الإثنين 24 يونيو 2019 م - ٢٠ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محمد الحضرمي يتأمل في محاريب المساجد العمانية في كتابه الجديد
محمد الحضرمي يتأمل في محاريب المساجد العمانية في كتابه الجديد

محمد الحضرمي يتأمل في محاريب المساجد العمانية في كتابه الجديد

بحث عن منابع النور وسط جمالها

مسقط ـ “العمانية” :
تخفي الجدران أحاديث كثيرة لا يسمعها إلا من امتلك حسا مرهفا تجاه تفاصيل الجمال، وتجاه الزمان والمكان.. وأحاديث الجدران تصبح أكثر أهمية وأكثر أسرارا كلما كانت الجدران عتيقة تماهت مع الزمن، وسمعت أفراحه وأتراحه، وسمعت حكايات الشكوى والشوق، وكانت شاهدة على انهمار الدموع خوفا وورعا وشوقا للقاء محبوب. ويبدو أن الصحفي والكاتب محمد بن سليمان الحضرمي من أولئك القلة الذين يمتلكون حساسية مفرطة تجاه الجدران القديمة، وهو ما نستنتجه بسهولة عندما نتصفح إصداره الجديد “وحي المحاريب.. تأملات في المساجد العمانية المزدانة بالزخارف الجصية”، الصادر حديثا عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء ودار مسعى، وهو كتاب بحثي توثيقي عن المحاريب الجصية في المساجد العمانية، ولكنه في الوقت نفسه أيضا كتاب تأملي، يحضر فيه حس الحضرمي وحساسيته تجاه الأشياء بشكل واضح جدا.
فالحضرمي في كتابه لا يكتفي بالبحث عن السياق التاريخي، ولكنه بعد أن يصغي لكلمات التاريخ يفتح عينيه على آخرهما، ليستطيع استيعاب النور المنبثق من بين ثنايا المحاريب والمساجد القديمة، فيدخل في حالة هيام مع المكان ومع جماله، ويبدأ رحلة تأمله الذاتية، ثم نراه يشد الرحال باتجاه مساجد العبّاد، وهي مساجد ربما تنفرد بها عمان، حيث تقام في أماكن قصيَّة من المدن والقرى، يختلي فيها العباد بربه ويبثونه شوقهم للقياه، فيرصد صدى الشوق الذي كان في تلك المساجد للقاء الله سبحانه وتعالى، كما يحاول أن يمسك بقطرات الدمع التي تتساقط من خشية الله ومن شدة الوجد تجاهه.
وذلك يحضر بين صفحات الكتاب محمد الحضرمي الكاتب والصحفي ويحضر محمد الحضرمي الأديب صاحب الحس المرهف.
يترحل الحضرمي في كتابه بين أكثر من 30 مسجدا في مختلف مدن عمان وقراها القديمة، هدفه الأول تأمل المحاريب، لكن من خلال ذلك يستقرئ كلام التاريخ، ويبحث عن أسرار فن النقش في عمان، وأنماط الزخارف ودلالاتها، ويقرأ أدب الجدران من أبيات شعرية، ومن حكم ومن مختلف فنون الكتابة، التي أغرت النقاشين على خطها على جدران المساجد ومحاريبها.
الكتاب الذي يقع في 200 صفحة جدير بالقراءة والتأمل، فهو رحلة ليست في المحاريب ومنابع النور المحيط بها، ولكنه رحلة في التاريخ وفي الجمال وعبقرية الهندسة والنقوش الجمالية ، وبهذا المعنى سيكون كتاب “الحضرمي” بين الكتب القليلة التي ناقشت جماليات المحاريب من ناحية تاريخية ومن ناحية تأملية، بحثا عن عمق الجمال ولذته.

إلى الأعلى