه مصدرا غنيا بمادة الكورتيزون التي يمكن استخراجها من الشجر واللحاء والتي تعد من الناحية الطبية افضل بكثير من الكورتيزون المصنع فهي توفر الفائدة الطبية من الكورتيزون دون ان يترك اعراضا جانبية كما هو الحال في المصنع، كهشاشة العظام والقصور في وظائف الكلى والكبد، وتجدر الاشارة هنا الى ان سكان ظفار قد ادركوا منافع اللبان العماني وجودة محتوياته، فاستخدموا ثماره في ماء الشرب، اعتقادا منهم بمساعدته على الادرار، كما أنها تجعل الماء باردا ونقيا في أوقات الصيف، وقد ورد ذكر اللبان العماني وثماره في مؤلفات ابن سينا، حيث قال عنه: إنه يداوي جميع الأمراض.‏
غير ان الوضع الراهن الذي نلاحظه يكشف لنا مخاوف كثيرة على اللبان العماني من الانقراض، فقد تعرضت مساحات تواجده إلى الجرف بسبب الزحف العماني الجائر، وتناسى أولئك المتطلعون للعمران الحضري القيمة العظيمة لهذه الشجرة وما تجود به من أصناف تعادل في قيمتها الذهب، حتى إن البعض يطلق على اللبان اسم الذهب الأبيض، فضلا عن أن من كانوا يشتغلون بجمعه وتصنيعه قد رحلوا ولم تكمل الأجيال التي تلتهم مواصلة العمل بهذه الحرفة للحفاظ على اللبان العماني وديمومة عطائه موردا اقتصاديا يندر وجوده في بقاع الدنيا.
ان الحاجة اصبحت ملحة للغاية في اعادة النظر في حال اشجار اللبان وحمايتها من الانقراض، فهي ثروة وطنية لها مكانتها الكبيرة دينيا وصحيا واجتماعيا ليس فقط لأهل ظفار وعمان، بل للعالم كله، حتى انه قد اصبح يستخدم في صناعة الأدوية حديثا وفي الزيوت والمساحيق التجميلية والعطور، وفي ذلك نرى من الضرورة ان تتضافر الجهود الحكومية والشعبية من اجل اعادة إحياء مكانة اللبان العماني والحفاظ على ما تبقى منه فوق ارضنا الحبيبة، واستخدام التقنيات العلمية المتقدمة لإكثاره وتصنيعه، وعمل محميات طبيعية تكون مقصدا سياحيا للزوار والتجار، وبهذا سنسهم في الحفاظ على اللبان العماني وتنميته وانقاذه من الانقراض حتى لا يصبح جزءا من تاريخنا القديم فقط، فالأصالة تتجدد اذا ما تم تجديد الوعي وزيادة الاهتمام وتركيز العمل تجاه ما نملك من ثروات طبيعية بدلا من التلاهف على مظاهر المدنية الجائرة.

إلى الأعلى