الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. أوباما واستراتيجية زراعة الأوهام وتحقيق الأهداف

شراع .. أوباما واستراتيجية زراعة الأوهام وتحقيق الأهداف

خميس التوبي

بانفضاض سامر مؤتمر باريس أمس الأول برئاسة فرنسا الباحثة عن مقعد متقدم لها من مقاعد الأدوار الوظيفية في قمرة قيادة الهجمة الاستعمارية الغربية الشرسة على المنطقة، تكون استراتيجية زراعة الأوهام الأوبامية على بُعد خطوة واحدة من الانطلاق الفعلي والمتمثلة (هذه الخطوة) في جلسة مجلس الأمن الدولي في الرابع والعشرين من الشهر الجاري يترأسها الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يسعى من خلالها إلى استصدار قرار أممي جديد ملزم حول التهديد الذي يشكله الإرهابيون الأجانب في العراق وسوريا.
واضح الآن أن الأميركي بعدما تمكن من شل قدرة المنطقة عبر سلسلة لدغات سامة من الأفاعي السامة التي رباها وخرجت من رحم فوضاه “الخلاقة” القائمة على الإرهاب والفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، أعطى الأوامر لخدمه وعملائه بالمسارعة إلى استصدار الصكوك الشرعية التي تعطيه الحق في التدخل العاجل بذريعة تخليص المنطقة من هذه السموم وضرورة توفير الوسائل والإمكانات المادية والمالية اللازمة، فكان أول الصكوك القرار الأممي 2170 تحت الفصل السابع بمحاربة ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” وما يسمى “جبهة النصرة”، والذي صاغه الخبث البريطاني حتى لا تشم منه روسيا والصين رائحة مؤامرة أو خديعة في حال صاغته يد “الكاوبوي”، وللأسف هو ما انطلى على كل من موسكو وبكين، في سيناريو مخادع مكرر بعد سيناريو القرار الأممي الخاص بالتدخل في ليبيا، وثاني الصكوك كان تعهد أنظمة دول البترودولار بفتح خزائن أموال شعوبها وصناديقها السيادية لتمويل الضربات التي يشنها الطيران الحربي الغربي وفي مقدمته الأميركي، في حين كان ثالث الصكوك هو مؤتمر باريس لتوزيع الأدوار، أما رابع الصكوك فهو القرار الأممي الملزم في الجلسة المرتقبة لمجلس الأمن في الرابع والعشرين من هذا الشهر.
وفي ظل تلك المعطيات يدور جدال حول موقف كل من روسيا والصين من مشروع القرار الأممي الجديد الذي تعتزم الولايات المتحدة إقراره، من احتمال استخدامهما حق النقض “الفيتو” وتعطيل مشروع القرار، واحتمال تشبث الولايات المتحدة بالقرار 2170 الصادر تحت الفصل السابع والاكتفاء به، ما يعني أن السيد الأميركي ومن معه من الخدم والعملاء والوكلاء ماضٍ في استراتيجيته الاستعمارية الجديدة ضد المنطقة ولا يلوي على شيء.
ومن خلال المواقف المتباينة حول الاستراتيجية الأوبامية وطبيعة وحجم ونوع المشاركة فيها، سواء من قبل الجالسين على مقاعدها الوظيفية أو الرافضين لها، ينطبق عليها قول الشاعر المتنبي “وبضدها تتميز الأشياء”، وذلك لما تكشفه هذه الأضداد والتباينات والتناقضات من أهداف خطيرة ومدمرة للمنطقة من بينها:
أولًا: المباشرة الفعلية لتنفيذ ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير، بإعادة رسم خريطة المنطقة وفق الثروات تؤمِّن استمرار المصالح الغربية وتضمن بقاء كيان الاحتلال الصهيوني وتنصيبه شرطيًّا عليها، والتصميم على ذلك لا سيما بعد الدراسات والأبحاث الاستراتيجية المتعمقة إضافة إلى القناعات لدى المسؤولين الأميركيين والصهاينة والمتعاطفين مع كيان الاحتلال الصهيوني والداعمين له، والتي تؤكد قرب زوال هذا الكيان الغاصب أو المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل”، وعدم قدرته على خوض حروب البقاء مع القوى المقاومة والدول الداعمة لها، وقد تعززت مصداقية هذه الدراسات والقناعات بعد عام 2000م الذي شهد بداية التحول لدى المقاومة نحو طريق كنس المنطقة من الاحتلال الصهيوني، وتحديدًا في أعوام 2006، و2008 و2014م. ولذلك فإن “مشروع الشر” يقوم على تقسيم الدول إلى كيانات متناحرة وفق انتماءاتها ومكوناتها المذهبية والطائفية والعرقية، حتى تكون منشغلة داخليًّا على الدوام، وما يجري في العراق وليبيا واليمن ويُعَدُّ له في سوريا وغيرها هو أكبر دليل على حقيقة التوجه الصهيو ـ غربي.
ثانيًا: وهذا مرتبط بما قبله، وهو تهشيم مظاهر القوة التي يمكن أن تشكل تهديدًا لكيان الاحتلال الصهيوني، وليس في المنطقة من مظاهر للقوة سوى الجيش العربي السوري والجيش المصري وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، فبعد حل الجيش العراقي يأتي الدور الآن على الجيش العربي السوري وحركات المقاومة، وتذكر بعض المصادر أن هناك أبحاثًا وتقارير صهيونية تتحدث عن قلق وفزع كبيرين من تنامي قوة الجيش العربي السوري وتراكم خبرته الميدانية التي اكتسبها خلال أكثر من ثلاث سنوات، وكذلك تنامي قوة حزب الله وخبرته، وبالتالي لا بد من تكسير أو إضعاف هاتين القوتين، وهذا ما يفسر الإصرار الأميركي على مد الضربات الجوية في العمق السوري، وتهديد الرئيس باراك أوباما سوريا بتدمير كافة دفاعاتها الأرضية والجوية، واعتبار أن هذا أسهل من ملاحقة ما يسمى تنظيم “داعش”، وهو ما يعد انكشافًا سريعًا للأجندة الأميركية المختفية وراء استراتيجية التدمير والاستعمار الأميركية بذريعة ملاحقة “داعش” داخل الأراضي السورية ورفض التنسيق مع دمشق. ما يعني ذلك إمكانية مد الضربات لتطول مخازن السلاح التابعة لحزب الله تحت الذريعة ذاتها.
ثالثًا: وضع المنطقة بين كماشتي الاستنزاف والابتزاز لسنوات غير محددة ـ كما جاء على لسان الرئيس أوباما بأن استراتيجيته تمتد لسنوات غير محددة ـ استنزاف موارد المنطقة ومقدراتها تحت طائلة إبعاد الأخطار المحدقة بأمنها واستقرارها وتكَفُّل المستعمِر الغربي بالقيام بهذه المهمة، وابتزاز دول بالمنطقة ترفض سياسة التدخل الأميركي وتقاوم إرادة فرض الهيمنة وسلب ثروات المنطقة، وذلك إما بتوجيه دفة الإرهاب الذي صنعته الولايات المتحدة كـ”داعش” وأخواتها، وإما باستهدافها بصورة مباشرة. وهذا الوضع ليس جديدًا وإنما يأتي عن تجارب سابقة كالحرب العراقية ـ الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، وحربي الخليج الأولى والثانية، وقد جنت الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة أموالًا طائلة من خزائن المنطقة، أدارت بها تروس مصانعها وقفزت اقتصاداتها إلى أرقام نمو خيالية واحتياطيات هائلة.
رابعًا: إبقاء المنطقة بين كماشتين تجمعان بين العسكرة والإرهاب، الأولى تمتد من هضبة الجولان وحتى حدود الأردن ولبنان بقيادة كيان الاحتلال الصهيوني ومن معه من العصابات الإرهابية المسلحة مثل ما يسمى “داعش والنصرة والجبهة الإسلامية والكتائب المقاتلة والجيش الحر”. والثانية من على الحدود التركية ـ السورية وحتى حدود كردستان العراق بقيادة تركيا ومعها ما يسمى تنظيم “داعش” الذي يحظى بالكفالة التركية ببيع النفط العراقي والسوري الذي يسرقه التنظيم الإرهابي واقتسام الغنائم مناصفة. والاحتضان التركي لهذا التنظيم الإرهابي له أهدافه، إلى جانب الدور المناط بتركيا، وهي استخدام التنظيم في مواجهة من تراهم تركيا خصومًا لها مثل حزب العمال الكردستاني وسوريا ودول الخليج وخاصة تلك الطامحة إلى توسيع دائرة نفوذها، وترى فيه تركيا تهديدًا أو تراجعًا لنفوذها الذي استباحت من أجله كل المحرمات وخرقت كافة الخطوط الحمراء. ولذلك فإن طبيعة التدخل العسكري ليس لإزالة ما يسمى “داعش” والقضاء عليه، وإنما هو تحديد مساراته ضمن الجغرافيا العراقية ـ السورية المحددة له.
خامسًا: زراعة الوهم لدى بسطاء الناس وعامتهم، بأن الولايات المتحدة هي المنقذ والمخلِّص من شرور الإرهاب والدمار والخراب، في حين هي مصدر كل الشرور والحروب والخراب والدمار والإرهاب ليس في المنطقة وحدها وإنما في العالم بأسره.

إلى الأعلى