الإثنين 24 يونيو 2019 م - ٢٠ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عودة الحديث عن قناة المتوسط والميت

عودة الحديث عن قناة المتوسط والميت

علي بدوان

في البداية، وعند التطرق لمشروع قناة البحرين المتوسط والميت، وبعيدا عن أي فوائد مرجوة منه لصالح أي بلد عربي مهما كانت درجتها، فإن السير فيه يُعزّز من مكانة دولة الاحتلال كشريك إقليمي في المنطقة، وكدولة طبيعية من دول الإقليم، عدا عن المتغيرات التي سيحدثها بالنسبة لواقع الأرض الفلسطينية، بما في ذلك الأراضي المحتلة عام 1967، ومن تجاهل لمصالح الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والهوية والجغرافيا، صاحب الماضي والحاضر والمستقبل. فالحديث يجري هنا عن الأرض الفلسطينية، بما فيها الأرض المحتلة عام 1967، وعلى الأخص منها منطقة غور الأردن، بينما أصحاب الأرض هم الغائبون عن كل هذا.
على كل حال، في خضم التفاعلات الجارية مع الطلب الرسمي الأردني المقدم منذ فترة باستعادة منطقتي الباقورة والغمر، تحاول حكومة نتنياهو من جديد، إحياء مشروع “قناة البحرين”، في محاولة لامتصاص الموقف الأردني والتفاوض على تمديد استئجار تلك المنطقتين لــ25 عاما جديدا، حيث تعتقد حكومة نتنياهو أن مشروع قناة البحرين يمكن له أن يسهم في تعزيز الدور الإقليمي للأردن، وحصوله على فوائد معينة منها ما له علاقة بتنمية مصادر المياه العذبة.
مشروع قناة البحرين، الواصلة بين البحر الأحمر والبحر الميت ليس بالمشروع الجديد، فهو مشروع قديم بين الأردن ودولة الاحتلال منذ توقيع معاهدة وادي عربة، وكان المشروع الذي أعلن عنه لأول مرة منذ أكثر من 15 عاما، وجرى الحديث حينها عن مشاريع ضخمة جدا تقام في الجانب الأردني، والدفع بما يسمى بـ”السلام الإقليمي”، ولكن بعضها قد تعطّل في أعقاب حادثة “السفارة الإسرائيلية” في عمَّان.
نتنياهو، وفي موقفه الدفين، يعارض من حيث المبدأ مشروع قناة البحرين، ويعتقد أن فوائدها لا تُبرر تكلفتها. واقترح على الأردنيين مشروعا بديلا “ميد دييد” (متوسط ميت) والقاضي بإنشاء خط أنابيب في فلسطين المحتلة يربط البحر الأبيض المتوسط ??بالبحر الميت. وفي أعقاب ذلك توجه أصحاب القرار في الأردن إلى البيت الأبيض وطالبوا الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل والضغط على نتنياهو لإتمام المشروع الأصلي، علما أن الولايات المتحدة تشارك بالمشروع وتعهدت بتمويل المشروع بملغ يقدر بـ100 مليون دولار.
في الأردن قالوا في السابق “إن اسرائيل اقترحت إنشاء أنبوب بديل من البحر الأبيض المتوسط، ولكن المملكة طالبت بحلول أوسع”، واعتبرت الموقف “الإسرائيلي تملصا وهروبا من مشروع قناة البحرين”.
وقد توقف تنفيذ المشروع لعدة أسباب، ومؤخرا وعلى ضوء ما يجري من تطورات سياسية، سربت “الحكومة الإسرائيلية” أنباء عن أنها تدرس دفع مشروع قناة البحرين إلى الواجهة مجددا، وذلك في محاولة لحل الأزمة بينها وبين الأردن وتحسين العلاقات بين الجانبين، في أعقاب الأزمة التي افتعلتها “إسرائيل” بعد إعلان ملك الأردن عبد الله الثاني، عن استعادة منطقتي الغمر والباقورة ووقف التمديد لتأجير تلك المنطقتين، في شمال وجنوب غور الأردن. فقناة البحرين من شأنها أن تضخ المياه من خليج إيلات إلى البحر الميت. في إطار الخطة سيتم نقل المياه إلى منشأة للتحلية في الأراضي الأردنية. ومياه الشرب ستنقل إلى منطقة عمَّان، ومحلول الملح سيضخ إلى البحر الميت في محاولة لترميمه ومنع انخفاض منسوب المياه فيه. وفي خطة إقامة القناة يشارك أيضا البنك الدولي.
المشروع يستهدف تعويق انخفاض منسوب مياه البحر بوتيرة حوالي متر سنويا بسبب استخدام معظم المياه التي غذت البحر من قبل المشاريع في المنطقة، وبالأساس استغلال المياه في المناطق الشمالية لنهر الأردن وفي بحيرة طبرية. وهي المياه التي كانت تصل في السابق إلى البحر الميت. ومنذ سنوات كثيرة وجنوب البحر الميت هو سلسلة برك للتبخير الصناعي، التي يتم ضخ المياه من الجزء الشمالي. في الجزء الشمالي الذي بقيت فيه مياه، فإن انخفاض منسوب المياه يحدث ظواهر خطيرة للبيئة والإنسان، مثل المجاري المائية، المصانع التي تتسبب بـ40 في المئة من انخفاض منسوب مياه البحر الميت، ولكن السبب الرئيسي كان وما زال هو استغلال المياه في أعالي نهر الأردن وبحيرة طبرية، وهي المياه المتدفقة أصلا نحو بحيرة طبريا من مساقطها شمال فلسطين المحتلة ومن جبل الشيخ ومنحدرات الجزء الغربي من الجولان السوري المحتل، حيث تستغلها دولة الاحتلال الإسرائيلي أكبر استغلال، وتمنع تدفقها الطبيعي نحو غور الأردن وصولا للبحر الميت.
وعليه، إنَّ “إسرائيل” تفحص إمكانية التقدم في مشروع قناة البحرين لغرض ترميم علاقتها مع الأردن. فتنفيذ المشروع من وجهة نظرها يُطرح الآن كجزء من سلسلة حلول محتملة للتخفيف من أزمة المياه في الأردن، قبيل المحادثات المتوقعة على مستقبل منطقتي الباقورة والغمر.
وذكر موقع صحيفة “هآرتس” العبرية أنَّ دفع مشروع قناة البحرين، الأحمر والميت، يُطرح الآن في “إسرائيل” كأحد الحلول المحتملة لتخفيف الأزمة مع الأردن، وإغرائه بزيادة تدفق المياه العذبة نحو الأردن فالاعتقاد في “إسرائيل” هو أن مساعدة الأردن في مجال المياه من شأنه أن يهدئ التوتر الحاصل بينهما، حيث تُقدّر جهات “إسرائيلية” مطلعة على “الخطة الإسرائيلية” أنه إلى جانب مفاوضات حول الباقورة والغمر، فإن الأردن سيرى بدفع مشروع قناة البحرين أنه خطوة لبناء الثقة.
إلا أن الصحيفة نقلت عن “مسؤول سياسي إسرائيلي” قوله إنه “لا يتوقع أن يؤدي دفع مشروع قناة البحرين إلى تغيير القرار الأردني المتعلق باستعادة منطقتي الباقورة والغمر”. حيث تعتقد العديد من المصادر “الإسرائيلية” أنَّ “عرقلة إسرائيل تنفيذ مشروع قناة البحرين هو أحد أسباب الغضب الأردني تجاه إسرائيل ولس كلها”. وعليه قالت الصحيفة إنه منذ إعلان الملك الأردني، تبحث “جهات أمنية وسياسية إسرائيلية” دفع مشروع قناة البحرين إلى الواجهة مجددا. ووفقا للصحيفة، فإنه على الرغم من أن غاية هذا المشروع كانت في إطار البنية التحتية والاقتصاد، إلا أنَّ “إسرائيل تعتزم محاولة تحويله إلى مشروع ذي علاقة أمنية”.
أخيرا، وفي هذا السياق، نُشير إلى أنَّ ضخ المياه في قناة البحرين سيغيّر تركيبة مياه البحر الميت، وسيؤدي إلى تطور طحالب ستصبغ البحر باللون الأحمر وكتل من الجبس تصبغه باللون الأحمر. حسب مصادر مهنية هناك أيضا خطر إطلاق غاز ثاني أوكسيد الكربون سيؤدي إلى رائحة كريهة، الأمر الذي سيمس بالطابع الخاص للبحر والسياحة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، فإن تجارب أجريت في مشاريع البحر الميت أظهرت أن الطحالب والجبس سيزعجان النشاطات الصناعية.

علي بدوان كاتب فلسطيني دمشق ـ اليرموك

إلى الأعلى