الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لا تعقيد في الأمر

لا تعقيد في الأمر

أما الضرب في العراق فلأسباب عديدة عملية ومعروفة، فالأميركيون لديهم مسؤولية مباشرة عما جرى ويجري لهذا البلد منذ غزوه واحتلاله قبل أكثر من عقد من الزمان. ثم إن العراق يعتبر “نموذجا مصغرا” للمنطقة في سياق التغيير المتوقع في تركيبتها. فبه تباينات عرقية وطائفية كافية ودولة مركزية منهارة وجوار متباين أيضا. وكمن يعمل في مختبر ويزرع عينة في “طبق بيتري” ويحاول استبعاد أي جراثيم غير مرغوبة قد تضر بالمزرعة الخلوية..

هناك حيرة واضطراب لدى الكثيرين مع محاولة فهم ما يجري في المنطقة، خاصة وأن الأمور تبدو معقدة بشكل يستعصي على الاستيعاب. طبعا لا يعني القول بأنه “لا تعقيد في الأمر” أن ما يجري في الآونة الأخيرة منطقي تماما ويتسق مع توقعات عادية نتيجة مقدمات تؤدي إليها. كما أن أي تحليل أو تفسير لما يجري لا يمكنه ادعاء الحكمة والإحاطة بكل جوانب المواقف والسياسات التي يعلن عنها رسميا أو تلك التي يتداولها الناس على أساس “نظرية المؤامرة”. فحتى تفسير المؤامرة، الذي غالبا ما يسهل على الناس تفسير الأمور المعقدة، يقف حائرا أحيانا أمام بعض المواقف والسياسات المعلنة في المنطقة مؤخرا.
أكثر ما يحير هو ذلك التحالف الواسع لمحاربة ما تسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام، والذي يضم مترددين ومتحمسين لضرب المسلحين المتطرفين وما أعلنته الولايات المتحدة من استراتيجية “هلامية” تستمر سنوات وتتضمن الضرب وتجفيف المنابع و”تحسين صورة الإسلام”. تلك الخطة التي جعلت كثيرين يتندرون بأن “الحرب على داعش مستمرة طالما استمر التمويل من أصدقاء الغرب”. وليس في الأمر مبالغة، فالأوروبيون يقولون عن الأميركيين “بنادق للإيجار”، لكن الفرنسيين تجاوزوا الأميركيين في هذا، فهم على استعداد للانتقال من النقيض إلى النقيض مقابل التمويل السخي، ونفاقهم لما يدعون من مبدئية وشعارات براقة يفوق الحدود. لكن من السذاجة تصور أن الأمر يقتصر على التمويل، فالحرب على داعش لا تقل أهمية عن الحرب على القاعدة والجماعات الأخرى التي ترتبط بها أو تحذو حذوها من بوكو حرام في نيجيريا والشباب في الصومال إلى داعش وأنصار الشريعة وغيرها.
أغلب الدول المشاركة في التحالف لها علاقة بداعش وأمثالها وروافدها، إما بتبرعات منها لتمويل التنظيم وغيره من جماعات الإرهاب المتلحفة بالدين أو بمجندين من أبنائها يسافرون إلى سوريا والعراق. وأخذا بأحدث الأرقام الغربية، فإن ما يقرب من نصف مقاتلي داعش هم متطوعون يحملون جنسيات غربية والنصف الآخر أغلبه من مقاتلين عرب وبعض العجم من غير أوروبا. والمعروف أن تلك الدول ـ خاصة دول أوروبا الغربية الرئيسية كفرنسا وبريطانيا ـ بها أعتى أجهزة الأمن والمخابرات ويصعب على المرء تخيل أن كل هؤلاء مروا من “تحت رادارات” الأجهزة. وحتى لو حدث ذلك، فأغلبهم وصل إلى مناطق داعش والنصرة عن طريق تركيا التي تنسق أمنيا بكثافة مع دول الغرب ليس بحكم عضويتها لحلف شمال الأطلسي (ناتو) فحسب ولكن أيضا لتطلعها لأن تكون “دولة أوروبية”.
لكن لنترك هذا كله، ومقارنته بتكوين “المجاهدين الأفغان العرب” بأموال عربية ورعاية من المخابرات الأميركية، ونعود لما يحير والأسئلة المباشرة: لماذا محاربة المتطرفين في العراق، رغم أنهم ناشطون في سوريا ـ وأحيانا بدعم دول التحالف ضد داعش ـ منذ مدة؟ كيف تستبعد إيران، بكل علاقاتها في العراق وسوريا، من تحالف يحارب الإرهاب؟ كيف يدعم الغرب الإخوان ويؤوي قياداتهم ويسعى لتعزيز دورهم كمعتدلين مقابل المتطرفين، وفي الوقت نفسه يعارض الإخوان الحرب على داعش؟ هل يتسق هذا الموقف الأميركي مع ما يبدو من سياسة “فك ارتباط” تتبعها منذ سنوات؟ هناك بالطبع إجابات مباشرة على هذه الأسئلة وغيرها، ولكنها قد تزيد الحيرة في بعض الأحيان أكثر مما تفسر وتزيل اللبس والتعقيد. وهناك إجابات لا تأخذ في الاعتبار كل ما يعلن من السياسيين على وجه الحقيقة ـ كما هو الحال في أغلب الأحيان ـ وتعتمد على الاستدلال بحسابات المصالح والتجارب والتاريخ.
أما الضرب في العراق فلأسباب عديدة عملية ومعروفة، فالأميركيون لديهم مسؤولية مباشرة عما جرى ويجري لهذا البلد منذ غزوه واحتلاله قبل أكثر من عقد من الزمان. ثم إن العراق يعتبر “نموذجا مصغرا” للمنطقة في سياق التغيير المتوقع في تركيبتها. فبه تباينات عرقية وطائفية كافية ودولة مركزية منهارة وجوار متباين أيضا. وكمن يعمل في مختبر ويزرع عينة في “طبق بيتري” ويحاول استبعاد أي جراثيم غير مرغوبة قد تضر بالمزرعة الخلوية، يريد الأميركيون والبريطانيون تنقية “التجربة” العراقية من “خلايا غريبة تطورت في عملية الزراعة”. ومثل التاجر الشاطر الذي يعزز أرباحه دوما، يمكن للأميركيين والبريطانيين والفرنسيين ضرب أكثر من عصفور بحجر “داعش” وتعظيم غنائم الصيد. أما في سوريا، فلتبقَ مخلفات داعش والجماعات الأخرى بغرض مواجهة النظام ولتظل ذخيرة للغرب إن أراد مجددا تحقيق مكاسب من مواجهة “الإرهاب الإسلامي”.
المشكلة مع إيران أنها لا ترغب في “اللعب الصغير” وتريد مقايضات مباشرة يصعب على الغرب الإقرار بها لحرصه على أن يكسب “كل شيء كل الوقت”. وفي التفاصيل أنه قد يصعب إدخال دول عربية كثيرة في التحالف لو كانت فيه إيران، وأغلب تلك الدول “يدفع” في تكاليف الحملة، أما إيران فلا تدفع شيئا إلا بمقابل واضح ومباشر، وعوامل أخرى عديدة يضاف إليها ما يعلن في التصريحات الرسمية. لكن الأساس هو أن الغرب لا يريد “يساومه” بل يريد من يمكن أن يتعامل معه بطريقة “حسنة وأنا سيدك”. ومعنى “فك الارتباط” الأميركي هو استمرار إدارة مصالحها بطريقة أخرى، لكن ذلك قد يتطلب نشاطا فعالا مباشرا أحيانا ضمن الاستراتيجية ذاتها. ويبقى موضوع الإخوان الذي يحتاج إلى مساحة أخرى.

د. أيمن مصطفى
كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى