الإثنين 18 مارس 2019 م - ١١ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / 
رؤية جديدة للمنطقة وتساؤلات مشروعة


رؤية جديدة للمنطقة وتساؤلات مشروعة

خميس بن عبيد القطيطي:
انفض تجمع وارسو الدولي الذي جمع تحالفا دوليا مكونا من 60 دولة بممثليها الذين اجتمعوا هناك لأهداف مشتركة وفق رؤية مشتركة، هذا الحدث الأبرز على الساحة الدولية، بل إنه قد يعتبر لاحقا مفصلا من مفاصل التاريخ السياسي للمنطقة العربية والعالم أجمع، وهو فرز عالمي طبيعي للتوجهات الدولية يقسم العالم بين محورين، وقد أتى هذا المؤتمر ليعلن عن تحالف عربي ـ إسرائيلي، ما يعد سابقة تاريخية خطيرة وغير متوافقة مع العقل والمنطق، فكيان الاحتلال الصهيوني الذي مارس جرائم مشهودة أمام سمع وبصر العالم في حق شعبنا العربي الفلسطيني وقد ابتلع الحقوق التاريخية العربية، اليوم يقف الفلسطينيون بمفردهم في مواجهة رؤية جديدة للمنطقة تتمثل فيما سمي بـ”صفقة القرن”، ولكنه ما زال يتمسك بخيار قوي وثابت يمثل المعيار الحقيقي في مواجهة الأحداث والتداعيات، ووقد انحصرت أجندة مؤتمر السلام والأمن في الشرق الأوسط في مسارين أولهما تأليف حلف عربي مع الاحتلال الإسرائيلي لمواجهة ما يسمى “خطر إيران”، وهذا المسار لا يقصد منه سوى تعزيز العلاقات والتحالف العربي “الإسرائيلي”؛ لأن إيران قادرة على الدفاع عن نفسها. والمسار الثاني هو التنسيق على هامش المؤتمر حول ما يسمى بـ”صفقة القرن” التي تعتبر في الأساس هي الهدف الرئيسي المخطط له من قبل الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، والأهم من ذلك هو إفرازات هذا المؤتمر من تطبيع وعلاقات طبيعية وصلت إلى مستوى التحالف مع كيان كان حتى الأمس القريب يمثل العدو التاريخي للأمة العربية ـ وسيظل كذلك لدى الشعوب العربية مهما تم تجميل صورته. فهو يمثل كيان احتلال مارس كل الجرائم بحق الأطفال والنساء والعجزة، ونفذ عمليات عسكرية همجية في حق الشعب الفلسطيني، وهو الكيان المحتل لأراضي فلسطين التاريخية، وهو الكيان الذي مارس الكثير من الاجتياحات والاعتقالات والاغتيالات بحق فلسطين وشعبها، مع استمرار وتيرة الاستيطان وبناء الجدار العازل الذي قضم أراضي جديدة وحاول ضمها خلال العقود الماضية، ولكن الجهود الدولية لم تتح له المجال لسرقة أراضٍ جديدة، وبقيت تلك الأوضاع معلقة ليأتي اليوم مؤتمر وارسو من أجل تشريع انتزاع مزيد من الحقوق الفلسطينية.
وللتذكير بما سمي بـ”صفقة القرن” هي عبارة عن خطة أميركية نسقتها الولايات المتحدة مع الطرف “الإسرائيلي”، ورغم أنه لم يعلن عنها انتظارا للانتخابات في إسرائيل، ولكنها بصريح العبارة هي خطة واضحة أمام الإعلام العربي والدولي، وقد أوضح بعض تفاصيلها مستشار البيت الأبيض جاريد كوشنير في أكثر من مناسبة، وهذه الصفقة اختصارا تعني تجزئة فلسطين إلى ثلاثة أجزاء؛ جزء في قطاع غزة والذي يراد له التمدد في شمال شبه جزيرة سيناء بما يعادل 720 كيلومترا مربعا على ساحل المتوسط ليمثل الجزء الثاني أو الثالث من فلسطين، مع وعود برفع المستوى الاقتصادي الفلسطيني، وسيبقى الجزء الأول وهو ما تبقى من الضفة الغربية بعد استقطاع ما نسبته 12% من أراضيها قامت عليها المستوطنات، وتضم ما يقرب من 290 ألف مستوطن صهيوني على غلاف الضفة الغربية أو في محيطها، وهذه المساحة تعادل نفس المساحة المخطط ضمها لفلسطين من سيناء مع تعويض مصر بمساحة من الأرض في صحراء النقب بنفس المساحة أيضا، وتقديم منح مالية واستثمارية لهذه الدول الثلاث ورفع المستوى الاقتصادي حسب ما يسوق لهذه الصفقة إعلاميا، وهنا فإن الجانب الرسمي العربي لا ينكر هذه الخطة ويسميها رؤية جديدة للمنطقة، وهذا إقرار واضح ودليل على قبول هذه الصفقة التي تقطع فلسطين إلى أجزاء ثلاثة لا يربط بينها رابط أو منفذ، وبالتالي يتغير كليا شكل المنطقة وينتهي حق العودة إلى الأراضي التي هجر منها أبناء الشعب الفلسطيني، وتتعرض مدينة السلام (القدس الشريف) أيضا إلى تغيير من خلال توسيع الاحتلال ضم أراضٍ جديدة من الأحياء القديمة كحي سلوان وحي الشيخ جراح وجبل الزيتون والبلدة القديمة، مع إبقاء بعض الأحياء القديمة لصالح العرب الفلسطينيين .
يرى المجتمعون في وارسو أن هذه الرؤية الجديدة تمثل خطة استراتيجية لإحلال السلام والأمن في المنطقة وتحقق لفلسطين نتائج إيجابية، وتحسن الوضع الاقتصادي الفلسطيني والعربي المجاور، وتحدث تعايشا سلميا مع الكيان العبري أو الدولة اليهودية ـ كما يريدها الإسرائيليون ـ وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تقوم على أسس عنصرية. والحقيقة إن هذه الخطة تنسف كل جهود السلام الدولية التي بذلت من قبل لتطبيق القرار 242 أو القرارات الدولية ذات الصلة، وأن الجدار العنصري الفاصل سيصبح حقيقة واقعة وبتشريع رسمي عربي وموافقة عربية، وتصبح المستوطنات أمرا واقعا تقع في أراضي الاحتلال الصهيوني وبتشريع وموافقة عربية أيضا وفقا لهذه الرؤية، وبالتالي فإن كل ما يتعلق بالجدار والمستوطنات وقضم أراضي الضفة الغربية ستقدم على طبق من ذهب لكيان الاحتلال في هدية تاريخية تشبه إلى حد كبير اتفاقية كامب ديفيد، وهي بالفعل كذلك بل هي أسوأ منها !!
هناك عدد من التساؤلات المشروعة التي لا بد أن نقدمها للنظام الرسمي العربي ونترك إجابتها للجماهير العربية، وهذه التساؤلات تتلخص فيما إذا كان النظام الرسمي العربي قد شارك في إعداد هذه الرؤية الجديدة للمنطقة أم لا؟ وهل هي تخدم القضية الفلسطينية أم أنها في حقيقتها معدة من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وتخدم ما يسمى إسرائيل؟؟ وما هي تأثيرات هذه الصفقة على القضية الفلسطينية؟؟ وهل طلب الشعب الفلسطيني من العرب السعي في تقديم مثل هذه الرؤى وهم أصحاب القضية وهم من دفع التضحيات في سبيلها؟ وهل كانت الولايات المتحدة منذ قيام كيان الاحتلال تبحث عن مصالح العرب والفلسطينيين أم أنها معنية بالحفاظ على أمن إسرائيل؟ وهل الممانعة العربية والدولية التي حدثت ضد الاستيطان خلال السنوات الماضية ومسألة ضم أراضٍ من الضفة الغربية من خلال (المستوطنات والجدار الفاصل) والجهود التي بذلت في هذا الصدد، هل سيتم نسفها من خلال هذه الخطة وما تمثله هذه الرؤية الجديدة من تغيير للواقع الجغرافي والديمغرافي الفلسطيني؟! والسؤال الأهم هنا: هل إسرائيل هي طرف جاد وموثوق في العهود والمواثيق أم أنها بمقابل ما تنتظر الحصول عليه اليوم ستضع مخططا جديدا للمستقبل يمثل خطة جديدة أخرى ستعلن في حينها كما كانت مراحل احتلال فلسطين؟!
إن التوازن في الطرح بين الرأي العام المحلي والموقف الرسمي أمر صحي ولا يضير السياسات الخارجية لأي دولة، بل ينبغي أن يكون متوازنا مع الموقف الرسمي، بل إن الرأي العام العربي قد يساعد السياسات الخارجية للدول العربية المجتمعة في وارسو، ويمكن توظيفه مستقبلا في صالح المواقف الرسمية إن دعت الضرورة، ومن هنا فلا شك أننا سندعم كل توجه يخدم القضية الفلسطينية، ويوافق عليه الفلسطينيون أنفسهم من خلال استفتاء فلسطيني. أما التحدث نيابة عنهم فهو تجاوز لحقوقهم التاريخية وتجاهل لتاريخ القضية، وسيظل الشعب الفلسطيني هو أداة التغيير في كل مراحل الصراع والتاريخ خير شاهد على تلك الحقائق .

إلى الأعلى