الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إننا بأمس الحاجة إلى..

إننا بأمس الحاجة إلى..

علي عقلة عرسان

”يعلنون أنهم يقودون الناس إلى طرق النجاة وسبل الرشاد والتقدم والمجد، وما هم في واقع الأمر إلا الظلام والضلال والفَقد؟!.. ومن أسف وأسى أنهم طليعة من يفسِد ورأس من يتهم الآخرين بالفساد ويشوهون بلا أدنى شعور بالعيب.. حيث يقومون بأمرين متكاملين فيهما خراب وهلاك على الصعيدين المادي والروحي في كثير من المجالات، ”
ــــــــــــــــــــــــــ
هناك ما يتجاوز الظاهرة في الحياة العربية الراهنة على الخصوص “سياسيًّا ـ ثقافيًّا ـ واجتماعيًّا” الراهنة على الخصوص، ليستقر في وقائع التاريخ ومسلَّمات الأمور وموجِّهات الرأي ومعطَيات المعرفة وسياقات الثقافة.. وهذا النوع من “الإبهار؟!” في مساراته ومؤشراته وفيما يصنعه وينشره ويروِّجه أو يروِّج له، لا يشكل خطراً على الأجيال الصاعدة والقادمة فقط، ولا على الرأي العام العربي والعلوم المتصلة به وبتاريخ الثقافة وبالرموز ذات التأثير الاجتماعي والتربوي والسياسي والإبداعي فقط وأيضاً، بل يذهب إلى ما هو أكثر من التضليل والتشويش والتشويه وترسيخ الباطل وتزيينه وإحاطته بهالات ومتاريس تحميه، حيث يُرفع فوق الحق درجات ودرجات حتى ليصل إلى التقديس أو ما يقاربه.. وعند هذه الحدود يستسلم المتلقي الاجتماعي أو التربوي لما يقدم له وملقى عليه، ويفقد العقل النقدي تأثيره أو يخشى مقاربته أصلاً والفحص عما فيه من باطل حتى لا يصاب بما لا يُطاق.. الأمر الذي يزيد الباطل رسوخاً ويلبسه بالحق أو يلبس به الحق.. وذلك لأن الباطل في هذه الحالة يحاط بهالة تجعله مهاباً، وتحف به قوة دعائية ـ إعلامية ـ تحزبية تفرضه وتحميه، قوة قوامه ميليشيات يصنعها الغلو وينميها التعصب والتطرف والولاء الأعمى والجهل والتجهيل والتضليل، فتقاتل الحقائق والوقائع الثابتة والفكر الحر والمنهج النقدي والمعرفة الأصيلة بالرصاص أو بما هو أوقع وأفظع، وتحيد من يتخطاها وتحيله إلى متهمٍ ومهمَّش أو إلى هشيم.. تماماً كما فعلت وتفعل الصهيونية بمن قارب أو يقارب تاريخ الهولوكست أو بمن يحاول أن يذكر وقائع عنصريتها وإجرامها التاريخيين!!.. وهكذا يتشكل في مثل هذه الحالات والأوضاع والممارسات تاريخ ذو سطوة يقوم على كثير من التزوير والتضليل، ويرفع في الفضاء الاجتماعي والسياسي والثقافي، وحتى في فضاء المعرفة والتربية والإبداع، قاماتٍ ورموزاً ومفكرين ومبدعين، ويقيم منارات وينصِّب قدوات هنا وهناك في هذا المجال أو ذاك.. هي مما لا يقدم شيئاً يمكن البناء عليه والاستفادة الحقيقية منه، وليس فيه مما يبني العقل والإرادة ويعزز مكانة العلم والأخلاق والقيم وما يكوِّن المحاكمة المنطقية وينتج الحكمة ويثري الثقافة والإبداع والحضارة والتقدم بشيء يذكر.. فيوغل في التيه من يسترشد بهذه الأنواع من القدوات والرموز و”المنارة؟” ويخبط من يقتدي بها أو ينتفع منها خبط عشواء، فيخرج من نار إلى رمضاء، ويخض مياهها ليل نهار فيخسر جهده ولا يحصل على زبدة، ينطق عليه في وضعه واتباعه وجهده ذاك وفي اجتهاده المثلُ القائل: “خض المَيَّة تبقى مَيَّة”.!! ويبقى أسير ما يشبه “عنتريات المعرفة وجهالات الفكر وضحالة “الإبداع”، حسير البصر والبصيرة، بلا معرفة حقيقية ولا فكر ولا إبداع.. وما يزيد في الطين بِلَّة أن الكثيرين ممن يتشربون هذا الوضع عن طريق تنظيمات ومنظمات وسياسات وطائفيات ومذهبيات ودعاة و.. و.. إلخ يتخرجون بامتياز في الغوغائية والدعائية والتضليل والضلال والتخلف وفي التعصب لآرائهم وربما في التطرف.. فيعصفون بالثقافة والناس ويصنعون بهم ما لا يكفي وصفه بالعصف المأكول.. إذ يحيلونهم كثيرين إلى “قامات هبل هبول، وصنوج وطبول، وسواطير فوق رقاب ٍ وعقول”.. وتراهم يهزِجون بجاهلية جهلاء للسُراق والقتلة والمجرمين والخونة والعملاء، ويمجدون لصوص الدول، والمنصِّبين أنفسهم فلاسفة ومناضلين وطلائع مفكرين إنسانيين، ويخلطون بين قامات إنسانية كبيرة وأقزام وبين مبدعين ولصوص إبداع، وفلاسفة ومدعي فكر وفلسفة، ويسجلون أنفسهم في متون النضال بينما يسقون شعوبهم كؤوس الموت ويخربون قيمها تخريباً ويتآمرون عليها.. ويرقصون طرباً حين تقتل أهلهم دولٌ تمارس الإرهاب وترعاه وتموله، وكيانات عنصرية هي العدوان والإرهاب وسرطان البشر وعاهات الزمان والإنسان. وفي خضم المحن والفتن وأوقات الفتك والمقت يقودون بلدانهم وأمتهم إلى المحارق، ويرفعون فوق دمارها وجثث أبنائها وبرك دمائهم البيارق..؟! يعيشون تبعيات تاريخية لمستعمرين وعنصريين ومتخلفين، ولأيديولوجيات بان ضلالها وتحقق تهافتها وقد عفى عليها وعلى رموزها الزمن وأصبحت خارج التاريخ هشيماً تذروه الرياح.. ومع ذلك ما زالوا التحجّر والغطرسة والتكبُّر، يهللون لها ولكل ما/ومن يهدم أوطانهم، ولا يستطيعون الخروج من تيهها المُرْمِض لضعفٍ قتَّال وليس لثبات على المبدأ، بدليل أنهم اليوم يوالون من كان عدوهم التاريخي والأيديولوجي بالأمس ويتآمرون معه؟! مخمورون تلهج ألسنتهم بما يعادي هوية شعبهم وتاريخه وعقيدته، ويصدَعون بالإلحاد والغي، ويستبيحون كل الوسائل والسبل والأدوات لتحقيق ما يرون أنه غايات لهم في الأخلاق والإنجاز.. تماماً مثل الصهيونية أيضاً التي تقتل وتدمر وتفتك بالإنسانية وتدعي الأخلاق.؟! ويعلنون أنهم يقودون الناس إلى طرق النجاة وسبل الرشاد والتقدم والمجد، وما هم في واقع الأمر إلا الظلام والضلال والفَقد؟!.. ومن أسف وأسى أنهم طليعة من يفسِد ورأس من يتهم الآخرين بالفساد ويشوهون بلا أدنى شعور بالعيب.. حيث يقومون بأمرين متكاملين فيهما خراب وهلاك على الصعيدين المادي والروحي في كثير من المجالات، لا سيما في الفكر والأدب والثقافة والإبداع، أما السياسة والمجتمع والأخلاق فحدث ولا حرج.. حيث يتمركز ثقل لهم في مواقع إعلامية وثقافية وفي مراكز تناوش صنع القرار.. ومن هناك يعملون على رفع محازبيهم والموالين لهم أعلاماً ويخربون قيم التذوّق والنقد والتقييم، ويبتزون من يستطيعون ابتزازهم، ويطمسون جهد الآخرين ويشوهون إبداعهم ويتهمون فكرهم وعقائدهم ويصرخون بأعلى الصوت متبنين كل ضلالة.. فيصل الأمر، من جراء أفعالهم وأفعال من هم على شاكلتهم، إلى حد أن يكون أكثر من يرفعونهم، وما يعلون من “قامات ورموز وقدوات، وإنتاج وإنجاز.. إلخ” مجرد خواء أو غثاء فيه من التحلل والانحلال والتهافت والفساد والإفساد ما يؤسس للانهيار، ويقدمون أنواعاً من أهل الكِدْيَة، “بينهم لصوص فكر وأدب” تصغُر معهم قامات أعتى أهل الكدْية في القرن الرابع الهجري مما راج له سوق في بغداد العريقة.. وفي الوقت نفسه، أي في مجال الجهد المكمل لبلوغ أهدافهم”، يشوِّهون أشخاصاً سواهم وإنتاجاً وأعمالاً لسواهم بكل ما يستطيعون من جهد وباتباع كل السبل والأدوات والأساليب.. وهكذا يرفعون الضحل ويُغْرِقون الجيد النافع.. أو هم على الأقل يدمرون المناخ الصحي الذي ينمو فيه الفكر والإبداع والثقافة، والمعايير والقيم والمقومات التي يُحكم من خلالها على الأشخاص والإنتاج والإبداع، فلا هم ينتفع بهم وبما ينتجون ولا يدعون الناس يكتشفون وينتجون ما يُنتفع به؟!
ومن أسى وأسف أيضاً أنه في عصر حقائق الإعلام الذي تعيشه، وليس هو بالضرورة عصر الحقائق بل عصر طمسها بامتياز أو تشويهها باقتدار، أصبح الإعلام ومن يبيع ويشتري في الكثير من أسواقه ـ إلا من رحم ربك وحمى وهم قليل، وأنا أشير إلى أنني لا أقبل أن أعمم ـ أصبح هو الذي يحكم ويرفع ويخفض و.. إلخ، وهم وأشباههم من الميليشيات بأنواعها يتمركزون فيه وينتجون حالة غير صحية، بل ومدمرة وفيه ومن خلاله.
تلك للأسف حالة يمكن أن نقول إنها “تاريخية” في زماننا الراهن، والتاريخ حافل بصناعة الحقائق ونقائضها وبإهمال وقائع وإساءة تفسيرها وتوظيفها، مما يسمح بالقول: “إن ما يتجاوز نصف الوقائع والحقائق البشرية مغفل وقد لا تحيط به المعرفة، وإن ما يزيد على النصف المتبقي مما سجله التاريخ يصنعه الأقوياء ويبقى مدخولاً بالهوى والغي والغايات والانتماءات المريضة، ويترسخ بالنقل من دون تمحيص، وبتكرار المشايعين لمعطياته ولما سجل من وقائع بحماسة تطغى على المنطق وتضعف المنهج، وبتركيزهم على ما يرون أنه “الحقائق”، مع قيامهم بتدمير ما يراه غيرهم حقائق أيضاً أو من “الحقائق”.. وهكذا يستقر كثير من الزيف تاريخاً ومن الأشخاص رموزاً ومن الإنتاج الفكري والأدبي والفني إبداعاً ويترسخ بالتكرار مع مرور الزمن وكثرة الاجترار والنقل عن قيل عن قال، وبتعصب الرجال، وتغييب المنطق والمحاكمات، فتستقر أشياء وتمحى أشياء، ولا تصاب بالثكل إلا الحقيقة.؟!
في زماننا الغريب الذي ينقل المرء على جناح السرعة القصوى من عجيب إلى عجيب وغريب ومثير ومريب، تكبر هذه الظاهرة السلبية العربية في المجالات التي أشرت إليها، وربما في مجالات مما لا أعرف، وتحول هي والظروف الراهنة التي يرتفع فيها جنون الحرب ويزداد التعصب والتطرف، ويرتفع صوت الفتنة المذهبية والصراعات الدموية فوق كل صوت .. أقول تحول دون إجراء مراجعة نقدية منهجية شجاعة ومسؤولة لما راكمته عقود بل قرون سابقة من خلل عبر التضخيم والتقزيم، الإنارة والتعتيم، التعويمٍ والتغطيس، الإعلاء والخفض.. إلخ على أسس من التحزب والتعصب والتحزّب والغلو بأنواعه، والتأثر بآراء مستشرقين استعماريين خربوا ما خربوه في فكرنا وثقافتنا، وبتبعية للغرب تنطوي على دونية جلية عند بعض السياسيين والكتاب والمثقفين، وبأيديولوجيا إلغائية متغطرسة معادية للموضوعية وللأمة العربية وعقيدتها وتراثها وهويتها .. الأمر الذي يجعل كل استقامة بناءة منشودة في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والإبداعية العربية، رهناً بتلك المراجعة النقدية المنهجية المعرفية الشجاعة المنتمية للأمة في واقعها وتاريخها، تلك المراجعة العمية التي تحتاج إلى رجالها وأصولها ومعاييرها ومناخها وخياراتها، وإلى الإرادة والإمكانيات والجهات الاجتماعية والسياسية والثقافية الحاضنة لها.. التي تجعلها ممكنة ومجدية ومؤثرة.
إننا بأمس الحاجة إلى عقول لا تلغي الآخر ولا تحكم وفق الهوى والغاية والانتماء الضيق بأشكاله وألوانه، وبحاجة إلى الإرادة السياسية الحرة الواعية القادرة العارفة البعيدة عن سيطرة أي نوع من أنواع الأخطبوط التي تتسلل إليها فتلغي الوعي وتشوه الصور أو تدمر الرؤى وتشل الإرادات الخيرة، وبحاجة إلى أن يكف أهل التطرف والتعصب والغلو والعصمويات عن تطرفهم وتعصبهم وغلوهم وعصموياتهم ليرى الجميعُ الجميعَ، وبحاجة أمس إلى أن يرى المثقف الحقيقي وطنه وأمته وزميله بعينين سليمتين، وبألا يكون الانحياز أو التبعية أو أي نوع من البضاعة في سوق الكلام المفتوح على مصراعيه هذه الأيام، وإلى أن يرى إنصاف المبدع والإبداع مفتاح تقدم حقيقي للإبداع والمبدعين من طل الأطياف وخدمة جليلة للثقافة على مستوى الوطن والأمة والعالم والإنسانية.. نحن بحاجة إلى أن نرسخ بالنقد المنهجي البناء القائم على المعرفة والأخلاق واحترام الآخر والثقافات وعملية المثاقفة البناءة، والقيم والمقومات والمعايير السليمة التي تكرس الجيد والمتميز والصحيح من الفكر والأدب والفن وفق أصول ينمو معها التذوق السليم وتساهم في بناء الإنسان وتكوينه المعرفي والروحي والوطني والقومي والإنساني، بعيداً عن أمراض التعصب والحَوَص البصري والتشوه الفكري وعن عمى الألوان والأفكار الذي قد يصيب مبدعين ونقاداً ومفكرين ومثقفين ومؤدلجين.. وبحاجة أولاً وقبل كل شيء إلى التخلص من أحكام من لا يقرأ على ما يُنتَج، وتعميمات أحكام سلبية وإيجابية ونشرها استناداً إلى توجيهات، أيًّا كان مصدر تلك التوجيهات.. ونحتاج قبل كل شيء وبعد كل شيء إلى وضع حد نهائي للانتهازيين والوصوليين الذين يضحون بالوطن والقيم والشعب وبكل ما هو خلقي ومعرفي وإنساني وبناء في الثقافة والإبداع في سبيل أن يصلوا إلى مراكز سياسية ومصالح شخصية عن طريق تقديم خدمات “على بياض” لجهات وفئات وأحزب وشخصيات ومقامات على حساب كل ما هو صحيح وبناء وإنساني وحضاري ووطني وقومي، وعلى حساب ما يحيي الإنسان والإبداع.

إلى الأعلى