الخميس 23 مايو 2019 م - ١٧ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / (ساندويتش) البرجر.. مقياس لعملة بلدك

(ساندويتش) البرجر.. مقياس لعملة بلدك

فوزي رمضان

كم من مرة نتناول (ساندويتش) البرجر، لذيذ الطعم المميز النكهة؟ وكم نشتهي قطم (البِج ماك) المكون من شرائح لحم البقر المشوي، مع طبقات الجبن الصفراء المعتق والخس الطري، والمتبل بقطع الهلابينو الحارة مع البصل؟ لم نتخيل أبدا أننا نحمل بين أصابعنا مؤشرا اقتصاديا عالميا، يستخدم لقياس أداء العملات وقوتها، في ارتفاعها وانخفاضها حول دول العالم!
البِج ماك .. أكثر (ساندويتش) برجر شهرة، وأكثر مبيعا لدى مطاعم ماكدونالدز العالمية، والتي تدير أكثر من ثلاثين ألف فرع للوجبات السريعة في 121 دولة، كما أنه متاح في كل البلدان تقريبا، ويصنع في حجم موحد، وبنفس المكونات وبالجودة نفسها، لذا اختاره فريق التحرير في صحيفة الإيكونومست الإنجليزية منذ العام 1986 ليكون مؤشرا اقتصاديا خاصا ومبتكرا، عرف بمؤشر بِج ماك
. (Big Mac Index(
حاولت الإيكونومست تطبيق هذا المؤشر لتحديد مدى تقارب قيم العملات بالنسبة للدولار، ومن ثم تحديد إذا كانت العملة مقومة بأكبر من قيمتها الحقيقية أم أقل، ذلك باستخدام فيما عرف عالميا بمؤشر بِج ماك، لتحديد قيمة المغالاة أو البخس في قيمة عملة ما بالنسبة للدولار، وتقوم المجلة شهريا بنشر أسعار (ساندويتش) البِج ماك في دول العالم بعملة الدولار، وعن طريق أشكال توضيحية يستطيع الفرد تقييم عملة بلده مقارنة بقيمة السعر في كافة الدول.
على أساس مؤشر البِج ماك، يرتفع سعر (ساندويتش) البرجر على المواطنين في الدول غير المنتجة، بينما ينخفض سعره على مواطني الدول المنتجة، طبقا لارتفاع وانخفاض سعر العملة. إذًا من الممكن التعرف إلى الحالة الاقتصادية للدول عن طريق التعرف على سعر (ساندويتش) البِج ماك، في دولتك أو الوجهة التي تريدها، أو ترغب السفر إليها.
مؤشر البِج ماك، يقيس مدى اتساق القيمة المحددة لمعدل صرف عملة ما بالنسبة للدولار، وما يجب أن تكون عليه تلك القيمة باستخدام قانون السعر الواحد، أو نظرية تعادل القوة الشرائية، فمثلا تكلفة شراء بِج ماك في الولايات المتحدة الأميركية تساوي 5 دولارات أميركية، بينما تستطيع شراء نفس الساندويتش بقيمة 1.75 دولار في مصر، معنى ذلك أنك تستطيع شراء ثلاثة بِج ماك، ووفقا لحسابات الإيكونومست تكون مصر أرخص مكان على وجه الأرض لشراء البِج ماك، ذلك لمن يحمل عملة الدولار وليس المواطن العادي.
لقد أظهر مؤشر بِج ماك التفاوت الكبير في أسعار العملات، مثلا البِج ماك في سويسرا، يباع بحوالي 6.5 فرانك سويسري (الفرنك يساوى 1.18 دولار)؛ معنى ذلك هناك مغالاة في سعر الفرنك السويسري، يشاركه عملة الكرونز النرويجي نفس المغالاة، بينما تتعرض عملة دولار هونج كونج لعملية بخس شديدة في قيمتها، كذلك الجنيه المصري مسعر بأقل 60% من قيمته الحقيقية أمام الدولار.
وإذا كان معيار سعر الصرف بين عملتين هو السعر الذي يساوي بين القوة الشرائية لكل منهما، فإن طريقة البِج ماك ـ وإن كانت معيارا عالميا في مختلف دول العالم، ومحورا لما يقل عن 20 دراسة أكاديمية ـ إلا أن استخدام هذا المؤشر لا يكفي غالبا لحساب ارتفاع سعر الصرف وانخفاضه بين عملتين، ويبقى مقياسا نظريا لقياس القوة الشرائية الفردية في كل بلد.
نظرية البِج ماك ـ مثل كثير من النظريات الاقتصادية ـ لا يمكن اعتبارها مقياسا مثاليا للنمو أو التضخم، دون النظر لعوامل مثل الحواجز الجمركية، ومقدار الضرائب المفروضة، طبقا للسياسات الحكومية في كل بلد، إضافة إلى تكاليف النقل، واختلاف سعر الخدمة ومقدار المنافسة في السوق المحلي.
بعد كل هذه العوامل، وبعد حساب سعر الصرف، سيكون الحال أن تشتري (ساندويتش) بِج ماك بسعر أعلى مما قد يشتريه شخص آخر في دولة أخرى، فبينما تشتري البِج ماك مثلا في دولة ما بسعر 6 دولارات أميركية، يستطيع المواطن الأميركي أن يشتريه بأربعة دولارات فقط؛ لأن الدولة المرتفعة الأسعار تعاني من التضخم، وقلة الإنتاجية والجمارك الباهظة على انتقال السلع.
معذرة… أفسدت تلذذك بطعم (ساندويتش) البرجر الشهي، وابتعدنا إلى لغة الأرقام والاقتصاد، التي هي حتما ستفسد عليك المتعة، عندما تفرغ من دفع فاتورة الشراء، والتي قد تنسيك طعم البِج ماك، ولا تتذكر منه سوى حرقة الهلابينو الحار.

إلى الأعلى