الخميس 21 مارس 2019 م - ١٤ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: الثقافة الاستهلاكية للمواطن وتقنين السلوك الاجتماعي

في العمق: الثقافة الاستهلاكية للمواطن وتقنين السلوك الاجتماعي

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية العلاقة الحاصلة بين البعد الاجتماعي والموجهات القيمية والاجتماعية في التأثير في ثقافة الاستهلاك، خصوصا في ظل مؤشرات الخلل الحاصلة في تعاطي المواطن مع السلوك الاستهلاكي، وبروز ثقافة استهلاكية غير مؤطرة في الواقع، وممارسات وعادات اجتماعية تستنزف موارد الأسر وتوجهها لغير أولوياتها وتعرّضها لأعباء أخرى تضاف إلى القروض البنكية والديون الشخصية، في ظل ارتفاع أسعار بعض لبضائع والسلع الاستهلاكية والخدمات، وبالتالي الموقع الذي يشغله البعد الاجتماعي في المعادلة الاستهلاكية، كأحد أهم المؤثرات في ثقافة المواطن وقناعاته ورسم ملامح التغيير في عاداته الاستهلاكية، وما يستدعيه ذلك من تحولات في مسيرة الوعي الاجتماعي ودور أكبر لمؤسسات التنشئة الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المهنية في سبيل ترقية قيم المسؤولية وبناء أطر الاستدامة في الأولويات والتركيز على الاحتياج، عبر مسارات تقنين واضحة يستشعر فيها المواطن مسؤولياته فيحافظ على استمرارية موارده وحضور السيولة المالية لديه، وتغيير قناعاته بأن المسار الضبطي لهذه العادات لا يفقد المجتمع خصوصيته، بل يضمن سيرها وفق معايير ضابطة تعزز من كفاءة المجتمع في مواجهة التحديات الاقتصادية وتبني منطلقات أوسع للتكافل الاجتماعي والترابط العائلي وتوزيع المهام الأسرية، بحيث تتناغم في سقف توقعاتها مع أولويات الدولة وتقترب من جهودها الداعية إلى الحد من الممارسات المالية الخاطئة التي تفقد المجتمع إنتاجيته وجاهزيته في التعاطي مع التحديات الاقتصادية والمالية.
لقد فرضت التحولات الحاصلة في السوق النفطية على بلدان العالم الثالث المنتجة للنفط تأثيرات سلبية على كفاءة السيولة المالية وكفايتها في إدارة الأنشطة الاقتصادية وتنفيذ المشاريع، واتجهت حالة عدم الاستقرار فيها إلى إحداث نوع من الارتباك في سلوك المواطن الاستهلاكي اليومي ومسائل الادخار والاستثمار، لاعتماد الأنشطة التجارية أو الاقتصادية على عمليات النقل التي شهدت ارتفاعا في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى استهلاك المواطن للوقود نظرا لثقافة استخدام السيارة الخصوصية، إما لتدني استيعابه لدور شبكات النقل الداخلية أو لعدم جاهزيتها، كبديل مناسب لاستخدامها في عمليات التنقل اليومي الشخصي أو العمل، مما ساهم ذلك في زيادة الضغوط المالية التي يفرضها هذا الواقع من حيث تعدد الالتزامات المالية الأسرية والعائلية، ومع أن التعاطي مع هذه المعطيات يحتاج إلى مزيد من الوقت بالشكل الذي يضمن تكييف المواطن الذي يعتمد على راتبه كممول رئيسي لكل احتياجاته، وما يستدعيه ذلك من إعادة النظر في السلوك الاستهلاكي اليومي كأولوية يجب أن تحظى باهتمام المواطن نفسه وتدخل المؤسسات المعنية إما جبرا في الحد من بعض العادات المجتمعية، أو عبر تبني فرض سياسات وتشريعات وأطر تنظيمية وتشكيل لجان لمتابعة تأثيرها وتبعاتها الاقتصادية، وتبني استراتيجيات استهلاكية مناسبة، معززة بسياسات تثقيفية وتوعوية وتصحيحية وإثرائية ووقائية وتعريفية، وتوفير البرامج الداعمة لتقنين السلوك الاستهلاكي، ووضع المواطن أمام تنوع في البدائل وتعدد في المسارات ليعيد بنفسه مساره الاستهلاكي ويقف عند حدوده ومتطلباته.
ويطرح السلوك الاجتماعي المتبع في بعض المحافظات والولايات أو لدى بعض الأسر من عادات استهلاكية في مراسم العزاء والأفراح (الزواج وأعياد الميلاد) وما يتبعها من عادات الإسراف والتبذير والتكاليف المالية المترتبة على النحر والذبائح، أو ما تسهم به غلاء المهور وتعدد المتطلبات المالية والشروط التي يُطلب من الخاطب أو الزوج تقديمها، من التزامات مالية تستنزف موارد المجتمع والأفراد، في ظل ما يصاحب هذه العادات من قناعات مجتمعية ومسلمات لا يقبل التنازل عنها، ويصبح عدم الإتيان بها قصورا في دور العائلة والأسرة، وتقليلا من شأن ما التزمت به من عادات أو نُهج سابقة، وتتفاخر الأسر والعوائل في بعض الولايات بها كإحدى السمات التي تتميز بها والعادات المتأصلة فيه، وكأنها تعكس قيم الكرم والضيافة العربية والعمانية، يطرح أهمية تقنين مثل هذه العادات الاستهلاكية وإعادة النظر فيها والوقوف على أسبابها ومسبباتها ونواتجها على الأسرة والمجتمع واتخاذ الإجراءات القانونية والضبطية لها، موجهات وقائية وعلاجية لبناء ثقافة استهلاكية متوازنة في فقه المواطن اليومي وممارساته الحياتية.
لقد أشارت إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2018، إلى أن أسعار مجموعة المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية شهدت ارتفاعا بنسبة 0.5% خلال عام 2017 مقارنة بعام 2016، وأن الارتفاع في أسعار مجموعة المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية يعزى بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار مجموعة الأسماك والأغذية البحرية بنسبة 2.5% والخضراوات بنسبة 1.6%، في حين تشير النشرة الإحصائية للمركز لشهر يناير 2019 في مقارنة بين ديسمبر لعام 2018 وديسمبر لعام 2019 إلى وجود انخفاض في أسعار الأسماك والأغذية البحرية بنسبة (8.2%) في عام 2018 عن ما كان عليه في عام 2017، في حين ظلت أسعار الخضراوات مرتفعة في عام 2018 بفارق (2.3%)، كما يظهر الإحصاء أن الأرقام القياسية للأسعار شهدت ارتفاعا متفاوتا لعام 2017 عنها في عام 2016 شملت بالإضافة إلى ما أشرنا إليه أغلب المجموعات الاستهلاكية الاثنتي عشرة في المستوى الأول لتصنيف سلة المستهلك، في مجموعات التبغ (19.6%)، والأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية وأعمال الصيانة الاعتيادية للمنازل (3.2%) ومجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى (1.7%)، والنقل (4.7%)، والمطاعم والفنادق والسلع الشخصية المتنوعة والخدمات (1.6%)، والتعليم (4%)، في حين حازت الاتصالات على نسبة أقل في عام 2017 مقارنة بعام 2016 بفارق 2.3% وظلت مجموعة الملابس الجاهزة والأحذية على نفس مستوياتها في العامين، في حين أظهرت مجموعات الصحة والثقافة والترفيه نسب فرق بسيطة لصالح 2017، على أن النشرة الإحصائية للمركز لشهر يناير لعام 2019، في مقارنة بين أسعار المستهلكين في شهر ديسمبر لعام 2017 وفي الفترة نفسها من العام 2018، تشير إلى وجود انخفاض في المواد الغذائية والمشروبات الكحولية بفارق (0.5%)، والتبغ بفارق (0.2%)، والملابس والاحذية بنسبة (0.5%) والأثاث والتجهيزات (0.9%) والصحة (3.9%)، لصالح 2018، في حين ظلت بقية المجموعات الأخرى في ارتفاعها لصالح 2017.
وبالتالي ما تؤسسه هذه المؤشرات من البحث في السلوك الاجتماعي الاستهلاكي، وفهم كل المتغيرات وخطوط التأثير ذات العلاقة، وتوفير الضمانات الداعمة لامتلاك ثقافة الاستهلاك الرشيد في التعامل مع المعطيات الدولية والتأثيرات الحاصلة على الاقتصاد والتجارة والسلع الاستهلاكية، وإيجاد معالجات للسلوكيات الاجتماعية وانماط الاستهلاك المجتمعي، والنظر في تنمية سلوك الادخار لدى الأبناء وتحفيزهم على إدراك القيمة المضافة الناتجة عن وعيهم بالعادات الرشيدة، وتعزيز ثقافة الاستثمار وتوفير قنواته، والتركيز على ثقافة المشروعات المنتجة، وفي هذا الشأن نفذ المركز في أكتوبر من عام 2018، استطلاع رأي للعمانيين حول الادخار والاستثمار، وأظهرت نتائجه، أن 8 من كل 10 من العمانيين يعتقدون أن الفرد يجب أن يدخر جزءا من دخله بشكل منتظم. بينما يرى 12% أن الفرد يجب أن يدخر بشكل منتظم إذا سنح له دخله أو ظرفه بذلك، وفي المقابل (5%) لا يعتقدون بضرورة الادخار، وأن 46% يفضلون الاحتفاظ بالأموال المدخرة في حسابات بنكية وأن 23% من المواطنين يفضلون الاحتفاظ بالأموال في شكل عقارات. وأن أكثر طرق الادخار التي يستخدمها العمانيون هي الاشتراك في الجمعيات والاحتفاظ بالأموال في حسابات بنكية (53% لكل منها)، وأن 59% من الأفراد في العمر (18-29) سنة يدخرون أموالهم عن طريق الاشتراك في الجمعيات، في حين أن الأفراد في عمر (30-49) سنة يحتفظون بأموالهم في العقارات. أما بالنسبة للأفراد من 50 سنة فأكثر يحتفظ 54% منهم بأموالهم في حسابات بنكية، وأن 64% من العمانيين يدخرون جزءا من دخلهم تحسبا للظروف الطارئة وتأمينا لمستقبلهم، وأن 82% من المواطنين صرحوا بأن عدم كفاية الدخل أو تحمل الديون هو السبب الرئيسي لعدم ادخارهم، كما أن نصف العمانيين يفضلون الاستثمار في العقارات وأكثر من ثلث العمانيين يفضلون الاستثمار في مشروع خاص أو التجارة، كما أن 4 من كل 10 من العمانيين يقومون بتدوين وتسجيل ما يتعلق بدخلهم وإنفاقهم. وأن 26% من مصادر المعلومات التي يستخدمها المواطن في مجالات الادخار والاستثمار جاءت عبر المواقع المتخصصة على الإنترنت والتواصل مع المختصين بمجال الاستثمار، كما أن نسبة الادخار ارتفعت بين الإناث لتصل إلى 89% مقارنة بـ78% بين الذكور.
من هنا فإن ما قدمه هذا الاستطلاع من نتائج نوعية لتأطير سلوك الادخار والاستثمار منطلق لتبني سياسات قادمة لبناء ثقافة استهلاك قادرة على التعاطي مع كل المتغيرات التي تحصل في الواقع الاقتصادي على مستوى الفرد والمجتمع والمؤسسات، وما يمكن أن تؤسسه من فرص لصياغة تشريعات وقواعد للسلوك الذاتي في مناحي الاستهلاك اليومي للمواطن وتعزيز الوعي بالأنماط الاستهلاكية الحاصلة، وبناء شعور جمعي يضمن التزام المجتمع بكل فئاته وأطيافه بدءا من مرحلة الطفولة وسن التعليم ما قبل المدرسي في تعويد الأطفال على سلوك الادخار، وتكوين ثقافة أصيلة واتجاهات إيجابية لديه نحوها، وتوظيف المنظور القيمي والديني والأخلاقي الذي أكدته تعاليم الإسلام وتشريعاته في دعوتها إلى الاستهلاك العقلاني والتوازن في الإنفاق والاعتدال في استخدام الموارد بما تحمله من فرص الخيرية والاستدامة وترقية فرص الاستفادة منها للأجيال القادمة وليعم نفعها مختلف الفئات، كما يأتي دور المؤسسات التعليمية ـ عبر ابتكارات الطلبة والأنشطة الطلابية ـ والمؤسسات المالية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في تطوير منتجات استثمارية، وتصميم برامج تقدم جرعات تثقيفية وتوعوية لتقنين السلوك الاستهلاكي وضبط مداخله وآلياته، ناهيك عن دور مؤسسات تقديم الخدمة والمنتج الاستهلاكي والمجتمعات التجارية والمراكز والمحلات، في تفهم هذا الشعور الوطني، فيما يتعلق بالأسعار، وزيادة مساحات التنزيلات والعروض التسويقية والترويجية الاستهلاكية، وتأكيد جودة البضائع المعروضة في السوق، وترقية الخدمات المقدمة والإعلانات وغيره.
ومع كل ما أشرنا إليه يبقى العامل الاجتماعي الحلقة الأقوى في المعادلة الاستهلاكية للمواطن وتمكينه من التعاطي مع الاعتبارات الشخصية والأسرية والاجتماعية، وترسيخ ثقافة الوعي لديه بالمخاطر الناتجة عن الاستهلاك السلبي، وتبني موجهات داعمة لنمو ثقافة الاستهلاك الواعي، التي تبدأ في تعاطي الأبناء مع الفرص وقراءتهم للأزمات والتحديات المالية وتكيفهم مع مستجدات الواقع، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم الناتجة عن عدم توفر هذه المتطلبات الاستهلاكية بصورة دائمة في حياتهم الأسرية، وتعميق مفهوم المسؤولية الذاتية، وترقية الحس الشخصي، وتوظيف المهارات الشخصية في بناء فرص استثمارية ناجحة، وإدارة المشروعات الاستثمارية والتمكين المالي، وبالتالي إيجاد برامج عملية تقنن السلوك الاستهلاكي وتتيح فرصا أكبر للبحث عن مساحات أوسع للادخار والاستثمار، النابع من رغبة ذاتية للمواطن وشعوره بالقيمة المضافة التي يحققها في بناء مجتمع منتج وسلوك استهلاكي صحي.

إلى الأعلى