الثلاثاء 19 مارس 2019 م - ١٢ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الدين وعلاج الظواهر الاجتماعية المُعْوَجَّة (6)

الدين وعلاج الظواهر الاجتماعية المُعْوَجَّة (6)

والأذان يؤذن، والناس تنظر، وتقول:” ما أزكاهم!، وما أطهر سلوكهم!، إنهم يحافظون على الصلوات في مواعيدها، ويمضون إلى المساجد سريعا، والأذان يملأ طباق الأرض، وينطلق من هنا وهناك”، أما في الليل، وعند انعدام الناس فلا يخرجون من بيوتهم، ولو صدح الأذان، وملأ أجواز الفضاء، حيث لا يوجد مَنْ يراؤونه، ولا من ينتظرون ثناءَه، وتعليقاتِه، ومدحَه، وحديثه عنهم، وعن طهرهم، وعفافهم، ونبلهم، وسرعة ذهابهم إلى ربهم، وتعدُّد طاعاتهم، وكمال مظهرهم، وشدة تعلقهم بالله ومساجده، وصلواته، وعبادته.
ثم تأتي الظاهرة الأخيرة الخطيرة؛ لتختم بها السورة آياتِها:(ويمنعون الماعون)، فهم لا يعطون المحتاج شيئًا، ويمنعون خيرهم، وعونهم، ومعونتهم عن المحتاجين، والفعل المضارع (يمنعون) يفضحهم؛ حيث أبرز صفاتِهم الثابتة المستمرة، وأنها ملتصقةٌ بهم، لا تنفكُّ عنهم، ولا ينفكُّون عنها، ويدورون معها، والماعون له جذران لغويان، فهو إما من (المعن)، وإما من (العون)، من مادة مَعَنَ، والمعْن هو الشيء اليسير، كالإبرة، والفأس، والقِدْرِ، والمِقْطف، والمِقَصُّ، والمِنْجل، ونحوها من صغار الآلات التي يحتاج إليها الناس يوميًّا، وتعجب لتفاسير السلف عن الماعون، سواء من المعن، وهو ـ كما سلف ـ الشئ النزر القليل، كالملح، والماء، ونحوها من صغار الأمور، أو مأخوذ من الفعل (أعان) من العون، وهو المساعدة، والإعانة، والترابط، والتعاون، بحيث تعطيه عندما يطلب مادام عندك موفورًا موجودًا، وفي الحديث الشريف”منْ كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له”، وقِسْ على ذلك فضل المال، وفضل الصحة، وفضل القوة، وفضل المسكن، وفضل الماء، وجميع الأفضال الزائدة عن حاجتك، اسمعْ لبعض تفسير السلف عن الماعون ومعناه، يقول ابن كثير في تفسيره: أيْ لَا أَحْسَنُوا عِبَادَة رَبّهمْ، وَلَا أَحْسَنُوا إِلَى خَلْقه، حَتَّى وَلَا بِإِعَارَةِ مَا يُنْتَفَع بِهِ، وَيُسْتَعَان بِهِ مَعَ بَقَاء عَيْنه، وَرُجُوعه إِلَيْهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لِمَنْعِ الزَّكَاة وَأَنْوَاع الْقُرُبَات أَوْلَى وَأَوْلَى، وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ عَلِيّ: الْمَاعُون الزَّكَاة، وَكَذَا رَوَاهُ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ عَلِيّ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ اِبْن عُمَر وَبِهِ يَقُول مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة وَسَعِيد بْن جُبَيْر، وَعِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَالزُّهْرِيّ وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَابْن زَيْد قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ: إِنْ صَلَّى رَاءَى، وَإِنْ فَاتَتْهُ لَمْ يَأْسَ عَلَيْهَا، وَيَمْنَع زَكَاة مَاله، وَفِي لَفْظ:(صَدَقَة مَاله)، وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ:(هُمْ الْمُنَافِقُونَ، ظَهَرَتْ الصَّلَاة فَصَلَّوْهَا، وَخَفِيَتْ الزَّكَاة فَمَنَعُوهَا)، وَقَالَ الْأَعْمَش، وَشُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ يَحْيَى بْن الْخَرَّاز:(إنَّ أَبَا الْعُبَيْدَيْنِ سَأَلَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ الْمَاعُون، فَقَالَ: (هُوَ مَا يَتَعَاوَرهُ النَّاس بَيْنهمْ مِنْ الْفَأْس، وَالْقِدْر)، وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ أَنَّهُ سَأَلَ اِبْن مَسْعُود عَنْ الْمَاعُون، فَقَالَ:(هُوَ مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاس بَيْنهمْ مِنْ الْفَأْس، وَالْقِدْر، وَالدَّلْو، وَأَشْبَاه ذَلِكَ)، وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن زَيْد الْمُحَارِبِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ وَسَعِيد بْن عِيَاض عَنْ عَبْداللَّه، قَالَ:” كُنَّا أَصْحَاب مُحَمَّد (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَتَحَدَّث أَنَّ الْمَاعُون الدَّلْو وَالْفَأْس وَالْقِدْر، لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُنَّ)، وَحَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْل، أَخْبَرَنَا شُعْبَة عَنْ أَبِي إِسْحَاق، قَالَ:(سَمِعْت سَعْد بْن عِيَاض يُحَدِّث عَنْ أَصْحَاب النَّبِيّ (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِثْله، وَقَالَ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ الْحَارِث بْن سُوَيْد عَنْ عَبْداللَّه: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَاعُون، فَقَالَ:(مَا يَتَعَاوَرهُ النَّاس بَيْنهمْ الْفَأْس وَالدَّلْو وَشِبْهه)، وَقَالَ اِبْن جَرِير: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْداللَّه قَالَ:(كُنَّا مَعَ نَبِيّنَا (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَنَحْنُ نَقُول:(الْمَاعُون مَعَ الدَّلْو، وَأَشْبَاه ذَلِكَ) .

د/ جمال عبدالعزيز أحمد*
* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى