Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

قاسم حول في حواره مع “الوطن” : مشهد لـ “اغتيال صحفي” جعلني أمام خيارين إما الموت وإما الموت … فهربت ! ( 1 – 2 )

002

معمر القذافي عرض عليه 18 مليون دولار وهو بحاجة إلى 100 دولار !

* أفكر في وثائقي بعنوان “نخلة عُمان” وعسى أن أحقق هذا الحلم البصري الصوتي
* صرت أنام على البحر “قليل من الطعام وكثير من الحرية”
* الصندوق القومي الفلسطيني أنتج الفيلم السينمائي ورفع العلم الفلسطيني في المهرجانات السينمائية لأول مرة في العالم
* أصبنا بالوجوم حين اغتالوا غسان كنفاني .. تعلمت منه المحبة وتعلمت منه الموت في الهواء الطلق

حوار ـ فيصل بن سعيد العلوي :
لو قدر له أن يعيد حياته من جديد ، ترى هل يسلك ذات المسار الذي سلكه منذ أن تفتحت أزاهير وعيه طفلا صغيرا في مدرسة بناحية “اَلِمْدَيْنَة” (باللهجة العراقية)؟ وهي تسمى المُدَيْنَة تصغيرا لكلمة مدينة؛ لأنها أقرب إلى الريف منها إلى المدينة. كان يعاني من الفاقة ومدرجا تحت خط الفقر، وكان في النهار يعبر النهر الصغير المتفرع من نهر الفرات كي يذهب إلى بساتين النخيل ويجمع التمر المتساقط من النخل ، كانوا طفلين وطفلة، وذات يوم صرخت الطفلة وهم يعبرون النهر مشيا، حيث لدغتها أفعى وبعد يومين ماتت، صاروا يخافون عبور النهر بعدها … انتقل من الريف إلى مدينة البصرة، ودلف هو وأسرته نحو حي كبير من الأكواخ وسكنوا في أحدها… كان ينظر إلى السماء ويراها مشتعلة ؛ بسبب نار النفط ، التي ينعكس ضوؤها في السماء الزرقاء ويكاد يستبدل ثوب زرقتها بوشاح أسود فاحم مشوب بحمرة كلون الدخان المنبعث من لهيبها … وكان يسأل : ما هو ذلك اللهيب؟ فقالوا له : هو النفط . والعراق بلد ثري بالنفط، فسألهم : ولماذا نحن فقراء؟ فأجابوه: يسلبه الاستعمار منا ويبقينا فقراء!… وما إن اشتد عوده حتى قاد مظاهرة ولم يكن عمره آنذاك يتجاوز السبعة عشر عاما، وظل يهتف وهو يقودها : “فليسقط الاستعمار”! وتم استدعاؤه ليلا إلى مديرية الأمن ، وحين دخل غرفة ضابط الأمن ، فاجأه بلكمة أسقطته على الجدار الأسفلتي ، وبدأ الدم يسيل من رأسه وجبهته، ثم اعتقل وحوكم محاكمة عسكرية في قاعدة الآر – إف البريطانية في البصرة. لقد دفع ثمن موقفه واحتجاجه مبكرا على حالة الفقر التي هو فيها … ولا يزال حتى اليوم يدفع ثمنها!
بعد أكثر من أربعين عاما من هجرته عن وطنه التقيت به ودار بيننا حديث مطول حول الثقافة والسينما … هو يحب السينما وعنده نظرية تتمثل في علاقة السينما بالحلم فكريا، فنيا، وجماليا… أنتج بصعوبة بالغة كل أفلامه الوثائقية والروائية، وأفلامه تتسم ـ بالإضافة إلى جمالها ووضوح رسالتها ـ بالصراحة والجرأة التامة … وينبغي على من يريد أن يشاهدها أن يكون جميلا كما يقول قاسم حول …

•كل الشخصيات التي لا تحكم عبر الوسائل الديمقراطية وتصفهم في أغلب حواراتك بالدكتاتوريين يحبون السينما .. وأنت لا تحبهم لأنهم يحبون السينما، فيما أنت تعشق السينما ، كيف تفسر هذه المعادلة ؟
** كل الدكتاتوريين يحبون السينما على أن تكون السينما عنهم وليست لهم، فكان “موسوليني” لا يقبل أن يظهر أحد إلى جانبه في الصورة سوى “هتلر” وأمثاله فقط ولا يسمح لوزير دفاعه مثلا أن يظهر في الصورة وهو واقف إلى جانبه، فكان المصور حينما يصوره (أي موسوليني) ـ ولحظتها لا توجد حيل سينمائية سريعة التنفيذ كما التقنية الآن، فإن المصور يضع إصبعه أمام العدسة؛ ليحجب وجود الشخص المرافق لموسوليني حتى لا تظهر اللقطات سواه، وإلى جانبه إصبع المصور. هو يفضل أن تظهر صورته إلى جانب الإصبع، ولا يقبل أن يقف إلى جانبه وزير دفاعه مثلا … العقيد معمر القذافي كذلك كان لا يقبل عند مقابلته لشخصيات دون مستوى الرئيس أن تنشر صورته معهم. هم يصّورون اللقاء ولكن عند النشر يقطعون بالمقص وبشكل واضح ومقصود صورة الشخص ، ليظهر وحده بالصورة!!
• .. و لكنك كنت على مقربة منهم ، هم يقربونك شبرا وأنت تبتعد باعا ؟
استذكر حينما طلب مني العقيد معمر القذافي إخراج قصة كتبها هو بعنوان “الفرار إلى جهنم” وعرض علي ميزانية قدرها 18 مليون دولار، ولم أستطع الرفض أمامه بعد حوار ساعة ونصف، إلا أني كنت أفكر في الاعتذار بطريقة ما، واعتذرت منه، وكان الحوار دقيقا جدا في تفاصيله وسوف أنشره في مذكراتي، كان صدام حسين ـ إبان حكمه ـ قد طلب لقائي ورفضت، وتمكنت من مغادرة العراق فجر يوم الموعد “ساعدني في الهروب القائد الفلسطيني “جورج حبش” الذي كان متواجدا يومها في العراق” لأنني لو كنت قابلت صدام حسين لمت، سواء أقبل بشروطه فأموت .. أو أن أُقتل فأموت. كان يريد أن أعمل فيلما عنه لأنه يحب السينما وأنا لا أحبه !!
• إذن هو كان يعشق سينماه “هو” وأنت ترفضها ، في المقابل كان توفيق صالح رفيقك الذي تعاهدتما أنت وإياه ألا تقدما لأي من الشخصيات التي لا تحكم عبر الوسائل الديمقراطية أعمالا سينمائية، لكن المخرج “توفيق صالح” حنث بالعهد وصّور فيلم “الأيام الطويلة” ؟!
في كل لحظة من الأسئلة مع “معمر القذافي” والأجوبة “مني” يتمثل أمامي “توفيق صالح” زميلي الذي اتفقنا أنا وإياه ألا نسقط وألا نشتغل على أفلام عن أولئك ، لكنه أخرج فيلم “الأيام الطويلة” عن صدام حسين فكان يحضرني في كل لحظة وأنا أحاور معمر القذافي، إذ كيف أرفض شخصية في بلدي وأخرج فيلما عن شخصية أخرى في بلد آخر .. فكانت صورة توفيق صالح أمامي طوال فترة حواري مع القذافي مع العلم أن توفيق صالح اعتذر مني بعد ذلك بمدينة “بولونيا في إيطاليا” وأدلى لي بأسرار خطيرة خلال إخراج الفيلم وما بعد الفيلم، وكانت تلك الأسرار مادة لمقالتي في صحيفة (القبس) الكويتية والتي كانت بمثابة دراسة سيكولوجية عن تلك الشخصية!
•لحظات التفكير العميقة أثناء حوارك مع “القذافي” كانت تهدف إلى الرد على توفيق صالح أم أنك كنت تستشعر خيانة الموقف ، وأنت أمام شخصية لا تمارس الديمقراطية في حكمها ـ كما ترى ـ ؟!
القذافي وضع 18 مليونا تحت تصرفي ولكني اعتذرت منه بأن قلت له إنني أفضل مخرج عربي وأنا معجب بنفسي وأنا أحسن من يستطيع أن يكتب سيناريو قصتك “الفرار إلى جهنم” إلى فيلم سينمائي ولكن من أجل انتشار القصة اقترحت عليه أن يسندها إلى المخرج اليوناني “كوستا غافراس” وحينها كان “كوستا غافراس” وبعد فيلمه الشهير “زد” عمل فيلم “حنا – ك” في عام 1983، وبدأت الصهيونية وبدأ العالم يحاربه لأنه انتصر في هذا الفيلم للقضية الفلسطينية وتوقف عن العمل بعد هذا الفيلم وصار يعاني .. فأخبرته أنه مخرج عالمي وهي فرصة سانحة أن يستفيد منه ويفيده، كما اقترحت عليه أن تمثل الممثلة البريطانية (فانيسيا رودغريف) وكانت في حينها قد ربحت الأوسكار عن فيلم “جوليا” عام 1977 لكنها بعد هذا الفيلم أنتجت فيلما وثائقيا عن فلسطين، عنوانه “الفلسطينيون” وبدأت السلطات البريطانية تحاربها وحملتها الكثير من الضرائب التي لم تستطيع دفعها ودفعها لها معمر القذافي .. لذلك كان الاختيار كونها حصدت جائزة أوسكار، وهي ممثلة عالمية، وبهذه الطريقة انسحبت من تصوير فيلم قصة “القذافي” بطريقة مؤدبة؛ لأنني لم أستطع التحدث مع قائد استدعاني ساعة ونصف لحوار عميق، وفتح لي أبواب ليبيا، وقال لي : “خذ ما تريد وهذا بلدك!”، لكنني انسحبت وكنت في أمس الحاجة إلى 100 دولار وليس إلى ثمانية عشر مليونا .. الحياة موقف! وصراحة كانت فكرة القصة جميلة، وهي تتحدث عن قائد قرر أن يحرر شعبه ولكن بعد أن حرر شعبه فقد هو حريته الشخصية. القذافي يحب السينما، ويشاهد الأفلام، وذات يوم وأنا في اليونان جاءتني مكالمة ألزمتني أن أتوجه إلى طرابلس؛ فقطعت تذكرة وذهبت، وكانوا ينتظرونني في المطار، فأخذوني من المطار إلى صالة سينما، وطلبوا مني مشاهدة فيلم “الرجل الذي رأى الغد” وبعد أن شاهدت الفيلم أخبروني أن القائد معمر القذافي شاهد الفيلم ورغب أن أشاهده أنا ، ولهذا السبب استدعوني، وسألوني عن رأيي في الفيلم؛ فقلت لهم : إن هذا الفيلم هو تمهيد نفسي لجمهور الغرب لقصف ليبيا، وقصف معمر القذافي شخصيا! وسألوني عن الشركة المنتجة؛ فقلت لهم : هي شركة كانون، وهي شركة ممولة بأموال إسرائيلية. بعد ثلاثة أشهر قصفت ليبيا واستهدف معمر القذافي، الذي نجا من القصف وماتت ابنته.

• يقال إنك غادرت العراق قبل إنجاز فيلمك “بيوت من ذلك الزقاق” هل فعلا الفيلم لم ينجز؟ ولماذا كان جزءا من أسباب كثيرة دعتك للمغادرة؟ ما الذي جرى في المشاهد الأخيرة ؟!
أنا غادرت العراق والفيلم قد أنجزته كاملا، وشاهده طارق عزيز وزير الثقافة، ومعه ناصيف عواد عضو القيادة القومية لحزب البعث بحضوري وبحضور مدير السينما، أهم مشهد ارتعب منه طارق عزيز وهو اغتيال الصحفي والمصور في ساحة التحرير أمام نصب التحرير للفنان “جواد سليم” صورته بطريقة فنية دقيقة ومؤثرة توضح كيف تغتال المخابرات الصحفي الذي يكشف الواقع، هذا المشهد استفز طارق عزيز جدا وطلب مني إعادة تصوير المشهد ولكن ليس أمام نصب الحرية في ساحة التحرير … فرفضت تغيير المشهد في مكان آخر، وبعدها بفترة قال لي طارق عزيز : إن صدام حسين يريد مقابلتك، يريد أن يقدم لك هدية فيلا وسيارة ووظيفة في شركة كبيرة في الكويت؛ لتصبح رئيس مجلس إدارتها، وحدد يوم الجمعة الساعة 11 موعدا للمقابلة .. أنا كنت مرعوبا، أنتظر ذلك اليوم، وصدفة جاء القائد الفلسطيني “جورج حبش” والتقيته وأنا مسؤول قسم السينما في الجبهة الشعبية التي يقودها، وكتبت له ورقة أني أريد مقابلته خارج الغرفة خوفا من التسجيلات، وأخبرته أن عندي مقابلة يوم الجمعة مع صدام حسين، وينبغي أن أغادر العراق بأي شكل من الأشكال قبل الموعد، وساعدني بعمل تأشيرة وتذكرة من السفارة الليبية وبعثني مع وفد من مكان خاص بالفلسطينيين في المطار، وفي الساعة السابعة غادرت العراق وأصبحت في ليبيا. بحثوا عني في كل أنحاء العراق ولم يجدوني، وجاءتني المخابرات العراقية من السفارة العراقية في طرابلس الساعة الثانية عشرة ليلا بالفندق، وطلبوا مني الامتثال لبرقية أتت من العراق، تطلب مني العودة، فرفضت … إذن الفيلم مكتمل لكنهم أتوا بعد ذلك بمخرج آخر لعمل مشهد تافه جدا عالجوا فيه الموضوع بطريقتهم!
• .. لو تجاوبت مع تلك الشخصيات التي لا تحبها وتصفها بأنهم “ديكتاتوريون” لنلت معظم ما كنت تتمناه؟
حينما غادرت العراق عام 1969، وبعد اعتقالي، واختياري بيروت محطة نحو مكان ما، صرت أنام على البحر 15 يوما (قبل أن أتعرف على غسان كنفاني) بعد أن نفد ما معي من المال القليل أصلا، وصرت أنام على البحر، وآكل القليل من الطعام “قليل من الطعام وكثير من الحرية” وكنت سعيداً جدا. أنا الآن أنام على وسادة خالية، ومرتاحا وأحمل هموما ثقافية، وأعمل على إعادة أفلامي القديمة، وأقوم بإصلاحها للأفضل، وأحذف الأخطاء التي بها، وآخر ما قمت به ترميم فيلم “الأهوار” الذي أحرقه طارق عزيز، وقد عرض في البرتغال، وكان قد حاز على ست جوائز، وهذه المرة الأولى التي يتم فيها عرض فيلم لمرتين في المهرجان.

• عودة إلى غسان كنفاني وهو صديقك الجديد وأنت تنام دون مأوى على شواطئ بيروت … كيف تشكلت هذه العلاقة ؟
عندما ذهبت إلى بيروت كنت بصدد الذهاب إلى “أبوظبي”؛ للعمل، ولكن عندما تعرفت على غسان كنفاني، قال لي : لماذا تذهب إلى الخليج؟! … تعال هنا في فضاء الثورة التي ينتمي لها كبار العالميين والثوار والرسامين، وإن أردت الموت، فأنت تموت في الهواء الطلق، وليس في زنازين المخابرات يتلهون في تعذيبك!؛ فأنتميت للثورة العالمية … وفي أول اجتماع في الجبهة الشعبية مع (جورج حبش) شرحت لهم أنه لا بد من تأسيس قسم سينما، فتردد جورج حبش بداعي أن الناس سوف تردد أن الجبهة الشعبية انشغلت بالأفلام، وبعثرت أموال الجبهة، أقنعنا جورج حبش، أنا وغسان كنفاني، وقلت له: أنا أريد تصوير فيلم وثائقي .. أنا عشت في مخيم “النهر البارد” ورأيت النساء يغسلن الصحون والملابس، وفكرت في عمل فيلم وثائقي عن هذه المعايشة، ذهبت إلى جورج حبش، وأبلغته أن الفيلم يحتاج إلى أربعة آلاف ليرة لبنانية… في حدود ألفي دولار … فتمت الموافقة، وبالصدفة أحيانا الجبهة لا تصلها المساعدات المالية من ليبيا والعراق والخليج أو من الصندوق القومي الفلسطيني، فتأخر دفع المخصصات لمنتسبي الجبهة الشعبية في المخيمات؛ فانتشرت الدعاية عن شخص جاء من العراق، أخذ مبالغ الجبهة؛ وأصبح يصور بها أفلاما! … كانوا ينظرون إلي بنظرة لا تنطوي على الود، إلى أن وصلت المخصصات، وتم دفعها لهم، وحين عرض الفيلم واشتهر، ورفع العلم الفلسطيني في المهرجانات السينمائية لأول مرة في العالم، ترجمت المقالات، فصارت السينما ظاهرة في المخيمات، فكنت حين لا أذهب إلى المخيمات وأعرض الأفلام، تصل رسائل للقيادة فحواها: أين قاسم حول؟!

• كيف أثرت عليك حادثة اغتيال كنفاني؟ وما أهم المحطات التي تتذكرها قبل رحيله؟ ومن هو غسان كنفاني بالنسبة لك؟
غسان كنفاني أصبح صديقي ، فنحن نقضي وقتا في المجلة، ونذهب أحيانا خارج المجلة؛ لتناول الطعام، وصرنا قريبين من بعضنا. قبل اغتياله ببضعة أسابيع، قال لي: سوف يتم اغتيالي!، سألته: كيف عرفت ذلك؟! فأجابني أن مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة ذكرني بالاسم واعتبر مقالاتي في مجلة الهدف تهديدا لأمن إسرائيل. قلت له: لماذا لا تعتمد مرافقين؟ … فضحك، وقال : كيف أستطيع أن أمشي بحريتي، وأنا أشعر أن ثمة من يحميني وأنني مهدد في كل لحظة؟! … وبعد ثلاثة أسابيع تم اغتياله في منطقة الحازمية في بيروت … كنا ننتظره كل صباح في مقر المجلة في الساعة التاسعة والنصف، ولكن جاءنا الخبر المرعب باغتيال ذلك الكاتب الرائع، والإنسان الجميل، وأصبنا بالوجوم، كما الغزلان حينما يتقدمهن الوعل ليستطلع النبع فيرشف من الماء وتأتي لترتوي، ولكن حين يتمكن الصياد من اغتيال الوعل، فإن الغزلان تصاب بالوجوم ولا تتحرك … هكذا أصبنا بالوجوم، حين اغتالوا غسان كنفاني … تعلمت منه الكثير في إدارة العمل، وتعلمت منه عنونة المقالات الصحفية، وعنونة القصص والروايات، وتعلمت منه بناء الرواية، وبناء المقالة الصحفية، وتعلمت منه المحبة، وتعلمت منه الموت في الهواء الطلق!

• أنت ـ كما ذكرت في حواراتك السابقة ـ متيم بالسينما الوثائقية، حدثنا بداية عن نشوء هذه السينما وكيف تبلورت منطلقاتها ؟
أعجبني تعبير “متيم”، فأنا معجب كثيرا بالسينما الوثائقية ، وتبلورت عندي فكرة السينما الوثائقية بعد أن تأسس في مدينة (لايبزغ) في ألمانيا مهرجان لايبزغ للأفلام الوثائقية، لوضع أسس السينما الوثائقية بشكل علمي والبحث في إيجاد مفردات لغة التعبير السينمائي للفيلم الوثائقي؛ لأن هذا الأخير لم تكن قد تبلورت لغته التعبيرية، كما هو الفيلم الروائي الذي توجد له أسسه الدرامية والبنيوية و…إلى آخره ، وعندما تشكل في عام 1955 المؤتمر في ألمانيا حضره المخرج الهولندي الشهير”يوريس إيفنز، والمخرج البريطاني جريرسون، والسينمائي سانتياغو آلفارز من كوبا، والوثائقي كرستينسن من الدنمارك ومن ألمانيا المخرجة تورينداك، وحضره عربي من الجزائر وهو محمد لخضر حامينا، وحضره الناقد الياباني يامادا” وكل هؤلاء وقعوا وثيقة تأسيس الفيلم الوثائقي وكتبوا إلى بيكاسو رسالة، طلبوا منه فيها أن يستخدموا حمامته شعارا للمهرجان، فوافق بيكاسو، على أن تكون شعارا للمهرجان، وهي الجائزة التي تقدم تحت شعار “أفلام العالم من أجل سلام العالم” أنا حزت حمامة بيكاسو الفضية عن فيلم “بيوتنا الصغيرة” عام 1974 .. وبالرغم من أنني مولع بالفيلم الروائي لما يمتلكه من سحر الحلم في المشاهدة، لكنني متيم كما عبرت بالسينما الوثائقية، ليست أية سينما وثائقية، فهناك أفلام وثائقية يشاهدها الإنسان كما الحلم الجميل … للمناسبة تبلورت لدي نظرية علاقة السينما بالحلم. وكانت تلك محاضرتي في قليبيا بتونس بعنوان “السينما حلم الواقع” بعد أن تم تكريمي هناك.

• خلف كواليس هذا الحوار تحدثت عن رغبتك في استثمار التجربة الوثائقية في السلطنة من خلال ثنائية النخلة والموسيقى .. أين وصل هذا المشروع وكيف كانت ردود المسؤولين حوله؟
أنا من متابعي سهرات “الفرقة السيمفونية السلطانية العمانية”، التي تبث من تلفزيون سلطنة عمان. وأنا معجب بهذه التجربة أيَّما إعجاب. ومن خلال متابعاتي لبعض برامج التلفزيون العماني شاهدت لقاء بين جلالة السلطان قابوس وهو يلتقي بالشعب في إحدى جولاته، وقال لهم كلمة عظيمة وهي “إن منظر نخلة ذابلة لا يسر النظر” سمعتها، وفي وطني قطعوا رؤوس النخيل، وتركوا كل نخيل العراق ذابلة. فكرت أن أعمل فيلما وثائقيا عنوانه نخلة عمان وكتبت المعالجة السينمائية وكنت أريد أن تكون الموسيقى للفرقة السيمفونية السلطانية، وأرسلت الفكرة إلى وزارة التراث والثقافة ولم أتلق ردا … وحزنت. كنت أريد أن أعمل فيلما يشبه السيمفونية البصرية مدعمة بالسيمفونية الصوتية، شيء يشبه فيلم “المطر” الوثائقي للهولندي يوريس إيفنز، أتمنى أن يقرأ هذا الحديث المسؤولون في السلطنة، عسى أحقق هذا الحلم البصري الصوتي.

• عودة إلى فيلم “الأهوار” ماذا يشكّل لك وكيف انطلقت فكرته وتنفيذه ؟
فيلم “الأهوار” … أنا من الريف، وكما قلت من عائلة فقيرة جدا، وتحت مستوى خط الفقر حد الفاقة، لم أذق طعم اللحم لسنوات ، ولم أذق الفاكهة لسنوات … فقيرة معدمة، وكان يسحرني الريف والأنهار التي كانت تمر علينا، ينبت فيها الورد الأزرق والأصفر والأبيض عندما نسير بالزورق “المشحوف” في الأنهر والجداول المتفرعة من نهر الفرات، نسير في نهر من الورد، كانت تلك أجمل الذكريات الانطباعية التي تركت فينا الجروح. تلك المياه كلها تصب في منطقة الأهوار فأتيحت لي فرصة الذهاب بالزورق إلى منطقة الأهوار من نهر الفرات إلى أهوار الفهود والجبايش، وكنت أسمع الأغاني الجميلة التي يؤديها أبناء الأهوار بأصوات جميلة وغناء ساحر وشعر ساحر جدا … انطبعت هذه الصورة في ذاكرتي مذ كنت صغيرا، دون أن أعرف هذا التاريخ لمن يعود، ولم أكن أعرف أنه يعود إلى أكثر من سبعة آلاف عام، حيث تعود للعهد السومري. وعندما غادرت الريف للمدينة، ثم ذهبت للمدرسة، وصرت مسرحيا وسينمائيا وأسست فرقة مسرحية، ومؤسسة سينمائية، وأصدرت مجلة سينمائية، وكلها تحمل عنوان (اليوم)، فرقة مسرح اليوم، ومؤسسة أفلام اليوم، ومجلة السينما اليوم، حتى حدثت لي مشكلة سياسية مع السلطة؛ فغادرت والتحقت بالمقاومة الفلسطينية.

____________

في الجزء ( 2 ) من حواره لـ “الوطن” قاسم حول يسرد رفض بريمر طلبه لقاء صدام حسين !


تاريخ النشر: 21 فبراير,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/316923

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014