الخميس 21 مارس 2019 م - ١٤ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / إلهان عمر وأوهام معاداة السامية

إلهان عمر وأوهام معاداة السامية

د. أسامة نورالدين:
شن الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحزب الجمهوري حملة شرسة على النائبة المسلمة في الكونجرس الأميركي إلهان عمر متهمين إياها بمعاداة السامية، وذلك بسبب تغريدات ألمحت فيها إلى أن منظمة (أيباك) الصهيونية تستخدم المال لدعم سياسات موالية لإسرائيل، وأن إسرائيل قد نومت العالم مغناطيسياً، ورغم اعتذار إلهان عن تلك التغريدات وأن الهدف منها لم يكن معاداة السامية بقدر ما كان التعبير عن الإشكالية التي تمثلها جماعات الضغط في الساحة السياسية الأميركية، سواء كانت “أيباك” أو الاتحاد القومي الأميركي للأسلحة، أو قطاع الوقود الأحفوري، إلا أن ترامب والحزب الجمهوري قد اعتبرا هذه غلطة لا يمكن السماح فيها، وأن أقل ما يمكن قبوله من النائبة المسلمة تقديم استقالتها من مجلس النواب الأميركي، وهو ما لا يمكن وصفه إلا بالعنصرية والمغالاة في دعم منتسبي المشروع الصهيوني في الولايات المتحدة في مقابل التنصل من قيم الحرية والتعبير والنقاش الديمقراطي الذي يعد إحدى أهم السمات التي ميزت أميركا عن غيرها من دول العالم.
ويعد مصطلح “معاداة السامية” كالسيف المسلط فوق رقاب كل من تسول له نفسه انتقاد إسرائيل ولو بكلمة، بما في ذلك جماعات السامية أنفسهم، فالسامية ليست حكرا على اليهود، وإنما تشير في حقيقة الأمر إلى الشعوب الساكنة في شبه الجزيرة العربية وفي بلاد النهرين، بالإضافة إلى سكان سوريا ولبنان وفلسطين، ولكن من صاغ هذا المصطلح قد جعله حكرا على اليهود.
وتم توظيف المصطلح لاستهداف كل من ينتقد إسرائيل وجرائمها وسياساتها العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، حيث تشن الحملات الإعلامية ضد المعادين للسامية حتى ولو كانوا يهودا ومن إسرائيل، وقد سبق وأن شنت الآلات الإعلامية الموالية لإسرائيل حملة شرسة ـ حسب موقع عرب 48 ـ ضد زعيم حزب العمال البريطاني، جيرمي كوربن، بسبب مناصرته للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، وانتقاداته اللاذعة لإسرائيل وسياساتها العنصرية في فلسطين.
ونجح اللوبي الصهيوني المنتشر في أميركا وأوروبا في الإطاحة بالصحفي الفرنسي نائب مدير عام إذاعة فرنسا الدولية “الآن مينارج” بسبب وصفه لإسرائيل بأنها دولة عنصرية، تمارس أبشع الجرائم الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة والضفة الغربية.
بل ووصل الأمر برئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” ـ حسب موقع رويترز ـ لأن يتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بمعاداة السامية، وذلك بعدما أرجع عباس الاضطهاد التاريخي لليهود لسلوكهم وقيامهم بالمعاملات الربوية مع الأوروبيين.
وفي الوقت الذي يفعل فيه الصهاينة كل هذا بدعم من الولايات المتحدة الأميركية التي أصدرت قانونا خلال فترة الرئيس جورج دبليو بوش لمعاقبة كل من يعادي السامية داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية، يتساءل البعض: “لماذا يكرهوننا؟” في إشارة إلى العرب والمسلمين، علما أن من يقارن ما حدث لليهود في مختلف دول العالم بما في ذلك “المحرقة” لا يقارن بما حدث ويحدث للشعب الفلسطيني المحاصر منذ ما يزيد عن عشر سنوات داخل قطاع غزة والضفة الغربية، ناهيك عن المجازر الصهيونية التي ارتكبت بحق الفلسطينيين العزل من حيفا إلى دير ياسين مرورا بالقدس، باب العمود، بلد الشيخ، الخصاص، دير ياسين، وصولا إلى المجزرة الأخيرة التي ارتكبتها إسرائيل ضد المدنيين العزل في قطاع غزة أواخر العام الماضي على خلفية مسيرات العودة، وتعبيرا عن رفض نقل السفارة الأميركية للقدس، والتي راح ضحيتها ما يزيد عن خمسين شهيدا.
إن على الولايات المتحدة ومؤسساتها المختلفة أن تضع معايير حقيقية لتحقيق العدالة الدولية، بعد أن فقدت سياسة الكيل بمكيالين بريقها، ولم تعد الشعوب العربية ولا الغربية تقبل بتلك الازدواجية التي تجرم معاداة السامية، في الوقت الذي تغض فيه الطرف عن المجازر والانتهاكات التي ترتكبها الحكومات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، وبعدما تسببت تلك السياسات في إثارة القلاقل والاضطرابات في المنطقة والعالم، فهلا تكف الولايات المتحدة عن موالاة الصهاينة واستخدام مصطلحاتهم العنصرية لتكميم الأفواه ومنع الأفراد من التعبير عن آرائهم إزاء الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، وذلك ليس من أجل الفلسطينيين ولا حقوقهم العادلة، وإنما من أجل الأمن والسلم الدوليين؟

كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى