الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الرخصة والإباحية السياسية

الرخصة والإباحية السياسية

عادل سعد

هي فضيلة بحق أن يتخلى دوق أدنبرا الأمير فيليب زوج ملكة بريطانيا عن رخصة السياقة التي كان يتمتع بها منذ عشرات السنين وهو الآن بعمر السابعة والتسعين بعد أن ارتكب حادثا مروريا كان من نتائجه المعروفة تعرض الأمير جراء الحادث إلى إصابة وتعرض امرأتين في السيارة التي صدمها إلى كسور. ورغم يقيني أنه كان على درجة من التحسب لكي لا يُتهم بنقص التركيز أثناء قيادته لسيارته، فإنني على يقين إضافي أنه يحترم ما وصل إليه من هذا العمر العتي، توافقا وانسجاما صادقا مع بيان قصر بنجهام أن قراره في التخلي عن تلك الرخصة جاء طوعا، وهو عموما حصيلة شعوره بالمرارة ومحاسبة النفس على ما حصل، علما أن هناك العديد من المسنين وبذات المقاربة العمرية لكنهم ما زالوا يمارسون مسؤولياتهم الوظيفية بالمزيد من النجاح، ومنهم الطبيبة الروسية آلا ليفوشكينا التي تعمل حتى الآن في أحد مستشفيات موسكو طبيبة جراحة، وتدخل صالة العمليات وهي في غاية (المرح الشبابي) رغم أنها بلغت الثالثة والتسعين من العمر.
كما أقف احتراما لرئيس وزراء ماليزيا الحالي محمد مهاتير الذي عاد إلى الحكم بذات عمر الطبيبة الروسية ليقود بلاده على أنقاض فضائح رئيس الوزراء السابق نجيب رزاق الذي كشفت التحقيقات عن تورطه في شبهات فساد وضبطت في بيته اثنتان وسبعون حقيبة كانت مليئة بملايين الدولارات، وقد قيل إنها (هدايا)، بعضها معلومة المصدر وأخرى ما زال التحقيق يتابعها لمعرفة من أين أتت.
فضيلة دوق أدنبرا أنه أقنع نفسه بضرورة التخلي عن حق امتلاك رخصة السياقة انتباها لمسؤولياته الأخلاقية واحتراما لقناعة الرأي العام البريطاني، السؤال هنا عن سياسيين عراقيين ارتكبوا الكثير من الأخطاء، بل والفضائح وما زالوا يواصلون مسؤولياتهم بإدمان وإصرار تحت طائلة (أخذته العزة بالإثم) ناكرين أو مبررين الأخطاء التي ارتكبوها، بل إن أحزابا وكتلا طائفية ومناطقية وإثنية ينتمون إليها جعلت من وجودها (مظلات حماية) لهم رغم (سخونة) الفساد الذي ابتلوا به.
الخلاصة من ذلك أنهم تسببوا بخسائر جسيمة للعراق، وإزاء ذلك ولمن يرغب في التأكد من هذا التشخيص فليتابع أرقام تلك الخسائر في المال العام من إحصاءات تنشرها مفوضية النزاهة، بل وليضع مقاربة إعلامية عن سلسلة هروب سياسيين عراقيين فروا من البلاد آخذين (الجمل بما حمل).
لقد نُقل لي عن أكثر من سياسي عراقي واحد (لملموا) أوضاعهم وفروا تحت أجنحة طائرات متجهة إلى عواصم مجاورة وبعيدة، وأقاموا هناك قواعد إعلامية ووظّفوا حاشيات نصّبوا أنفسهم ناطقين رسميين في محاولة تمويل الفزع لدى العراقيين بإعطاء صورة قاتمة عن مستقبل بلادهم، مع التباكي أنهم ضحايا مؤامرات بأهداف شخصية (لعلسهم) وهي مفردة محلية مرادفة لمعنى إسقاطهم، بل إنني أستطيع أن أضيف من معلومات لا غبار عليها أن مسؤولين عراقيين لا يملون من الحديث عن نزاهاتهم ونظافاتهم وزهدهم، وترفعهم عن المال الحرام وطقوس الزوايا، وما يحاك على طاولات الولائم في كيفية اقتسام الغنائم، لكنهم مع كل هذه المزاعم فإن فضائحهم تزكم الأنوف، ومع ذلك لا يتورعون عن تسويق أنفسهم في أفلام إباحية سياسية مقرفة.
المؤسف، لقد أصبح التطاول على الحق العام مهنة رائجة في العراق وهناك (شخصيات) عراقية كل مجموع أوزانها لا تستطيع أن تشتري بها كلمة حق واحدة.
لقد أعطى دوق أدنبرا الأمير فيليب المثل الجيد لمن يتكئ على جروحه ونظافة النفس، فهل يستطيع سياسيون عراقيون أن يأخذوا العبرة من هذا الدرس ويتخلوا عن (الرخصة) السياسية التي منحوها لأنفسهم ويختفوا من المشهد؟

عادل سعد كاتب عراقي

إلى الأعلى