الإثنين 24 يونيو 2019 م - ٢٠ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / زفاف في أحضان الروايات

زفاف في أحضان الروايات

جودة مرسي

سيظل الحبر هو الحقيقة كما سيظل العالم الورقي هو العالم الذي يشتاق إليه كل باحث عن المعرفة، وبعيدا عن أنها معرفة موثقة ومختومة بختم الحقيقة إلا أنه سيظل هو العالم المفضل للكثيرين، عالم القراءة ذلك العالم السحري الذي يأخذك إلى الخيال والواقع في آن واحد حين يكون السرد واصفا لشخصيات خيالية، أو واقعية، أو مزيجا من كليهما، ولهذا العالم عشاق يؤمنون بعالمه إيمانا يبلغ من العشق منتهاه، فيتخذون من الكتاب أو القصة هدية لمن يحبون تعبيرا عن مدى الانتماء والاعتزاز وإن كان اختيار ما تحتويه الرواية مختلفا من شخص إلى آخر حسب طبيعة المهدى إليه، فمنهم من يروق له إهداء رواية دينية أو رومانسية أو عاطفية أو بوليسية أو تاريخية .. إلى آخره من شتى أنواع الروايات.
إلا أن ما قام به الروائي التونسي سامي المقدم قد فاق كل الأساليب التقليدية لإتمام مراسم الزفاف، فاتخذ أسلوبا فريدا عبر من خلاله عن إيمانه بعالم الثقافة والأدب فاتخذ من المكتبة محرابا ليدعو فيه الأقرباء والأصدقاء لإتمام زفافه على الطبيبة القارئة سنية الباهي بين أحضان الكتب والروايات في إحدى المكتبات بضاحية المرسى بالعاصمة التونسية، ويا لها من فكرة ويا لها من بداية عبقرية لبدء فصول الحياة الأكثر أهمية بين الثقافة والأدب، لكي يكون حفل زواجه مثل الرواية التي تحوي أطول القصص وأكثرها إثارة، حيث الحضور وهم تقريبا الشخصيات التي تشملها الروايات، فيكونوا شاهدين على وقائع الزواج، مع أطباق العشاء الذهني لعناوين خزانات المكتبة، وبعيدا عن حفل الزفاف الفريد في فكرته وفصوله، لا نستطيع إلا أن نقر بأن القراءة هي أفضل السبل لبناء الشخصية في تنوعها مع تنوع القراءة بشرط أن يكون لعالم من الأدباء والكتاب أصحاب الخبرة والثقة في أمانة تسجيل الحدث والباع الطويل في السرد المشوق، لما للقراءة من جلالة تسهم في إثراء المخزون المعرفي بعرضها للأحداث والتواريخ المحاطة بالكثير من الشخوص، وعرض المعارف والأحداث والتي قد نكون نجهلها ونجهل أحداثها وتواريخها فيكون التوثيق عن طريق الرواية، كما أنها تمكننا من الاطلاع على أحوال الناس وطبائعهم في تلك الحقبة الزمنية أو الجغرافية، كما أنها تتيح لنا السفر بدون حقائب أو تأشيرة دخول أو وسائل تنقل فقط ومجانا ترحل بنا إلى أماكن متعددة وتفتح مجالات الخيال لنتعرف على الطبيعة بجغرافيتها المختلفة وتضاريسها البيئية.
ولأن الأولى بالقراءة هي القراءة الورقية والتي يجد فيها القارئ متعته، خصوصا إذا كان القارئ متكئا في فراشه أو على أريكته فيذوب عشقا في روايته ويشعر بالمتعة كل المتعة حين يتابع فصولها وينتهي من قراءتها ويبحث عن أخرى لتستمر رحلة الاستمتاع.
إن القراءة من أفضل النشاطات اليومية التي يجب المحافظة عليها، وأتفق مع من يعتبرون قراءة الروايات هي الطرق الأوقع لتربية الأبناء على عالم المعرفة والثقافة لما تتيحه من تمكين لقدرات الكتابة والتعبير والتعود على حسن الوصف واللغة. كما أنني أختلف شديد الاختلاف مع من يعتبرون قراءة الرواية هي إحدى وسائل قضاء وقت الفراغ، وهذا اعتبار خاطئ لأن القراءة بشكل عام وقراءة الرواية بشكل خاص لها فضل كبير في الرقي بحس القارئ مع إعطاء المعرفة على اختلاف أنواعها.
فإذا كان لا يمكننا الاقتداء بفكرة الروائي سامي المقدم بإتمام أهم حدث في حياته في حضن الكتاب والرواية فيجب على الأقل أن لا نهمل عادة التعود على التثقيف والمعرفة بإتاحة الوقت من يومنا للقراءة، وخصوصا القراءة الورقية بعيدا عن إلكترونيات التاب أو اللاب؛ لأن المتعة الحقيقية هي أن تمسك الرواية أو الكتاب أو الجريدة بين يديك وتتنفس عبق أحبارها لتقرأ وتغوص في عوالم المعرفة، وتنهل كل مفيد وجديد تجعله مخزونا في الذاكرة تستدعيه في أي وقت تشاء، ونصيحة لمن يعاني من الأرق فعليه بالقراءة، فقد ذكرت إحدى الدراسات الكندية أن القراءة تساعد على النوم الهادئ لما تقوم به من تدريب الدماغ والحد من التوتر وتقوية الذاكرة.

إلى الأعلى