الثلاثاء 19 مارس 2019 م - ١٢ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الأنبياء (23)

سورة الأنبياء (23)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الأنبياء من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
سميت ‏‏(‏سورة ‏الأنبياء) ‏لأن ‏الله ‏تعالى ‏ذكر ‏فيها ‏جملة ‏من ‏الأنبياء ‏الكرام ‏في ‏استعراض ‏سريع ‏يطول ‏أحياناً ‏ويَقْصُر ‏أحياناً ‏وذكر ‏جهادهم ‏وصبرهم ‏وتضحيتهم ‏في ‏سبيل ‏الله ‏وتفانيهم ‏في ‏تبليغ ‏الدعوة ‏لإسعاد ‏البشرية‎، وهي مكية من المئين عدد آياتها (112) ترتيبها الحادية والعشرون نزلت بعد سورة (ابراهيم)، وهي تعالج موضوع العقيدة الاسلامية في ميادينها الكبيرة: الرسالة، الوحدانية، البعث والجزاء وتتحدث عن الساعة وشدائدها والقيامة وأهوالها وعن قصص الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى:(وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ)
الرابعة: قوله تعالى:(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) أي: فهمناه القضية والحكومة، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها، وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقي كل واحد منهما على متاعه، وتبقي نفسه طيبة بذلك، وذلك أن داود ـ عليه السلام ـ رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث، وقالت فرقة: بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم، قال ابن عطية: فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت، وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة، فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث، فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي، فأتى أباه فقال: يا نبي الله أنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع، قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حال التي أصابته الغنم في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما مال إلى صاحبه، فقال داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك، وقضى بما قضى به سليمان قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما، قال الكلبي: قوم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم، وهكذا قال النحاس قال: إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث لأن ثمنها كان قريباً منه، وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضاً.?والخامسة: قوله تعالى:(وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) تأول قوم أن داود ـ عليه السلام ـ لم يخطئ في هذه النازلة، بل فيها أوتي الحكم والعلم، وحملوا قوله:(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره زيادة ولده عليه، وقالت فرقة: بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة، وإنما مدحه الله بأن له حكماً وعلماً يرجع إليه في غير هذه النازلة، وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود ـ عليهما السلام ـ ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرون عليه، وإن أقر عليه غيرهم، ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت، فأجابه الوليد (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً)، وقال قوم: كان داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) أي: بطريق الوحي الناسخ لما أوحى إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود، ولهذا قال: (وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً)، هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فورك، وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.
اعداد ـ أم يوسف

إلى الأعلى