الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ

نقـد

أ.د. محمد الدعمي

”ربما يضحك أعضاء اتحادات الأدباء والكتاب في العالم العربي من دلالات لفظ “نقد” في الثقافة الأميركية، خاصة وان هؤلاء الأعضاء يحملون في محفظاتهم هويات من النوع الذي ذكرته في أعلاه، أي أنها تقول، العمل: “ناقد”، باعتباره شيئاً أسمى بكثير من “ناقد” بمعنى الطير الذي “ينقد” الحبوب من بين الحشائش!”
ــــــــــــــــــــ
صادف أمس إذ كنت أقلب عددا من الهويات القديمة (هوية موظف، هوية أستاذ، هوية مؤرخ، إلخ) أن وقعت بيدي هوية تحمل صورتي، معتداً، تقول إن فلان الفلاني هو (ناقد)، صادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. لذا قادني الأمر إلى تأمل النقد، طبيعته وجدواه.
ربما يتفق مؤرخو الأفكار والآداب معي على أن مقالة المفكر البريطاني “ماثيو آرنولد” Arnold الموسومة “وظيفة النقد في هذا العصر” هي أهم نص تنظيري في النقد عبر العصر الحديث. تنبع أهمية هذه المقالة العملاقة التي نشرت في القرن التاسع عشر من أنها حررت لفظ “نقد” من مكبلاته الأدبية. لذا وجب الرجوع إلى هذا النص في سياق ثقافتنا العربية المعاصرة، نظراً لأنها لم تزل تعد النقد حكراً على الأدب، شعراً ونثراً، متجاوزة دلالاته النهائية التي تلامس المجتمع والحياة العامة.
مقالة ماثيو آرنولد المذكورة أعلاه فتحت الأبواب واسعة للنقد الثقافي العام، بعد أن كان النقد، كما هي عليه الحال في ثقافتنا العربية اليوم، فقط مسألة نص شعري أو أدبي. لذا نربط النقد في هذه الثقافة بهذه المحددات. وفي أحيان أخرى، يذكرنا “الناقد” بالدجاجة التي “تنقد”، اي تلتقط الحبوب لغذائها من بين أكوام الألياف والحشائش فتسمى العملية نقداً!
والحق، فإن فضيلة مقالة آرنولد تكمن في هذه الحرية التي أتاحها تنظيره لما أسماه بـ”لعب الأفكار الحر”، أي أنك تفكر بلا روادع ولا لواجم وتنتقد الظواهر الحياتية عامة، ليس فقط كما تتبدى في النص الأدبي، لأن النوع الأخير من النقد إنما هو “نقد النص” Textual Criticism، وهو فرع من فروع النقد الأدبي Literary Criticism. ولأن آرنولد كان يرنو دائماً لتوجيه جمهور القراء إلى نظريته في أن الأدب الحقيقي هو الذي بقي للجمهور الغربي عامة بعد أن هجر هذا الجمهور الدين والفلسفة حقبة ذاك. لذا فإن نظريته في النقد أكبر بكثير مما يوحي به عنوان المقال أعلاه. من وجهة نظره، يتعامل النقد مع ما تبقى للإنسانية من منابع التوجيه والتربية، أي مع الأدب، بوصفه الملاذ الأخير للمجتمعات في سبيل الارتقاء الأخلاقي والسلوكي وتحقيق الفضيلة. هذا السؤال يردنا إلى سؤال آخر يخص الأدب العربي اليوم: هل يرتقي هذا الأدب إلى مستوى هذه الرسالة الإنسانية السامية، بعد أن اهتزت أركان التيقن بين طبقات مجتمعاتنا، فهي قد غادرت الدين ولم تعد تأبه بشيء اسمه “الفلسفة”: فلا داع لصداع الرأس من الإثنين، حسب اعتقاد الكثير من الشبيبة والنشء اليوم.
وإذا كان آرنولد مفكراً بريطانيًّا من القرن ما قبل الزائل، فإن علينا أن نقيس آثار أفكاره ونظرياته، ليس في بريطانيا فقط، وإنما عبر المحيط الأطلسي، أي في أميركا الشمالية، خاصة في الثقافة الأميركية المعاصرة اليوم.
ربما يضحك أعضاء اتحادات الأدباء والكتاب في العالم العربي من دلالات لفظ “نقد” في الثقافة الأميركية، خاصة وان هؤلاء الأعضاء يحملون في محفظاتهم هويات من النوع الذي ذكرته في أعلاه، أي أنها تقول، العمل: “ناقد”، باعتباره شيئاً أسمى بكثير من “ناقد” بمعنى الطير الذي “ينقد” الحبوب من بين الحشائش! هم يتجاوزون حقيقة مفادها أن هناك “ناقداً” حقاً مكنوناً في دواخل كل إنسان، طفلاً كان أم كهلاً (من ثماني سنوات إلى ثمانين). ما دام الإنسان يحتفظ بتفضيلات وما عاكسها من “غير المحبذ” و”غير المحبب”، و”غير المليح”، إلى آخر القائمة. بيد أن الفرق بين الناقد المحترف من أمثال آرنولد ذاته، وبين الناقد بالمعنى أعلاه، هو أن الأول يمتلك ملكة التعبير عن آرائه وتفضيلاته لفظيًّا ولغويًّا. أما باقي النقاد (من 8 سنوات إلى 80) فإنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة بدون هويات صادرة من اتحادات الأدباء وجمعيات الشعراء تحدد بأن فلان الفلاني “ناقد”!

إلى الأعلى