الخميس 21 مارس 2019 م - ١٤ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: بين عالمين!

باختصار: بين عالمين!

زهير ماجد

يحتاج الكاتب الروائي إلى خيال في كتابته، شخصياته من الواقع وربما أيضا أفعالها، لكن بحاجة إلى أن يعطيها أبعادا مدروسة قد يلعب فيها الخيال .. سمعت روائيا عربيا يقول إنه لم يعرف كيف ينهي روايته نتيجة أحداثها المتراكمة، وحين أنهاها شعر بتعب شديد كاد يقطع أنفاسه .. الروائي يعيش كتابته كما لو أنها حية تماما.
فماذا لو أراد كاتب ما أن يلاحق أحداثا تكاد لا تصدق لمهجرين سوريين تركوا سوريا وراحوا يبحثون عن حل للإقامة في بلاد الغربة، وخصوصا في الغرب. حتى في الخيال قد لا يصدق بعض ما جرى لهؤلاء المهجرين وكيف عاشوا محنة الخروج من قراهم ومدنهم وأريافهم، ليذهبوا بعيدا عن مسقط الرأس لأول مرة، وهم لم يشاهدوا قبلا الدول التي تبعثروا فيها، بل لم يعيشوا ولو نتفا من حياتها الاجتماعية التي لا تشبه إطلاقا حياة الريف والقرى وحتى المدن السورية.
جاء من قص عليَّ العديد من قصص النزوح السوري إلى الغرب، أخبرني أنها وقعت بالفعل وتكاد لا تصدق لما فيها من غرائب .. قلت إنه متوقع حدوثها، هنالك فارق كبير في العادات والتقاليد والعلاقات الأسرية والفهم الإنساني لتركيبة العائلة بين سوريا والغرب، ثم المعنى العميق لطبيعة العقل الألماني مثلا الذي يقدس العمل وقد لا تجد ثانية فراغ في حياته وهو الدؤوب على شغله مهما كان وقته وتوقيته.
أخبرني هذا القاص أنه تعرض أيضا لعملية اختلاس لا شبيه لها من أقرب الناس إليه زوجته، التي سرقت نصف مليون دولار وغادرت في ليلة قمرية كان فيها مسافرا إلى خارج سوريا. ولأنه روائي بطبيعته فقد أكد لي أن الحرب لا تقتل الناس وتخرب وتدمر الممتلكات فقط، بل والأهم أنها تدمر روح العلاقات فيما بين المواطنين، وقد تقترب من روح العلاقات العائلية كما حصل معه، وكان قد خسر ابنه الوحيد.
أخبرني مثلا أن إحدى النسوة التي هاجرت مع زوجها إلى أوروبا، ما لبثت أن رفعت دعوى طلاق عليه، وحين استجوبها القاضي أجابت بأنها في أي مكان تذهب إليه ترى الشباب والبنات وهم يقبلون بعضهم في الشوارع والأماكن العامة، مما يحرض عندها رغباتها التي لا يستطيع زوجها تحقيقه. أخبرني هذا القاص أنه تم الطلاق فعلا، بعدما أخذت المحكمة بوجهة نظر الزوجة ولم تراعِ كونها من عالم مختلف في كل شيء وخصوصا في الحياة الاجتماعية.
قصص عديدة قصها عليَّ تشبه ما ورد، قال لي ستنتهي هذه الحرب لكن كل شيء في سوريا قد تغير، والمشكلة برأيه أولئك الذين عاشوا في الخارج، وتعايشوا مع كل نظامه الاجتماعي والإنساني وأداء أناسه وحياتهم اليومية وعلاقاتهم .. أما من بقوا في الداخل، فهم أيضا ستتغير حياتهم وتطلعاتهم، لقد عاشوا الموت في صوره الحقيقية، واستقر الخوف في أعماقهم، بل وصل إلى حد الهلع المدمر عند البعض .. ليس من يلام في هذا التغير الذي سيأتي غصبا عن الجميع.
يحتاج ـ برأيه ـ أطفال سوريا وحدهم إعادة تأهيل مما عاشوه ومما سمعوه ومما أصغوا إليه من كلام أهاليهم وأقاربهم وأخبار وطنهم بشكل يومي وأحيانا في كل لحظة .. ناهيك عن أولئك الذين عاشوا التشرد وأصوات الرصاص والقنابل ومقتل أهاليهم أمام أعينهم.
إنها الحرب التي تغير وتبدل وتترك وراءها ألما كبيرا لا يمكن محوه عبر الأجيال.

إلى الأعلى