الخميس 19 سبتمبر 2019 م - ١٩ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: يقظة الأرواح المستيقظة

باختصار: يقظة الأرواح المستيقظة

زهير ماجد

ثمة أرواح تشتهي العودة إلى الحياة كي تعيد تنظيم واقع سقط من التاريخ والنصوص التي نفذتها .. إنها الروح التي تتألم كلما تجمعت المشاهد الحديثة لترسم صورة معاكسة لما كان مطلوبا لوطن عزيز.
اليوم يتذكر بسام أبو شريف أن ياسر عرفات تم قتله بواسطة سم دس في معجون أسنانه وصل إلى لثته ثم دخل إلى الدم ليصنع موتا بطيئا ثم نهاية مؤكدة. وقبل ذلك بسنوات قيل إن السم دس للزعيم جمال عبد الناصر وأيدته الدكتورة هدى جمال عبد الناصر، وفي التفاتة لم ينتبه إليها أحد، قيل إن السم تم دسه في صحن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين أدى إلى موته البطيء.. وربما هناك العديد من الحالات المشابهة التي مات فيها مسؤول أو شخصية عامة في ظروف غامضة، لم يظهر الإعلام أسباب رحيلها ولا كيف رحلت. نحن إذن أمام غموض مدروس، سيظل مجهول تفاصيل ما جرى، لأن المطلوب هو التكتم على السر الذي ليس سرا في نهاية الأمر، طالما أن أجهزة استخباراتية كثيرة تعرفه.
تم اختيار اللحظة المناسبة لاغتيال ياسر عرفات إذن، كان يمكن قتله في أي من الأوقات، لكن القاتل الذي هندس العملية وضع لها توقيتا ملائما لسيناريو ما بعد رحيل تلك الشخصية. هذا لا يعني أن عرفات كان ممانعا إلى الحد الذي لا يمكن زحزحته، لكنه كان على الأقل يرفض ويقبل، وفي العلاقات الأميركية وفي المفاهيم الإسرائيلية يجب على كل مسؤول فلسطيني أن لا يرفض وأن “لا يكبر رأس”، عليه أن ينصاع لأية فكرة مهما كانت، لا بل أن يكون ديماغوجيا بالدرجة الأولى.
أما وفاة عبد الناصر فما زالت إلى اليوم وبعد تسع وأربعين سنة يلفها الغموض، تسنى لي أن أقرأ مخطوطة لم تنشر لأحد أطبائه الذي تمكن من فحصه بعد الوفاة، أنه وجد ثقبا في صدره موازيا لموقع القلب مما فسره بأنه حقنة هواء تم حقنها في قلبه. ومهما قيل في هذا الصدد من إشارات إلى مسؤولية وفاته، فإن عبد الناصر الذي مات في الثانية والخمسين من عمره وكان في حالة متوسطة صحيا، وما جرى بعده من تغيير وتبديل انقلابي في الحياة السياسية والتوجه السياسي لمصر، يؤكد أن اللحظة التي توفي فيها كانت مدروسة بعناية، وأن مفهوم المؤامرة التي أكره التلميح لها، وقعت بالفعل في تلك المرحلة التي أريد لها أن تكون فاصلة في الحياة السياسية المصرية، لا بل العربية مما سيكون لها من تأثير لاحق عليها.
أما وفاة الرئيس الجزائري هواري بومدين، فهي أيضا تستند إلى تأويلات حول أسبابها والتي وقعت في العام 1978 .. إذ إنه بعد زيارة له إلى العراق، بدأ اعتلاله الصحي يظهر عليه، ثم ما لبث أن تكررت معه حالات الكوما إلى أن كانت الوفاة .. ثم أغلق الستار عليها، وقيل إن الحكومة الجزائرية بعد أن أخضعت الرئيس بومدين إلى فحوصات كاملة وتبين لها ماذا دس له، أرسلت إلى العراق وفدا لشرح ما تعرض له الرئيس الجزائري، كما أكدت شخصية دبلوماسية عراقية لإحدى القنوات التلفزيونية العربية.
وكثيرة هي وفيات الغموض التي تترك وراءها علامات استفهام، ومثلها وفيات الاغتيالات المباشرة التي يظل الغموض أيضا سيدها.

إلى الأعلى