السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الكهرباء لا تنقطع عن “مارينا”

الكهرباء لا تنقطع عن “مارينا”

محمد عبد الصادق

لا ندعو للتأميم أو مصادرة الثروات ولكن على الأقل لا بد أن يتحمل الأغنياء العبء الأكبر من فاتورة التحول الاقتصادي الذي تعيشه مصر حاليا, فلا يستقيم أن يتحمل الفقير مقدار ما يتحمله الغني في فاتورة الدعم ورفع أسعار الكهرباء والمحروقات, ولا بد من تطبيق الضريبة التصاعدية على القادرين, وأخذ حق الدولة بأثر رجعي ممن حصل على أراضٍ أو تسهيلات بغير حق, وتوجيه الحصيلة لدعم الصحة والتعليم والخدمات للفقراء.

لأسباب عائلية قدر لي قضاء أسبوعين في منتجع مارينا العلمين بالساحل الشمالي وهو لمن لا يعرفه عبارة عن عدة قرى سياحية تحمل نفس الاسم تقع في منتصف المسافة بين مدينتي الإسكندرية ومطروح على ساحل البحر المتوسط, ويخدمها طريق سريع يمتد من منتصف طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي حتى الطريق الساحلي المواجه لبواباتها الخارجية.
ويرجع الفضل في إنشاء هذا المنتجع للمهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان الأسبق في عهد السادات ومبارك, الذي كان مولعًا بالساحل الشمالي الغربي لمصر وقام في نهاية السبعينيات بإنشاء قريتي (مراقيا وماربيللا) السياحيتين واللتين لاقتا إقبالًا كبيرًا فقرر التوسع والاتجاه غربًا, وشرع في إقامة مارينا العلمين؛ حيث افتتحت في منتصف الثمانينات وشهدت توسعاتها في عهد خلفه الوزير محمد إبراهيم سليمان ـ المتهم حاليًّا في قضايا فساد عصر مبارك ـ وتعددت المارينات حتى وصلت لسبع قرى سياحية تتخللها بحيرات صناعية وجزر غناء ترتبط باليابسة بعشرات الجسور والأعمال الصناعية المتعددة, وتبلغ التكلفة الاستثمارية لمارينا حوالي 45 مليار دولار.
وما يميز مارينا اعتدال جوها صيفًا وكثرة الحدائق والمسطحات الخضراء ووجود حواجز للأمواج تروض أمواج البحر وتصنع خلجانًا هادئة تجعل السباحة في مياهها متعة لا تقاوم, وتطل القصور والفيلات ذات الطرز المعمارية الفريدة على البحر والبحيرة, وكل مارينا زودت بمرسى لليخوت لإيواء (لانشات ويخوت) الملاك به خدمات الصيانة والتزود بالوقود؛ مما يجعل مارينا في رأي الكثيرين تتفوق على مثيلاتها في إسبانيا وجنوب إيطاليا وتضاهي الريفيرا الفرنسية.
وصادف وجودي في مارينا حدوث أزمة كبيرة في الكهرباء بمصر لم ينج منها أحد في القاهرة أو المحافظات، ولكن الكهرباء لم تنقطع عن مارينا بفضل وجود محطة لتغذيتها بالكهرباء وأنبوب مياه عذب, ومحطة صرف صحي, وفي الوقت الذي يشكو سكان الإسكندرية ومطروح من مشكلة مياه الشرب صيفًا, تجد مضخات المياه في مارينا تتوسط الحدائق والمساحات الخضراء لريها ليل/نهار.
ويرجع الفضل لهذا المستوى الراقي من المرافق والخدمات لمجلس الأمناء الذي تم تكوينه لإدارة المنتجع نيابة عن الملاك وكان يرأسه آخر رئيس وزراء في عهد مبارك الفريق أحمد شفيق وأعضاؤه من الوزراء وكبار رجال الشرطة والجيش والقضاء, واستطاعوا تأمين خدمات الأمن والحراسة والنظافة وصيانة الأبنية والحدائق, فضلًا عن وضع لائحة صارمة لمواجهة التعديات أو الخروج على النسق المعماري وفرض غرامات باهظة على من يخالف النظام أو لا يلتزم بمعايير النظافة أو يقلق راحة السكان, ولا يسمح بدخول مارينا إلا للملاك أو المستأجرين حاملي البطاقات أو بمقابل مادي معتبر للزائرين وما زالت مارينا محافظة على مستواها رغم الفوضى التي اجتاحت مصر بعد قيام الثورة بفضل تعاون الملاك الذين ضاعفوا المبالغ السنوية التي يدفعونها لجهاز المدينة لرفع كفاءة خدمات الأمن والنظافة, ورغم ذلك فبعض سكان مارينا يتبرمون من تراجع مستوى مارينا وزحف الغرباء, وبعضهم أخبرني بأنه قرر الاتجاه غربا إلى (مراسي وهايسندا) وهما قريتان سياحيتان جديدتان يسكنهما أبناء الصفوة ويصل سعر الفيللا فيهما لـ40 مليون جنيه مصري (6 ملايين دولار أميركي).
ويواجه مارينا من الجهة الجنوبية مدينة العلمين وهي عبارة عن شارع رئيسي يغص بالمتاجر والمخابز والمطاعم والمقاهي الشعبية, ويقصده زوار مارينا من أمثالي ـ الذين لا يقدرون على الأسعار داخل مارينا ـ طلبًا للسعر الأقل؛ وهناك التقيت بصاحب أحد المحلات التجارية, وهو من بدو الصحراء الغربية أو (عرب مطروح) كما يطلق عليهم بزيه المميز المشابه للزي الليبي, وسألته عن السر في عدم تعرض مارينا لأعمال سلب ونهب إبان ثورة يناير 2011م رغم قربها من سجن وادي النطرون وإحاطة البدو بها من كل جانب ـ وهم المتهمون باقتحام السجون وأقسام الشرطة وسرقة السيارات ـ وكان رد الرجل: من الذي قال لك إن مارينا لم تتعرض لمحاولات الاقتحام في ثورة يناير, لقد جاء بعض البلاطجة والخارجين على القانون وحاولوا اقتحام بوابات مارينا, ولكن سكان العلمين والحمام هبوا لمساعدة رجال الأمن الذين أغلقوا البوابات من الداخل وتصدينا لهم من الخارج حتى حضرت قوات الجيش التابعة للمنطقة الغربية وأمنت الموقف. وسألته: وما الذي دعاكم لتعريض أنفسكم للخطر للدفاع عن مكان أنتم تعلمون أن ملاكه فيهم كثيرون من رجال مبارك الفاسدين؟ رد الرجل: هذا أمر لا يعنينا, الذي جعلنا ندافع عن المكان هو (لقمة العيش), فنصف العاملين في مارينا من أبناء العلمين والحمام, فضلًا عن الرواج الذي أحدثته مارينا لأبناء المنطقة الذين يتعيشون طوال العام من الأرباح التي يجنونها من التجارة وتقديم الخدمات للسكان الميسورين الذين يدفعون بسخاء خلال شهور الصيف, بجانب أن وجود مارينا كان سبب السعد لنا حيث رفع قيمة الأرض التي نضع أيدينا عليها على طول الساحل وتحول بسببها كثير من البدو لمليونيرات.
حسنًا فعل السيسي باستحداث محافظة العلمين وضم مارينا إليها وأعلن نيته تحويل مارينا لمنطقة جذب سياحي طوال العام بدلًا من اقتصار النشاط على أشهر الصيف فقط, رغم توفر المرافق والخدمات السياحية.
ورغم مرور مئة يوم على توليه الحكم في مصر, لم يفصح السيسي حتى الآن عن انحيازاته الاقتصادية والاجتماعية, ولا عن موقفه من أباطرة عصر مبارك الذين خرجوا من موقعة الثورة فائزين, ومن لم يفز لم يفقد شيئا مما حصل عليه في الماضي، سواء بالحلال والقانون أو المحسوبية والفساد والرشوة, حتى أنني فوجئت بعودة الحياة لقصور رموز (الفساد المباركي) الذين لهم قصر في كل مارينا يطل على البحر, ورأيت الألعاب النارية (الفاير ووركس) تتصاعد من قصر أحد المسؤولين السابقين الذي أفرج عنه مؤخرًا بكفالة كبيرة على ذمة قضية فساد.
نعم خلق الله البشر طبقات, والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي موجود في كل الدول والمجتمعات, ولكن ليس بالشكل الموجود في مصر؛ فالأقلية الغنية التي تسكن مارينا والساحل الشمالي تمتلك (شاليهات) في العين السخنة وشرم الشيخ والغردقة, وتحولت أماكن سكن الأغنياء في القاهرة إلى “كانتونات” أو (كومباوندات) تحيطها الأسوار العالية وأبراج الحراسة وكاميرات المراقبة وعليها بوابات يقف عليها حراس أشداء (بودي جاردات) لمنع العشوائيين من الاقتراب لأماكن إقامة الطبقة الراقية ساكني القصور التي تطل على برك السباحة والحدائق التي جلبوا لها النخيل من إسبانيا والأشجار الاستوائية من إفريقيا, ولا مانع من اقتناء النعام والطاووس والحيوانات المدللة بعيدًا عن أعين الفضوليين والمتلصصين والحرافيش في وضع أشبه بالفصل العنصري الذي ساد جنوب إفريقيا قبل الاستقلال.
لا ندعو للتأميم أو مصادرة الثروات ولكن على الأقل لا بد أن يتحمل الأغنياء العبء الأكبر من فاتورة التحول الاقتصادي الذي تعيشه مصر حاليا, فلا يستقيم أن يتحمل الفقير مقدار ما يتحمله الغني في فاتورة الدعم ورفع أسعار الكهرباء والمحروقات, ولا بد من تطبيق الضريبة التصاعدية على القادرين, وأخذ حق الدولة بأثر رجعي ممن حصل على أراضٍ أو تسهيلات بغير حق, وتوجيه الحصيلة لدعم الصحة والتعليم والخدمات للفقراء.
لا بد للنسيج الاجتماعي المصري أن يتجانس وتقل الفروق الطبقية لتصل للمستوى المعقول, لمصلحة الأغنياء والفقراء معًا, حتى يقل الاحتقان ويختفي الحقد الطبقي الذي كاد يتحول لقنبلة موقوتة تهدد الجميع, ولن يحدث ذلك إلاّ من خلال إرادة سياسية قادرة تنحاز للطرف الأضعف وهم الفقراء (السواد الأعظم من الشعب المصري) وتقف في وجه الفساد واحتكار الثروة والسلطة؛ حتى لا نعيد إنتاج عصر مبارك ـ الذي ثار عليه الشعب ـ من جديد.
ويستطيع السيسي بما يملكه من مقومات القيادة (الكاريزما) والشعبية العريضة إحداث هذا التحول الاجتماعي, وإعادة التوازن ولو نسبيًّا بين المصريين, حتى يعود الاستقرار الحقيقي وتلتئم اللحمة الوطنية كما كانت في الخمسينات والستينات ويتوحد الجميع حول رؤية ومشروع وطني حقيقي, ينتشل مصر من مستنقع الفقر والجهل والمرض لتتبوأ المكانة التي تليق بشعب عانى وضحى وتحمل طويلًا أملًا في حياة كريمة ومستقبل أفضل.

إلى الأعلى