الإثنين 24 يونيو 2019 م - ٢٠ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عن المثقفين المزيفين وتصنيع الإعلام لهم (2-2)

عن المثقفين المزيفين وتصنيع الإعلام لهم (2-2)

كاظم الموسوي

هؤلاء بعض النماذج، هم: الكسندر ادلر، كارولين فوريست، محمد سيفاوي، تيريز بلبش، فريدريك انسل، فرانسوا هزبورج، فيليب فال، برنارد هنري ليفي. ويجادل كل واحد بفصل خاص به. مبينا برأيه… لماذا أصبح هذا المثقف مزيفا؟!
الكسندر آدلر كاتب مرموق، “قاص رائع” يتمتع بموهبة مدهشة تجعله يملك القدرة على الكلام والتطرق ببراعة إلى الشؤون الدولية كافة دون ملاحظات مكتوبة، هكذا كتب عنه، ولكنه يعاني من هياج الذاكرة، وإحراج مقابله أو المحاور معه، وهو يروي الأحداث وكأنه كان شاهدا مباشرا عليها. واعترف باسكال عن ادلر بأنه في الحقيقة موهبة حقيقية مضيعة، فذكاؤه وذاكرته وإمكاناته، كان من الممكن أن تصنع منه أحد أكبر مثقفي عصرنا. ليته فقط أحاط مواهبه الهائلة بقدر أكبر من النزاهة ومن الدقة (ص78). ولكن كيف يستفيد من كل ذلك في الصعود إعلاميا؟! ومثله بهذا الذكاء يعرف من أين تؤكل الكتف، كما يقال في المثل العربي.
أما كارولين فوريست، فسجل عنها، أنها امرأة شابة علمانية ويسارية تتصدى بعنف لأولئك الذين يهاجمون بوش وشارون دون أن تدافع عنهما علنا. واصفة المهاجمين بالحمقى المفيدين للإسلام المتطرف. وهي تقود معركتها بالطبع باسم العلمانية والدفاع عن حقوق النساء والأقليات الجنسية، وفي اللحظة نفسها تمتطي معركة أخرى توافقية، محاربة اللاسامية، العنوان المقبول إعلاميا، والمرشحة دائما للمشاركة في البرامج التي تتناول موضوع “التطرف الإسلامي” الذي يهدد اليهود وإسرائيل أيضا. (ص80). أضاف عنها أنها نالت جائزة الكتاب السياسي على كتابها “إغواء الظلامية”، وبعد استضافتها في برنامج شارلي ابدو الأسبوعي، ارتفعت أسهمها، فوظفت في لوموند، وفرانس 24، وفرانس كولتور، وفرانس انتر. ووظائف أخرى لا تعين فيها بشهادتها الجامعية وحدها. أي أنها استفادت من زيفها في التوظيف الزائف أو المتحكم فيه الزيف السائد.
وتأتي أهمية محمد سيفاوي، في المقدمة التي وضعها لكتاب كلود مونيكيه، “غزة الكذبة الكبرى”، كتب: “أصر على القول، بوضوح ودون مواربة، بأنني، في الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس، أؤيد الجيش الإسرائيلي في صراعه المشروع ضد هذه المنظمة الإرهابية التي تحركها تلك الأيديولوجية الفاشية التي هي نظرية الإخوان المسلمين. وسأعبر عن أسباب هذا الموقف بأوضح ما يمكن: أنا مسلم، ديمقراطي وعلماني، أنتمي إلى اليسار، ومنفتح جدا للقضية الفلسطينية، وفوق ذلك شديد التمسك بحق هذا الشعب في أن يكون له دولة سيدة، حرة ومعاصرة، ديمقراطية ومزدهرة”. بهذا النص وضح بونيفاس موقفه من سيفاوي، الذي استخدم ما ذكر في الصعود الإعلامي والترويج للزيف الذي يسود وسائل الإعلام عموما. كونه عربيا ومسلما ينتقد الإسلام ويدافع عن إسرائيل!
وتستغل تيريز دلبش منصبها الرسمي في وكالة الطاقة الذرية الدولية في كتاباتها إضافة إلى أعمال أخرى في ترويج السياسات اليمينية، خصوصا فيما يتعلق بدعم الموقف الأميركي من الطاقة النووية الإيرانية. وسجل المؤلف عنها، بعد تبريرها لحرب العراق بموجب وجود أسلحة لم تكن موجودة، تحث تيريزا دلبش على إنزال ضربات بإيران. التي تزعم أنها تقترب منذ سنوات من امتلاك السلاح الذري. ولكن بما أنها تحسن التعبير عن نفسها بقوة، وبما أن وضعها يفترض توفر معارف حقيقية لديها، فإن أحدا لا يعترض عليها، ولا يجرؤ أحد أن يذكرها بأخطائها السابقة، تستطيع “خبيرتنا” الاستمرار في تقديم حملاتها الغربية باعتبارها تستند إلى ملاحظة الوقائع لا إلى قناعات أيديولوجية قابلة للنقاش. والحال أبعد من أن يكون كذلك. (ص107).
فريدريك انسل، رجل ذو نفوذ، هكذا عنون المؤلف الفصل، وواصل القول عنه إن انسل دائم الاستشهاد بمعلمه فلاديمير جابوتنسكي، وكان قائدا للمنظمة المتطرفة بيتار، ويتستر عليها، وبالمقابل يصيب بالدوار من كثرة الألقاب الجامعية التي يصفها والتي لا وجود لها في الواقع. ومع ذلك يقدم نفسه بوصفه خبيرا محايدا وموضوعيا في القضايا الاستراتيجية والمتعلقة بالشرق الأوسط دون أن يوجد من يراجعه في ذلك. ولا يتورع انسل عن تقديم نفسه بروفيسورا في حين أنه كان يحضر رسالة الدكتوراه حول القدس بإشراف ايف لاكوست لا أكثر (ص110).. وبمثل هذا الادعاء والقابلية عليه يتمتع انسل بفرصته في الإعلام الفرنسي وعرض الموقف الصهيوني المهيمن.
شكل فرانسوا هزبورج باعتباره دبلوماسيا بحكم التأهيل، جزءًا من الفريق الصغير الذي كان يعمل على قضايا الدفاع في الحزب الاشتراكي قبل 1981 ولديه قدرات فكرية كبيرة، استغلها في إبراز نفسه، حتى بعد خروجه من وزارة الدفاع وتحمل مسؤولية العمل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي مقره لندن، وله صلات قوية بالولايات المتحدة الأميركية. فبدأ في تسويق نفسه في انتقاد المواقف الفرنسية التقليدية على الصعيد الاستراتيجي. ولخص أخيرا المؤلف موقفه من الخبير الذي بقي يردد أنه كانت توجد أسلحة دمار شامل في العراق مبررا حربا “وقائية” وراح بعد ذلك يدعو لشن عمليات عسكرية في إيران بهدف منعها من امتلاك السلاح النووي، خاتما رأيه بتساؤل: كيف نفسر أخطاء فرانسوا هزبورج؟ هل مجرد أخطاء في التنبؤ أم تشير إلى الرغبة في خداع الرأي العام، بشكل متعمد؟ (ص128). هذا “الخبير” يعرف اتجاهات الرياح الأميركية ويضع خبرته في خدمتها، ولهذا يوضع في واجهة الإعلام المتأمرك والمأجور.
وفيليب فال، الصحفي الغاضب والنصير الشرس للحرية والمعادي للسلطات القائمة، كما يقدمه أصدقاؤه، كان صحيحا في السابق، ولم يعد كذلك. ويرى المؤلف فيه أنه يحاول الاستفادة من هذه الصورة المنتمية إلى الماضي، في إخفاء ما آل إليه، من تحول إلى “عضو محكمة تفتيش يريد إقصاء ومطاردة الكفار الذين لا يشاركونه أفكاره، أو وهو الأسوأ، الذين تجرؤوا وأظهروا علنا مخالفتهم للعقيدة التي يدافع عنها”(ص129). ويعلق على ما كتبه على غلاف كتاب له، بأنه نوع من ابتذال المبتذل الذي لا يفتقر إلى الابتذال. ويشير إلى عزلته عن زملاء عمله وعن عدم كفاءته للمنصب الذي عين به. ويختم بونيفاس رأيه في فال، بأنه يعرف في أعماقه بأنه يدين بنجاحه لصفقاته الصغيرة على حساب النزاهة الفكرية.
وأنهى بونيفاس هذه النماذج بزعيم المزيفين، برنارد هنري ليفي، كما سماه كنموذج مثالي “المزيف” المطلق، ووحدة القياس النموذجية. الذي أبدع النموذج الأصلي وجعل منه مرجعية. بنى مسيرته على إدارة الأكاذيب دونما خجل. إلا أنه يقدم نفسه مع ذلك بوصفه النموذج المثالي للمثقف المؤثر في عالم الأفكار، والمخلص للقضايا الأكثر نبلا… ويضيف المؤلف: يعتبر ب هـ ل مثقفا ينير الحقائق للجمهور في حين أنه مضلل إعلامي، يعتبر شخصا عميق الالتزام بالأخلاق في حين أنه يجسد الوقاحة والاستخفاف. يعتبر مدافعا لا يلين عن الحرية في حين أنه مكارثي فتاك. يعتبر مناضلا عالميا في حين أنه فئوي ضار (ص143). هذه بعض صفات يستخلصها باسكال من حياة هذا النموذج، ويواصل تعريته من خلال ممارساته كمكارثي فرنسي، في محاربة الفكر ومهاجمة المفكرين، حتى القول “في الوقت المعاصر، لم أر أحدا أساء إلى الحياة الثقافية وإلى الجدل الديمقراطي، مثلما أساء ب ه ل. إنه بالنسبة لي بن علي عالم الميديا، هو مدلل بصدق أحيانا، وبتذلل في معظم الأحيان، من قبل من هم في السلطة، ومرفوض على نطاق واسع من قبل الرأي العام، ويحاول إسكات كل من يعارضه. وهو قيصر وسائل الإعلام كافة (ص153)، وملك التقليد، والوارث لثروة كفته البحث عن وسائل عيش كغيره، أضاف لها ارتباطاته الكثيرة والعميقة التي وفرت له أيضا مساحات أوسع مما يتصورها. ولا يمانع من ازدراء الوقائع لضرورات برهانه، كما كتب عنه بيير نورا. وآخر ما سجله المؤلف عنه، أنه “أول عملية غش قام بها هي حتما كونه أراد أن يكون فيلسوفا وأن يقدم بهذا اللقب، لكنه لم يدرس الفلسفة إطلاقا، وليست الفلسفة هي الشيء الذي يعيش منه” (ص157).
هؤلاء نماذج فقط حسب باسكال بونيفاس، كم واحد من أمثالهم لم يكتب عنه، وما خطورتهم على الثقافة والحوار والديمقراطية والتغيير؟ أسئلة كثيرة تبقى وتطلب الإجابة اليوم وغدا من أجل احترام الوعي والحقيقة والتاريخ والإنسانية.
(الكتاب من ترجمة روز مخلوف، نشر دار ورد، دمشق، ط(2013,1).

إلى الأعلى