الأربعاء 26 يونيو 2019 م - ٢٢ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى والتنمية (10ـ14) من أوراق المرحلة التأسيسية

الشورى والتنمية (10ـ14) من أوراق المرحلة التأسيسية

سعود بن علي الحارثي

لقد تنبه المجلس الاستشاري للدولة قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف لهذا الملف المهم والحساس، فأعد دراساته وتوصياته من أجل أن يقتحم العماني جميع مجالات العمل، ويشرف بنفسه على تجارته ومشاريعه وأملاكه، وأن يصبح الفاعل في مختلف الحقول والمجالات والقطاعات، (تعمين الوظائف في القطاع الخاص ـ وضع أسس جديدة لتعمين الوظائف في القطاعين الحكومي والأهلي..

(تناول المجلس هذا الموضوع الحيوي المهم إيمانا منه بأهمية تنفيذ مبدأ إحلال عمالة وطنية محل العمالة الأجنبية في القطاع الخاص، وصولا إلى إيجاد قاعدة وطنية مؤهلة تسهم في تنمية هذا القطاع الذي يشارك بصورة أساسية في تحقيق أهداف التنمية الشاملة في السلطنة). من توصيات المجلس الاستشاري للدولة.
سابعا: سياسات التعمين.
الصور والمشاهد الكثيفة التي يزدحم بها المشهد العام في كل مفصل من مفاصل حياتنا اليومية تثير دون شك القلق والاضطراب في النفس، فالأعداد الهائلة من الأجانب ـ بحسب ما أكدت في مقالات سابقة ـ الذين يشرفون ويعملون في معظم المهن والحرف والوظائف، في الشركات والمصانع والمؤسسات الخاصة، وفي المزارع وسفن الصيد والبيوت، وفي مواقع وأمكنة مهمة وحساسة جدا مثل أعمال التركيب والإنشاء والصيانة في شبكات الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات، وتقنيات المعلومات ومخططات المشاريع الحكومية والخاصة والسكنية وشركات التنظيف وغيرها، ما يؤكد أن اقتصادنا وأسواقنا ومؤسساتنا وأراضينا الزراعية وثرواتنا وحتى أطفالنا وحياتنا العامة والخاصة رهينة في يد شريحة كبيرة جدا من الأجانب، وتأكيدا على ذلك نرى أنه كلما حدث خلل أو عطل أو انقطاع في شبكة من شبكات الخدمات الأساسية التي تقوم عليها الحياة العصرية يهرع عشرات الأجانب من الفنيين والعمال لإصلاح الأخطاء وإعادة الحياة إلى منازلنا ومؤسساتنا وشبكاتنا الرئيسية دون أن نلمح عمانيا بينهم إلا في حالات استثنائية، قد يكون سائق الحافلة أو السيارة التي تقلهم أو المدير التنفيذي في الوزارة والجهة الحكومية جاء فقط للاطمئنان والإشراف، ما يعني أن أسرار هذه القطاعات ومخططاتها في يد غير العمانيين، بل إن العمانيين غير ملمين شيئا بشأنها أو أنهم لم يمكنوا من الإحاطة بها لخلل في السياسات والقرارات التعليمية والتأهيلية والمهام الوظيفية، كما أن تخطيط وهندسة العمارة بشكل عام كلها صممت ونفذت على يد العنصر الأجنبي مهندسا ومشرفا وعاملا ومصمما، وبالتالي فإن أسرارها ومواقعها وصيانتها ومكوناتها وآلية عملها لا يتقنها ولا يعلم عنها شيئا إلا هذا الأجنبي، وفي العديد من المباني والمواقع المهمة تحمل الحافلات الكبيرة مئات الموظفين والعمال الذين يقومون بالصيانة والتنظيف، وهكذا هو الحال للكثير من الأنشطة والمجالات الاقتصادية والصناعية والزراعية والسمكية، ففي معظم القرى والمزارع والحلل والمنازل القديمة تشاهد العين عشرات الأجانب يقيمون ويتجولون ويعملون دون أن تلمح عمانيا واحدا، وفي البيوت تظل العاملات لساعات طويلة مع الأطفال تلقنهم عادات وثقافات وأساليب تربية دخيلة على المجتمع، ولو عددنا الصور والمشاهد فلن يكفيها مقال ـ نعم يؤرق الكثير من العمانيين هذا الاعتماد الواسع على العنصر الأجنبي في كل مفصل من مفاصل الحياة ـ وفي كل عمل ووظيفة ومهنة بما فيها الصناعات الحرفية والتقليدية التي ورثها العماني، وتشكل جزءا أساسيا من ثقافته وتاريخه وموروثاته كصناعة الخناجر والحلوى العمانية، وصيد السمك، والعمل والإشراف على النخيل والمزارع والأفلاج، واستثمارها بأساليب وطرق تعرضها لاستغلال وممارسات بغرض الكسب السريع تشوه قيمتها ووجهها الحضاري… في ظل تلك المشاهد والصور المؤلمة فإننا في المقابل نغط في نوم عميق، إذ يكفينا فرحا أن الأوضاع طيبة والحياة هنيئة والعجلة تسير وإن كانت بيد غيرنا، وما يؤرقنا أكثر من ذلك أن جهات الاختصاص ـ وكما يظهر من المشهد ـ لا تمتلك خطة واضحة للتعامل مع الأعداد الكبيرة من الباحثين عن عمل الذين ترتفع أعدادهم سنة إثر أخرى، بدليل أن هذه الجهات لا تحرك ساكنا ولا تتخذ قرارا، ولا تقر سياسات واضحة ومعلنة أمام المجتمع للاستيعاب إلا بعد أن يمارس الباحثون عن عمل ضغوطا كبيرة عليها، وبعد أن يصل الأمر إلى ولي الأمر فيصدر توجيهاته السامية بضرورة استيعاب أكبر قدر من الشباب في مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص، فتأتي المعالجات سريعة ومرتجلة ومضرة بسوق العمل والباحثين والقطاعين العام والخاص وباقتصادنا الوطني بشكل عام، وقد قدمنا بشأنها قراءات في أكثر من مقال منذ العام 2011م، وحتى الآن، وظهرت سلبياتها بشكل كبير على المشهد الوطني وهو ما طرحه الكثير من الخبراء والمختصين وتضمنته تقارير المؤسسات المحلية والعالمية. فهل نحن بحاجة إلى قراءة دراسات المجلس الاستشاري وتوصياته من جديد وعلى هدي من تطورات الحاضر والمستجدات التي طرأت على المشهد وتحدياته؟ لقد تنبه المجلس الاستشاري للدولة قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف لهذا الملف المهم والحساس، فأعد دراساته وتوصياته من أجل أن يقتحم العماني جميع مجالات العمل، ويشرف بنفسه على تجارته ومشاريعه وأملاكه، وأن يصبح الفاعل في مختلف الحقول والمجالات والقطاعات، (تعمين الوظائف في القطاع الخاص ـ وضع أسس جديدة لتعمين الوظائف في القطاعين الحكومي والأهلي ـ الوسائل العلمية والعملية لبرامج التعمين في السلطنة)، أهم ثلاث دراسات رفعت إلى المقام السامي، في الدراسة الأولى تم التأكيد على أن (المسار الصحيح لعمليات تأهيل العمالة الوطنية يستلزم إعادة النظر في سياسات التعليم والتدريب المهني بهدف تطويرها بما يلبي احتياجات خطط التنمية من العناصر البشرية المؤهلة والمدربة)، وهي ذاتها الرؤية التي تصبغ اليوم مناقشاتنا وأفكارنا التي نطرحها أوصى بها المجلس الاستشاري للدولة في (أكتوبر 1987م)، وقد تضمنت هذه الدراسة رؤية متكاملة لتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية العاملة في القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة التعليم الفني، وتحفيز القطاع الخاص للمساهمة في سياسات التعمين … الدراسة الأخرى التي أقرها المجلس في أكتوبر 1988م، تناولت توصياتها أهمية ضمان (تحقيق التوازن في عملية توزيع العمالة الوطنية بين القطاعين الحكومي والأهلي وأهمية إجراء الإحصاء السكاني الشامل كمرجع لتخطيط القوى العاملة واستحداث المنافذ التعليمية لإعداد كوادر وطنية في مختلف التخصصات المهنية والحرفية، وتعريب الإدارة في القطاع الخاص بقدر المستطاع لتشجيع العمالة الوطنية على مزيد من المساهمة في عجلة الإنتاج الوطني…)، الدراسة الثالثة تضمنت استراتيجية متكاملة لتحقيق سياسات التعمين وتمكين القطاعات الخاصة من استيعاب مخرجات التعليم وتنظيم سوق العمل، تفرعت عنها عدة محاور رئيسية من أهمها: سياسات التعمين والتخطيط الشامل لقضايا العمالة الوطنية ـ تأهيل وتدريب العمالة الوطنية ـ قضايا التوظيف وضمان استقرار العمالة الوطنية بالقطاع الخاص ـ برامج التعمين ووسائله العلمية والعملية… وتضمن كل محور من تلك المحاور عرضا شاملا وتحليلا دقيقا للأوضاع وتوصيات وحلول لمعالجة الموضوع على المديين المتوسط والبعيد، وأخذت في الاعتبار الحقوق المعاشية للعاملين العمانيين بالقطاع الخاص، تكريم المؤسسات التي تسهم في تطبيق سياسات التعمين، التوعية الشاملة، إنشاء هيئة إدارية مستقلة للتعليم الفني والتخصصي والتدريب المهني، إعداد خطط وإنشاء معاهد متخصصة وبعثات تدريبية وآليات عمل دقيقة لإنجاح التدريب والتأهيل، وتوفير أجواء عمل ملائمة تكفل استقرار العمالة الوطنية بالقطاع الخاص، تطبيق سياسات التعمين على شكل قطاعات وتطوير التشريعات والقوانين والنظم ذات العلاقة بتمكين الكوادر العمانية من العمل في القطاعات الاقتصادية… فأين تلك الدراسات القيمة وما تضمنته من معالجات وتوصيات عميقة استشرفت المستقبل بجلاء، عن واقع هذا الملف المهم والحساس الذي يزداد تعقيدا وتأزما؟ في جهد آخر وإنجاز كبير وبناء على تكليف من لدن المقام السامي، عقدت في مقر المجلس الاستشاري للدولة، خلال الفترة من 21 – 26 يناير 1989م، ندوة حول مسار التعمين في القطاعين الحكومي والخاص، استهدفت الندوة (دراسة واقع ومستقبل العمالة الوطنية ووسائل إحلالها في كافة مجالات الإنتاج الحكومية والأهلية، وذلك على ضوء المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية). شارك فيها إلى جانب أعضاء المجلس عدد كبير من المسؤولين في الوحدات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص ونخبة من الشخصيات، وبلغ عدد البحوث المطروحة اثني عشر بحثا وثماني أوراق عمل. وقد أقرت الندوة مجموعة كبيرة من التوصيات شملت (السياسات العامة للتعمين وأطر سياسات التعليم والتدريب المهني، ووسائل تشجيع القطاع الخاص في إحلال العمالة الوطنية ومجالات تنشيط الاقتصاد الوطني بهدف زيادة فرص العمل للمواطنين وإعداد برامج توعوية…). هل يجوز بعد هذه الجهود والدراسات والندوات المتخصصة والمعالجات والأفكار والتوصيات المرفوعة أن تكون لدينا أزمة باحثين عن عمل في ظل أكثر من مليوني وافد يستوعبهم سوق العمل، وأن يظل اقتصادنا ضعيفا ومعتمدا على مورد واحد، وأن نعاني من ظاهرة التجارة المستترة وإشكالات في قطاع التعليم؟ … إن الخلل دون شك في التنفيذ والتخطيط وإلا فإن الأفكار والرؤى والتوصيات والدراسات تزدحم بها الملفات والأدراج والأرفف.

إلى الأعلى