الثلاثاء 25 يونيو 2019 م - ٢١ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دواعش الغرب

دواعش الغرب

د.احمد مصطفى

ملخص النداء الأميركي لدول الغرب: “خذوا دواعشكم وإلا أطلقناهم”، مع تفصيل بأن الولايات المتحدة لا ترغب في أن ترى “هؤلاء الإرهابيين يعيثون دمارا في دولهم” التي يحملون جنسياتها. ويتعلق الطلب الأميركي بحوالي 800 من المتطرفين الذين انضموا للجماعات الإرهابية في سوريا وأسرتهم قوات سوريا الديموقراطية (ميليشيا كردية في أغلبها) التي تحارب تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وهي قوات مدعومة أميركيا. لكن أعداد الإرهابيين الذين يحملون جنسيات دول غربية أكبر من ذلك بكثير وربما يزيد عن ضعف هذا العدد، بعضهم خرج من سوريا والعراق وكمن في تركيا وبعضهم ذهب إلى بؤر إرهاب أخرى في إفريقيا أو آسيا أو حتى هرب إلى بعض دول أوروبا. ويأتي الطلب الأميركي للدول الغربية أساسا لرغبة الولايات المتحدة في التخلص من عبء هؤلاء الإرهابيين، إذ لا تريد واشنطن حتى نقلهم إلى معتقل جوانتانامو الشهير.
ما يثير الاهتمام حقا هو ذلك الجدل الدائر في بريطانيا حول عودة هؤلاء، وركزت الضوء عليه حالة المراهقة شميمه بيجوم – التلميذة اللندنية التي ذهبت مع غيرها إلى سوريا وتزوجت من داعشي آخر وحملت منه لتضع مولودها قبل أيام. ومع اندحار “داعش” وأسر من لم يفر أو يقتل من الإرهابيين، تعيش الأم الداعشية مع وليدها في معسكر للأسرى (أو اللاجئين كما تصفه الصحافة البريطانية) وتسعى للعودة إلى أسرتها في لندن. وفي مقابلة مع وسائل إعلام بريطانية دافعت شميمه عن نفسها بأنه لا دليل على أنها تمثل خطرا، وبررت انضمامها لـ”داعش” بأنها “أغريت بالفيديوهات الجهادية” ولم تكتشف حقيقة الوضع إلا بعد مدة. وتطلب تعاطفا من الناس مع حالتها، وكذلك أسرتها التي تريد استعادتها. ولذلك الجدل في بريطانيا أكثر من مستوى، يمكن بتعسف وصفهما بالمستوى الرسمي (القانوني) والمستوى الشعبي العام (وضمنه الإعلامي).
على المستوى الرسمي تخشى الأجهزة الأمنية من عودة هؤلاء الدواعش، وترى أنهم يمثلون خطرا ـ إن لم يكن أمنيا مباشرا فعلى الأقل خطر نشر أفكار التطرف وجعلها مقبولة بين الأجيال الشابة. في الوقت نفسه، يرى القانونيون ومؤيدو الحقوق المدنية أنه لا يمكن لدولة أن تتخذ إجراء يجعل مواطنيها بلا بلد. ويجد السياسيون أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، فإذا أخذوا بوجهة النظر الأمنية سيتهمون بأنهم يخرقون القانون والدستور وحقوق الإنسان الأساسية، وإذا أخذوا برأي الأخيرين يؤخذ عليهم أنهم تجاهلوا الخطر الأمني على البلاد. ويشكل الضغط الأميركي لإدارة الرئيس دونالد ترامب على الشركاء الغربيين ليعيدوا هؤلاء المتطرفين إليهم عاملا آخر يزيد من إرباك السياسيين. ولا أحد هنا يناقش كيف لأجهزة الأمن والاستخبارات أن سكتت عن هؤلاء ولم تنتبه لخطرهم في حينه، ولا حتى حالت دون انضمامهم إلى صفوف الإرهابيين. وبالطبع لا يجادل أحد القانونيين في أن هؤلاء إنما خرقوا القانون وتجاوزوا حدود المواطنة السليمة بانضمامهم لتنظيمات إرهابية ـ حتى لو لم تكن ترتكب إرهابها على الأراضي البريطانية.
المهم والأخطر هو ما يجري على المستوى الشعبي، خصوصا وأن الجماهير العادية لا تعبأ بانضمام هؤلاء المتطرفين لـ”داعش” أو غيرها طالما أنهم يرتكبون إرهابهم في سوريا أو العراق أو غيرهما من بلاد المسلمين. وبالتأكيد، لا يهم معظم البريطانيين موضوع حقوق الإنسان وحق المواطنة القانوني طالما أن هؤلاء اختاروا الإرهاب والتطرف، خصوصا مع ارتفاع موجات الشعبوية المتطرفة والتمييز ضد البريطانيين من أصول مهاجرة وأكثر ضد المسلمين من آسيويين وأفارقة. وربما لا يعلم كثيرون أن من العوامل الرئيسية التي جعلت البريطانيين يصوتون عام 2016 في استفتاء البريكزت على الخروج من الاتحاد الأوروبي هو تصورهم أنهم “سيعيدون المهاجرين إلى بلادهم”. ولم يكن في ذهن كثيرين منهم أن القصد هو الهجرة من أوروبا، بل الهجرة بشكل عام ـ حتى هؤلاء الآسيويين والأفارقة الذين أصبحوا بريطانيين بالجنسية. ولا يتوقع أن تستجيب الغالبية من هؤلاء إلى دعوات التعاطف والتسامح التي تطلقها الزوجة الداعشية أو أسرتها، ما يشكل معضلة أخرى للسياسيين.
يبقى أن قضية شميمة بيجوم، ودواعش بريطانيا والغرب عموما، إنما تغذي حالة الإسلاموفوبيا التي تتصاعد مع المد الشعبوي وزيادة معدلات العنصرية تجاه المهاجرين والذين ينحدرون منهم من بلاد مسلمة بصفة خاصة. وللأسف الشديد، يدفع ذلك بعض السياسيين والشخصيات العامة من المهاجرين إلى المغالاة في “السلامة السياسية” Political Correctness فتكون مواقفهم عبئا على جاليات المهاجرين أكثر منها مخففة لما يتعرضون له. هذا ما يجلبه دواعش الغرب، ليس فقط من إرهاب ودمار على المناطق التي ينشطون فيها بل أيضا على المسلمين وغيرهم من بلادهم الأصلية الذين يلتزمون بالقانون ويعيشون حياة سليمة. ولطالما كانت تلك غاية لقادة التطرف والإرهاب بقصد دفع الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين لرد الفعل على الاضطهاد والتمييز ـ الذي هو في جزء منه بسبب أفعال الإرهابيين ـ بالتطرف وسهولة تجنيدهم. تلك الدائرة الجهنمية من التطرف والإرهاب ورد الفعل عليه يصعب كسرها بالتزام القانون أو برد الفعل المتطرف في العنصرية، وإنما تحتاج لنسف الحلقة الأساسية فيها: الإرهاب والتطرف.

إلى الأعلى