الخميس 23 مايو 2019 م - ١٧ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مقاربة قوانين الطبيعة وقوانين البناء

مقاربة قوانين الطبيعة وقوانين البناء

علي عقلة عرسان

في الرياضيات والفيزياء، تقف القوانين والعلاقات الرقمية الدقيقة والمعادلات والنظريات، لتشكل بمجموعها بيئة منطقية متسعة متماسكة، لا يُسمح بمخالفتها أو نقضها إلَّا بعلم أعلى في السياق المنهجي ذاته، ولا يجوز تخطي ما رسّخته من أسس ومعطيات. ولذلك يبني اللاحق من العلماء على هدي السابق منهم، ويتجاوزه إذا نقضه بعلم؛ وتنمو المعارف والعلوم والتقنيات وتطبيقاتها، وتنتج عن ذلك النمو زيادة مذهلة في التطور التقني، والكشف العلمي، والتقدم في المنجزات الهائلة التي جعلت من العقل البشري عقلا معجزا، نتيجة ما حققه من إنجازات وريادات باهرة.
وقوانين الطبيعة هي أيضا قوانين بناء وتجدد وبقاء، تفرض نفسها على الكائنات، وتعاقب بقسوة لا نظير لها كل خروج عليها أو تجاهل لها، ويصطدم من يجافي منطقها بعقبات ترقى، في مجال تخطيها، إلى مستوى المستحيلات. وقد تمكِّن الإنسان في صراعه من أجل البقاء والتقدم، من تطويع الطبيعة ذاتها واستثمارها من خلال اكتشاف قوانينها والتعامل معها انطلاقا من أسس تعامل علمي مع تلك القوانين والعلاقات، وبمرونة وعزم وإصرار.. وكل مكسب وانتصار حققه الإنسان على الطبيعة كان نتيجة اكتشاف تلك العلاقات والقوانين والتعامل معها وتطبيقها واحترامها، ومتابعة البحث في خفاياها وفق المنطق الذي أوصلته إليه التجربة والممارسة والرؤية الحكيمة والرَّغبة في التجاوز، ضمن قوانين لا يضيق بها الإبداع.
وفي الحياة الاجتماعية وأوجه تنظيمها، وتسيير أمور الناس فيها، يضع الإنسان القوانين، مستفيدا مما رسخه غيره من بني الإنسان، عبر التجربة والممارسة والعلم والمعرفة البشرية، وضمن العلاقات والأعراف التي أنضجتها بيئة بشرية حية، تعيش معطيات وظروف عمل وتعامل.. ويحرص على وضع تقاليد وأعراف وقيم تحكم الأفعال والأشخاص والعلاقات، وترفع ما يمكن أن يصلُح أن يكون قدوة وأنموذجا يُحتذى، وما يحث على التقيد بالقانون الاجتماعي، وترسخ أسسا ومعايير لتمييز الجيد من السيئ والمجيد عن المسيء، فيكافئ المجيد ويرفع شأنه، ويعاقب المسيء ويسفِّه فعلَه ويخفض شأنه. وكل ذلك في سبيل رفع المثل الأحسن والقدوة الأفضل وترسيخ القوانين والقواعد السليمة وتطويرها، وتطبيقها باحترام يؤدي إلى نمو الخبرة الإنسانية وتثميرها، والاستفادة من منطق الحياة والطبيعة وتجارب الآخرين وخبراتهم. ومن هنا تنشأ أعراف وتقاليد عمل ومعايير يتواضع عليها الناس، ويعرضون عليها الأفعال والسلوك والأقوال والأشخاص والنجازات والنتائج.. وهكذا تتكون خمائر اجتماعية وريادات، “عقول وتجارب وحكم”، يكون لأولي الرأي والتجربة والحكمة والمعرفة فيها مكانة وقيمة وكلمة في مجتمعاتهم، ويكون مثل ذلك للمبرزين في مختلف الميادين، ميادين الخدمة والبِناء، التضحية والبطولة، السلوك الحسن والفعل البَنَّاء، وفي مجالات العلم والتقانة والإبداع، ويحتل الشخص القدوة مكانة خاصة بكفاءة وعن جدارة، ويكون له دور وتأثير واحترام وتقدير وكلمة مسموعة ورأي يؤخذ به، بناء على أسس ومعايير وعطاء ورأي موضوعي منصف وقدرة على الأداء بابتكار وإبداع.. هكذا تنتصب أمام الأجيال منارات يُقتدى بها، وتحرص السلطات في الدول والمجتمعات التي تعرف ما تريد، وتحسن السير في طريق الوصول إلى ما تريد.. تعرف كيف تطبق القواعد، وتضع الضوابط والأسس والمعايير السليمة التي تحكُم السلوك الشخصي للأفراد، وتجعلهم يلمَسون في كل مراحل حياتهم، وعند القيام بكل فعل، “سواء أكان سلبيا أم إيجابا”، ويقدرون قيمة جودة قواعد ومقاييس ومعايير دقيقة، ووجود مثل وأعراف وتقاليد إيجابية يحس بضرورتها الناس ويحترمونها، وبأهمية حيوية مجتمع يشعر بقيمة كل هذا، وبتأثيره على سلامة البنية الاجتماعية والازدهار، والتقدم الحضاري.. مجتمع فاعل، يردع من يستهين به وبمقومات القيم السليمة التي رسخها، ويضع كل شخص في المكانة التي تؤهله لها قدراته وأخلاقه وكفاءته وانتماؤه الإيجابي لمجتمعه ودولته، ويقدم لكل من يقوم بفعل أو إنجاز أو إبداع ما يستحقه من قيمة مادية ومعنوية، ويحلّه المكانة اللائقة به وبعمله.
هكذا يشعر الفرد بقيمة الجماعة ودورها، وبأنه ضمنها مكفول ومنصَف ومراقَب، وله مثل ما عليه من حقوق وواجبات، وأن ما يقوم به من أفعال، وما ينجزه من أعمال، وما يحققه من إنتاج، وما يبذله من جهود.. ليس ضائعا أو مرتهنا لمزاج مريض، أو لتعصب مقيت، أو لفئة جاهلة ضالة مُضِلَّة، أو رهن قوة غاشمة، ترفع وفق مصالحها وهواها وما تمليه من ولاء، وتخفِض وفق ما تراه خروجا على الولاء لها، حتى لو كان ولاء للوطن ولقيم اجتماعية سليمة، ساهمت في بناء الإنسان وحماية الوطن.. وتجعل الفرد يلمَس بيقين، أن هناك علاقة وتناسبا بين الإنجاز والقدرة والموهبة والجهد، وبين المثوبة والتقدم والاحترام والمكافأة والمكانة الاجتماعية والعلمية التي تقرها معايير مجتمع معافى، وأن العكس أيضا صحيح. كما يشعر بأن للقوانين والمعايير والأعراف والعادات دورا راسخا في بناء الإنسان والمجتمع والعلاقات، وأن لكل رأي قيمة، ولكل شخص مرتبة ومقدارا.
ويتمثل ذلك، أو ينبغي أن يتمثل، في السلطات التي يفترَض فيها أن تمثل مصالح المجتمع وتحرص عليه وعليها، وترعى الحقائق بقوة وإنصاف، وتضع حوافز مادية ومعنوية للتنافس البنّاء، وتحافظ على سلامة مناخ الإبداع والإنجاز، وعلى حيويته وتنامي الجيد في كل مجال من مجالاته.. وتحرص على تنمية تنافس شريف مقدَّر بموضوعية تامة في أوساط المؤدين والمسؤولين والمبدعين، تنافس شريف يشعر به كل الذين يدخلون ميدان التنافس خدمة للوطن والأمة والتقدم العلمي والإبداع الحضاري والإنساني.
أما إذا ساء تطبيق القوانين والقواعد والأعراف، وناقضت الأحكام الواقع والوقائع، واختلت الموازين، وكان صوت الغوغائية والوصولية والانتهازية أعلى من صوت الحق والعقل والمنطق والعدل، وأصبحت الميليشيات هي الحاكمة، بأدواتها وطبولها ووسائلها وأساليبها المريضة المدمرة التي يرفضها المنطق، وتجر على المجتمعات والشعوب والدول الخراب، وتجهض النهضة الحقيقية في كل مجال من مجالات الحياة، وتحيل الأداء شعارا ودمارا وفسادا، يتفاعل سلبيا في أوساط نافذة، تجعل المصلحة العامة مداسا لأقدامها ترتفع فوقه درجة، وتخفض الناس والوطن درجات.. أوساط راغبة بالولاء المريض، متهلِّلَة ولشعارات وتزلُّفات تلغي العقول وتعمي القلوب وتغشي الأعين.. ويؤدي إلى تدمير البنّائين، وتهميش القادرين، والإزراء بالأخلاقيين، وقلب المعايير السليمة رأسا على عَقِب، وإلى تدمير كل بناء قائم أو يمكن أن يقوم.. وتكون الخطورة عظيمة على المستقبل ذاته، وعلى كل بنية وقيمة وتضحية، على العلم والأدب والفن، على الإبداع والحضارية والعدالة، على الإنسان الذي يتهافت بتهافت القيمة والمعيار السليم وتآكل الوجه الخيِّر للدولة والمجتمع في ذلك المناخ.. ومن أسف نقول “كم شهدنا من ذلك في كل الأوساط على مدى سنوات وسنوات، وكم ارتفع “هتّافَة” وانتهازيون خِلو من القدرة والقيمة، على حساب أشخاص ذوي إبداع وقيمة وقدرة.. فارتفعوا وانحدر الوطن وفسد المجتمع، وارتفع الصراخ.. وأصبح القوام والمعنى والصورة، واستمر يدوي بينما يستمر الانحدار.
تبدأ الأمور بالتهاون، و”ترتقي” إلى الاستهانة، وتنتهي بالاستهتار، ويتم تسخير المصلحة العامة للمصلحة الخاصة في مستويات حزبية وطائفية ومذهبية وشللية بائسة، وتخدم شخصيات متورمة تحتاج إلى علاج وليس إلى مزيد من الانتفاخ والانتباج.. وينتهي هذا بترسيخ “مدرسة” ومنهج وقانون حياة، يلغي كل ما عداه.. ويضيع كل قادرٍ مخلصٍ في عمله، متمسك بقيم سليمة، وخلق قويم، وانتماء صحيح لمجتمع في سيرورته، ووطن في تاريخه.. وتسود قواعد، رأس الحكمة فيها، مخافة الطغيان فوق مخافة الله، والخضوع للقوة العمياء طلبا للأمن من جوع وخوف، وتبعية تتدرج حتى تلغي الشخصية الفردية وتفتت البنية الاجتماعية، حيث يحكم على كل ذي قيمة وعلى كل شخص أخلاقي مستقيم، مخلص في عمله، قويم في سلوكه، مقتدر في أدائه، قادر على الإبداع والعلم، مؤمن بنهج وطني سليم.. يحكَم عليه بأنه “حمار شغل”، “حُوبَة، لا يعرف كيف يدبر رأسه”؟! وتحل مقاييس “الشّطارة” بمعناها السلبي التدميري وحتى الإجرامي، محل القوانين ومقاييس الأخلاق وقيم الإنتاج، وتحل العلاقات الشخصية المريضة والولائية السقيمة، محل المعايير السليمة وأسس التقويم والتقدير… وتتجلى النشوة الظالمة بأبهى حللها، لتزدهي بما هو الأسوأ من الأفعال والأحكام والأقوال التي تراها انتصارات “الشطارة” على اتباع الأصول.. فتدخل الدنس إلى الأنفس، وتُحِل ما حرمه القانون والعقل ومنطق التقدم والبناء، وليس ما حرَّمه الله فقط.. ويسير الفساد ثملا، ينخر ويسخر من كل الأخلاق والأعراف والقيم والقوانين السليمة في مجتمع ودولة.. وتبدأ عملية التسابق بين الناس للتلاؤم مع المعطيات الجديدة، فتسود حال هي الفساد والإفساد في دوران لا يعرف التوقف.. ويتماهى “التلاؤم المَرِن” مع الاستخذاء والتنازل عن الكرامة، مع الكذب والافتراء والدجل، مع استخدام القوة الغاشمة لاختراق القانون، والأخذ بكل ما يمكِّن من الوصول إلى الغايات، بعيدا عن سلامة القواعد، ونظافة السلوك، واحترام القيم والمعايير والقوانين.. “الغاية تبرر الوسيلة”؟! وإذا كانت الغايات دنيئة أو متدنية القيمة، يزداد أصحابها تَشَمْرُخا وشموخا، فما هي القيم، ومن الذي يقيم”؟! إن كل شيء يسقط في مستنقع ضحل ويفاقم الوباء، وتصبح هناك قواعد سائدة لا علاقة لها بأي نوع من السلامة والصحة والعقل والمنطق والصالح العام.
في هذا المناخ تهون على أشخاص كرامتهم، ويغيرون جلودهم كل يوم حسب الطلب، ويمضغون الذل مرّة ثم يستسيغون مضغه، ثم يدمنونه ويصبح مما يرفع الرؤوس.. ويضيع عبر هذا التيار علم وأدب وفن وإنتاج وإنجاز ورجال ونساء.. ويزحف خلق كثير على رؤوسهم، وتضيع مجتمعاتهم وليس حقوقهم فقط، ويختلط “الحابلُ بالنابل”.
والخطورة الأجدر بالالتفات إليها عندما تصل الأمور في مجتمع ما إلى هذا الدرك… تكمن في الكيفية التي سيكون عليها الآتي “المستقبل” كيف نراه وكيف نتقدم نحوه وكيف نصنعه.. إن الأمر من الصعوبة بمكان، فغبش الرؤية كثيف، ولا من ينير شمعة، فضلا عن كثرة من يطؤون الشموع المضاءة؟! والأجيال “المستقبل”، تتربى في هذه الأوساط وتنشأ في هذه البيئات، وتتخذ أسس عملها وسلوكها وتعاملها وقدوتها ومثلها وقيمها مِن الذين تراهم يعيشون وينجحون، وممَّن تراهم “مثال النجاح والشهرة والقدوة؟!” في المجتمع الذي يغدو مريضا.. وقليلا ما تعود الأجيال إلى ما في الماضي الجيد من قيم وقدوات، إلا إذا هُديت إلى ذلك وصبرت وقاومت الطاعون المنتشر من حولها.. وهذا من أصعب ما يمكن أن يطبق من خيارات.. في هذا الوسط الاجتماعي ـ السياسي ـ الثقافي ـ الاقتصادي، يرتفع الصوت: “أهلا بالقدوة” ممن يجسدون الواقع البائس ويرتفوعون نماذج تُتّبع.؟! وتترسخ أساليب الحياة اليومية، وأساليب الوصول إلى اللقمة والمكانة وسواهما مما هو ضروري أو كمالي في الحياة، من خلال ما يراه الأبناء في الآباء، وفي من يرتفعون إلى “فوق”.. فيطلبون “النجاح” على نهج الفاسدين الذين “بلغوه”، بصرف النظر عن سلامة الأحكام الخلقية والقيمة والاجتماعية والثقافية العلمية، وعن النتائج التي يسفر عنها سلوك هذه الطريق.. أما الأحكام والأفعال والصولات السياسية، فيبدو أنها تكتسب مناعة، وتعتد على أن تبقى خارج الحفرة التي زجت الآخرين فيها، وتتمسك بنشر سلوكها وأساليبها وما تراه عقيدة وسياسية.. وهكذا ينذر المستقبل بقسوة ومخاطر، تكمن شدتها في أنها غير منظورة لمن يعيشون حاضرا بائسا، ولا يرون إلا بعيون الفساد والإفساد. ولا يتوقف الأمر عند فساد الذوق والحكم والقيم والمعايير، بل تفسد الجِبِلَّة ذاتها، ويتردى الإنسان في تكوينه العام، ولا يتوقف الأمر عند تردي الساسة السياسات وتوابعها.
إن كل الأمم الحية تحرص على فضائلها وقيمها وأخلاقها ومعاييرها وسلامة الإنسان والقيمة في بنيتها البشرية والخُلُقيّة، وتحرص أيضا على أن ترى ذلك يتجسد في سلوك ومواقف وأحكام من كل نوع، وفي كل مجال، وبتواتر زمني يواكب التطور والتقدم.. وتلقن الأجيال الموقف الحضاري المتصل بأخلاق وعلم وبناء ومقومات نهضة متكاملة، وبأحكام ومناهج حُكم على الأشخاص والأفعال والآليات والأدوات وصولا إلى الإنتاج المزدهر. والأمة هي شخصيتها البارزة والمؤثرة في فعل حضاري متكامل، يتفاعل مع حضارات العالم، ومع العقل والوجدان والقيم الروحية، ومع التقدم والمعطيات المادية في الحياة التي تشارك بها البشر.. كلّ البشر.
وإنه لمما يؤسفني ويؤلمني، أنني في بعض اللحظات، يساورني الشك بقدرة الثقافة والسياسة على تحقيق نقلة نوعية عميقة في لباب التكوين البشري الذي يتكشَّف، في لحظات ومواقف وأحوال عن جوانب وحشية وهمجية تنتشر وتسود نتيجة إفساد السياسة للثقافة، وتخلي الثقافة عن ريادتها ودورها.. وحشية لا يحكمها منطق، ولا تنم عن عقلانية، تعيق المكونات الروحية عن القيام بدور إيجابي في هذا المجال، وتلحقها بها، فتتبع مرجعيات روحية سياسات، خوفا أو طمعا، فتلغي دورها أو تحجّمه. وفي الشارع العربي الذي لا يبدو أنه تنازل فقط عن حقه في المعرفة، ولا عن دور الوعي المعرفي في حياته وقراراته وأحكامه، بل استقال من مسؤولياته، وتخلى عن واجبات المواطَنة ذاتها، وعن مسؤولياتها وعن دوره الاجتماعي والسياسي البناء، على صعد عدة، وقضايا مصيرية، ومستويات كثيرة، لأسباب شتى منها: التسلط والقمع والتغييب وتحكم الطَّفاوة البشرية الزئبقية والغوغائية المريضة بالعمق الحياتي للناس وتفكيرهم وتدبيرهم وشروط معيشتهم، وتوجهاتهم، ومناحي إبداعهم، ومقومات الحكم عليه..إلخ، مما يشكل معوقات لا تعفي أحدا أبدا من المسؤوليات والواجبات والتبعات، ولا ترحمه أو ترحم سواه في قادم الأيام. في الشارع العربي خُمول لا يمكن أن يُفهَم أو يُقبل، ولا ينبغي أو يمكن أن يستمر، وفيه تواكل ناشئ عن خوف وطمع، وعن تسليم بسيطرة منطق الميليشيات والعملاء والغوغاء ومن يستثمر فيهم، ويستخدمهم، ويوجههم ليتسلطوا على كثير من المواقع والمرافق والأمور المصيرية الحساسة، وفيه قبول بالأحكام البعيدة عن المصلحة القومية، وعن الموضوعية والنضج والاستقلالية، مبنية على تبعية وشيء من نشر الإحساس الدونية.. وترويج “إعلامي ـ إشاعي ـ شفوي ـ دعائي”، مرتهن لسياسات، يقوم بدور “سلبي أو إيجابي” حسب الطلب، من دون تمحيص أو تدقيق أو محاكمة مسؤولة تمليها الاستقلالية، ومسكون بميليشيات من شتى الانتماءات والأنواع، تحكم أهليها ومروجيها أمراض، ويأخذها من يتبنونها بأساليب وصيغ ومواقف تخرجهم عن دائرة الرائد الواعي العادل، وعن دور المُحكَّم المؤهل النزيه، أو المحتكَم إليه بثقة وموضوعية واستحقاق.. وكل يشد الحبل إلى طرفه، أو وفق ما يؤمَرُ به، أو يُزيّن له.. ويكون الإعلام هالات، ثم يحكَم بها، وقد يحكم بعضهم تحت تأثير الهالة المصنوعة بالدعاية أو يخاف منها أو أن يزلّ رأيه بتأثير منها.. وهذا، فضلا عن كونه يدمر ولا يبني، ويحرمنا من أكثر الوسائل تأثيرا، فإنه يناقض منطق الأمور وحركة الحياة واحتياجات الناس، ويؤدي إلى تدمير مباشر أو غير مباشر لما يبني المجتمعات، ويؤسس للتفاهم والتعاون، ولسلامة البقاء والتقدم والنهوض في كل مجالات العلم والإبداع والفكر والأدب والفن والعمل التي تبني مقومات الحياة والمجتمعات والدول والحضاري، وذاك الذي يساهم في بناء الإنسانية، هدف الأهداف الكبرى، ويشكل رافدا من روافدها.
وأخال أنه يتوجب علينا نحن العرب في واقعنا الراهن ومحنتنا الدامية، وتبعيتنا المهينة المقيتة، وضياع حقنا على دروب الأقوياء، وخوضنا لحروب بالوكالة عن ألد أعدائنا، ندفع فيها أرواحا وأموالا وثروات وسيادة ومكانة.. أن نخلّص أجيالنا من فتك الفساد والإفساد في كل ميدان، ومن الذين يبيعوننا في أسواق السياسة والنخاسة، ومن الذين ينشرون أنواع الوباء في حياتنا المادية والروحية، في ثقافتنا وأدبنا وفننا كما في إعلامنا ومجتمعنا وسياستنا. وعلينا أن نضع أجيالنا على طريق سلامة التكوين والتفكير والتدبير والحكم والاحتكام، عبر مناهج وتربية وثقافة وسياسات تحترم العقل والإنسان، واتباع تدابير تُعلي شأن الأخلاق، وتصون القيم والمعايير والقوانين والقيم الروحية المنقذة، وتحفظ المجتمعات والدول من أشكال التفتت والتآكل والتفسخ.
وفي هذا الذي نحن فيه، ونتطلع إليه أذكُر بأسى، وأذكِّر بقول الشاعر الجواهري:
كانتْ مَحاسنُنا شتَّى وأعظَمُها
أنَّا نَخافُ عليها مِن مَآسيها

إلى الأعلى