الجمعة 22 مارس 2019 م - ١٥ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / نحو سياسات وطنية لنقل الابتكار إلى الوظيفة العامة وثقافة المسؤول

نحو سياسات وطنية لنقل الابتكار إلى الوظيفة العامة وثقافة المسؤول

د. رجب بن علي العويسي

يأتي تناولنا للموضوع من فرضية التحول الذي يصنعه الابتكار في حياة الأمم والمجتمعات، والقراءات التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعة، ومنظومة الابتكار العالمي على المؤسسات في ظل إشكاليات التوظيف والتشغيل للقوى العاملة الوطنية، ودور الوظيفة العامة في تحقيق فرص نمو أفضل للإنتاجية المؤسسية، والاعلاء من سقف التوقعات في الأداء، وبالتالي التحول بالابتكار من حالة التحجيم له وإقصائه في مجمعات الابتكار والمختبرات العلمية والمصانع، إلى كونه سلوكا إنسانيا وثقافة أصيلة تصاحب الفرد في كل ممارساته الحياتية العامة والمهنية التخصصية، ولما كانت الوظيفة العامة من أهم المرتكزات التي تقوم عليها تقدم المجتمعات ونهضتها، لذلك كان من الأهمية البحث عن الآليات التي تضمن نقل الابتكار إلى الوظيفة العامة، وتعميق حضوره في اشتراطاتها ومتطلبات النجاح فيها والعمليات الوظيفية والسياسات التي تنظمها، وتأصيله في سلوك الموظف، ويتأسس في ثقافة المسؤول وفقه المسؤولية.
وانطلاقا من الاهتمام الوطني بتعزيز ثقافة الابتكار والجهود الحكومية لوضع الابتكار الوطني في الخريطة العالمية، وما يقدمه مجلس البحث العلمي مشكورا من مبادرات نوعية في تحقيق هذا الإطار ورسم معالمه والذي توج بتدشين الاستراتيجية الوطنية للابتكار، كمرجعية وطنية في بناء طريق تحقيق التنافسية والوصول إلى مؤشرات الابتكار العالمي، والتي انطلقت في عملها من العديد من المعطيات الوطنية والعالمية والمتغيرات الاقتصادية والاستراتيجية حاملة معها الكثير من الطموحات والأحلام في تناغم مع كل النجاحات الوطنية المتحققة في مجال الابتكار، وهي جهود نعتقد بأنها تسير في الاتجاه الصحيح، مع حاجتها إلى الكثير من التكامل والتفاعل المؤسسي والمجتمعي ودور أكبر للقطاع الخاص في توفير بيئات نموذجية وطنية للابتكار ودعم القدرات العمانية في ذات المجال، ومع ذلك نعتقد في الوقت نفسه بأن الجهود الوطنية التي أنتجت قدرات ابتكارية وطنية في المجال الصناعي والتقنية والطاقة والبيئة وغيرها، بحاجة إلى أن تماثلها جهود أخرى تتجه إلى رسم ملامح الابتكار في الوظيفة العامة والأداء العام للقيادات والسلوك العام للموظف ونوع الوظائف التي تحتاجها السلطنة في ظل التحديات الحاصلة في مجال الاعمال والمال والتسويق والإنتاجية، فحالة الشد والجذب والتساؤلات التي باتت تطرح حول الوظيفة العامة وقدرتها على استيعاب الباحثين عن عمل ومسار المواءمة بين مخرجات التعليم والوظائف، تلقي بظلالها على دور الابتكار كأفضل النُهج المجربة عالميا في التكيف مع متطلبات الثورة الصناعية، وإعادة هندسة سوق العمل ومفهوم الوظائف المستقبلية في ظل الروبوت والذكاء الاصطناعي وبرمجيات الحاسب الآلي ليمارس دور الإنسان (الموظف). بما يؤكد أهمية تبني سياسات وطنية لنقل الابتكار من مراكز الابتكار والمختبرات والمعامل الصناعية والشركات والمصانع، إلى كونه ثقافة عامة وسلوكا إنسانيا والتزاما مهنيا، ينعكس على شخصية الموظف ويؤسس لبناء مسارات واضحة في الأداء الناجح وأفضل الممارسات.
عليه تشكل الوظيفة العامة ركيزة التحول في نقل الابتكار إلى أرض الواقع، وتصبح الممارسة الوظيفية والمهنية، الترجمة العملية التي يمكن خلالها نقل الابتكار من المنظور الضيق له والاطار النظري له الى سلوك الموظف (فكره وثقافته وقناعاته وأساليبه والتزامه وحديثه وتعامله مع الأدوات واستخدامه للموارد، واستثماره للفرص وإدارته للوقت، وفرص الجاذبية والتشويق التي يضيفها على الأداء، والحكمة والرصانة التي يؤسسها في التعامل مع المراجعين، أو في طريفة تفكيره ونظرته الإيجابية وتفاؤليته وإخلاصه، وقيم القيادة والريادة والمهنية التي يؤمن بها، وقدرته على صناعة أنموذج ذاتي للآخرين في كونه الرجل المناسب في المكان المناسب)، فهي ملامح يترتب عليها إنتاجية الموظف وقدرته على التكيف مع كل العوارض الحاصلة والاحداث المستجدة، وفي المقابل تعميق الابتكار في مفهوم الوظيفة نفسها، فهي أكثر من كونها مجموعة من المهام والاختصاصات التي يمارسها الموظف ويحقق بها الأهداف، في ظل ما تحمله من عمق في المسؤوليات وتوفره من فرص وتستوعبه من ممارسات ويرتبط بها من نجاحات، وقدرتها على استدراك مساحات الوعي الاجتماعي في المجال، واستلهام التحول في المجتمع بما تحمله من معاني الاستقرار النفسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري وما تحققه من رصيد استثماري لقدرات الفرد وموارد المجتمع وثرواته. وبالتالي ما يستدعيه ذلك من قراءة جذرية لمفهوم الوظيفة العامة وأنواع الوظائف والمهام التي تتعاطي معها، وإنتاج الوظائف التي تتناسب ومعطيات العصر وتتفاعل مع الاحتياج الإنساني والمؤسسي وابتكار وظائف جديدة أقرب إلى وظائف المستقبل المرتبطة بمفاهيم الريادة والبحث العلمي والاستراتيجيات واستشراف المستقبل وتعمق الانتاجية والمبادرات والتقييم المؤسسي وإدارة الموارد البشرية وإدارة المشاعر في المؤسسات، والعمل التطوعي وقضايا الوقف والهوية والمسؤولية الاجتماعية وغيرها، فإن الإبقاء على الوظائف الحالية، مدخل لاستدامة حالة البيروقراطية والروتين السلبي والترهل الوظيفي التي تعيشها الوظيفة العامة، ناهيك عن الحاجة إلى إعادة الوصف الوظيفي وتقييم الأداء والمحاسبية وتعزيز منظومة الدوافع والحوافز وفتح افاق اكبر للتطوير الذاتي والوظائف المرتبطة بالواقع والمتجهة نحو الميدان، وأن تتجه السياسات الوطنية إلى خلق تحول في ثقافة المسؤول وصقلها بقيم الابتكار وثقافة العمل المؤسسي، ليستمر دخول الابتكار في ثقافة المسؤول، والمعايير المتعلقة بطريقة اختياره والمواصفات التي تحتاجها وظائف المستقبل وقدرته على بناء شبكات اتصال وتواصل داعمة لتحقيق نجاحات قادمة، كما يظهر ذلك في أمانته واخلاصه ونزاهته وقدرته على توليد البدائل وصناعة الفرص وقراءة واعية لمتطلبات المنظور الوطني للمجال في ظل التحولات العالمية، يؤمن بمفهوم العمل الجمعي والشراكة الفاعلة، واحتواء الشباب وتعزيز حضورهم في مواطن الإنجاز، في ترفعه عن الانا والفوقية والتسلطية والفردانية وغيرها، وتوظيف الصلاحيات لصالح العمل وإنتاج القرار الاستراتيجي الرشيد، وتمكين العدل في الوظيفة التي يمارسها وغيرها من الممارسات التي باتت تلقي على دوره تحولات تتناسب مع المستجدات الحاصلة وطموحات الشباب وتعبر عن سرعه الجاهزية الوطنية في التعامل مع الاحتياج الشبابي وتوفير الحياة الكريمة للمواطن.
ولما كان العمل المؤسسي، الواجهة الضامنة لقدرة الدولة على تحقيق أهدافها، فإن أي نجاحات في هذا القطاع، ستنعكس على القطاعات الأخرى (الخاصة والعائلية والأهلية)، التي ينظر العامل الوطني فيها إلى الموظف الحكومي على أنه قدوة له في تحقيق الالتزام والايمان بمبادئ العمل المسؤول، لذلك كانت من الأهمية ان تتجه سياسات الابتكار بشكل متواز إلى التطوير في الوظيفة العامة والقائمين عليها والمنفذين لها، بما تتطلبه من كفاءة في التشريعات والقوانين، بحيث يصبح الابتكار جزء أساسي من المنظومة وعنصر مهم في المنافسة، وسلوك أساسي في معادلة الإنتاجية الوظيفية، وما يرتبط بذلك من إعادة النظر في بعض التشريعات القائمة، مثل: مواد قانون الخدمة المدنية واللائحة التنفيذية ولوائح العمل الداخلية المنظمة للعمل بالجهاز الإداري للدولة، بالإضافة إلى قانون العمل والقوانين الأخرى التي لها علاقة بالوظيفية العامة والموظف العام في القطاع الحكومي والخاص، واقترح سياسات ونصوص قانونية أخرى أكثر ضبطية ومهنية واحتواء وتأثيرا وكفاءة في قراءة الواقع ورصد الحالة الوطنية واستشراف المستقبل، وأن تتضمن هذه التشريعات مواد صريحة في الابتكار الوظيفي وسلوك الموظف والانتاجية والمحاسبية والحوافز والصلاحيات المبنية على التجريب وثقافة المسؤول والتمكين وغيرها من القضايا والمفاهيم المستجدة في الوظيفة العامة ، بالإضافة إلى التأصيل الفكري للابتكار في الوظيفة العامة وهو دور يجب أن يمارسه مجلس البحث العلمي مع المؤسسات الوطنية في الوصول إلى اطار وطني حول الابتكار في الوظيفة العامة وكيفية صناعته وتوطينه والمحافظة على استدامة حضوره ومتطلبات تواجده وحقوق الموظف المبتكر، وآلية ممارسة الموظف له، وكيف ينافس فيه، ومدى إدراك المسؤول لهذا المفهوم في واقع مسؤولياته، بالإضافة إلى كفاءة أدوات المتابعة وأطر التقييم والرقابة الإدارية على المؤسسات الإدارية للدولة، بمعنى أن عملية بناء الابتكار بحاجة إلى وضوح استراتيجيات المتابعة وتوفير الدعم للمؤسسات وتبصيرها بمسؤولياتها، وتوفير معايير النجاح في المؤسسات وقياس مؤشرات التميز، ويبقى على جهاز الرقابة الإدارية والمالية للدولة تفعيل اختصاصاته وإعادة النظر في ممارساته في تشخيص الحالة المؤسسية، كما تستمر المؤسسات التشريعية والبرلمانية في إنتاج القوانين الضبطية والرقابية التي تستهدف تقييم الثقافة الوظيفية لمسؤولي الجهاز الإداري للدولة وموقع الابتكارية فيه.
وعليه سيظل هاجس الابتكار، التحدي القادم الذي نعتقد بأن على الاستراتيجية الوطنية للابتكار ورؤية عام 2040 أن تعملا على تحقيقه بما من شأنه نقل الابتكار من مجرد ممارسة مكانية أو سلوك زماني أو فئوي أو مهني معين، إلى كونه ممارسة وطنية أصيلة تظهر في سلوك الموظف العماني في قطاعات الدولة المختلفة، وهي المعيار الذي يجب على الجميع ان ينافس فيه، فكم واقعنا الوظيفي اليوم بحاجة إلى المسؤول المبتكر القادر على استيعاب الحالة العمانية برمتها، وفهم مسؤولياته في تحقيق احتياجات المواطن واستيعاب ما يفكر فيه والانصات له والاستماع إليه، ذلكم المسؤول القارئ المفكر بعمق، المبدع في طرحه للواقع بكل شفافية ووضوح، من يجد في نفسه النقص ويعترف بالتقصير، الواقعي في أطروحاته، الطموح في مبادراته، الإيجابي في تعاطيه مع احتياجات المواطن الضرورية، من يأخذ بيد المواطن، ويؤمن بالعدالة والمساواة، ويؤسس لمسار الخيرية في الوظيفة العامة، ويؤسس مسار التفاؤل ويحقق فرص اكبر لتستوعب خطط مؤسسته، الباحثين عن عمل، وشعوره بمسؤوليته عن احتوائهم جميعا، فينتقل إليهم ويعبر لهم عن ما في استطاعته أن يحققه.
إننا نطمح اليوم أن تتساوى جهود مجلس البحث العلمي بابتكارات الطلبة وتأصيل ثقافة الابتكار في مؤسسات التعليم المدرسي والجامعي، إلى اهتمامه بنقل الابتكار إلى الوظيفة العامة، وسن السياسات الوظيفية بمشاركة جهات الاختصاص في تحقيق ذلك، وتبني حوار وطني في كيفية تحقيق هذا التحول، لنقرأه في سلوك الموظف وتعامله مع المراجعين أو تخلصيه للمعاملات أو تسريعه فيها أو احترامه لموقعه الوظيفي، وفي طريقة تنفيذ المهام والتزامه وواقع حضوره الرسمي وما حققه من انجاز، فلن يكون للابتكار الذي نريد أي حضور فعلي، إلا في ظل ثقافة عمل مبتكره، وقيادات مؤسسية واعية تؤمن بالابتكار كسلوك وليس كعناوين ولافتات حاضرة في المؤتمرات والاجتماعات، إذ نستطيع ان نعطي بعدها تصورا حول موقعنا من مؤشر الابتكار، لن يحقق مؤشر الابتكار رقما صعبا عندما يفتقد للروح المبتكرة على الأرض، وتنعدم المؤسسات من ثقافة المسؤول الواعي بدوره، المؤمن برسالته، المتخلي عن كل المتعلقات الشخصية والنفسية والفكرية والقناعات السلبية التي يؤمن بها، وعندها سنحقق مؤشرات ابتكار واقعية تفوق التصورات، لأنها ببساطة مبنية على نتاج واقع ومؤشرات أداء صحيحة.

إلى الأعلى