الأحد 18 أغسطس 2019 م - ١٦ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: الوقف التعليمي .. استشراف لخيارات الدعم والتمويل

في العمق: الوقف التعليمي .. استشراف لخيارات الدعم والتمويل

د. رجب بن علي العويسي

يطرح موضوع الوقف في المؤسسات التعليمية اليوم على السياسات الوطنية العمل على إيجاد مصادر تمويل مستدام تعزز من إمكاناتها وتحقق أهدافها خارج إطار الموازنة العامة للدولة، في ظل الإشكاليات الناتجة عن الأزمة الاقتصادية العالمية وما فرضته من سياسات تقنين النفقات، أثرت على موازنات التعليم عامة وحجم الإنفاق العام على الأنشطة والبرامج والخطط الساعية لتحقيق جودة التعليم، ومع أن التحولات القادمة التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعة على مجتمعات التعليم تؤسس لنقلة نوعية في تعزيز ثقافة الإنتاجية وتأصيل الابتكار والذكاء الاصطناعي، إلا أن تحقيقها بشكل يضمن الاستدامة ويمنحها القوة ويجنبها الوقوع في الإشكاليات التمويلية، يستدعي التفكير خارج صندوق الموازنات الحكومية والبحث عن منصات تمويلية أخرى تتسم بالديمومة والثبات والمرونة وقابليتها للتثمير في ظل هيكلية الوقف وإطاره الشرعي والتشريعي، خصوصا في ظل الاحتياج المتنامي للتعليم والبرامج التي باتت تستنزف الكثير من الموارد، وفكرة الاستهلاكية التي ما زالت قائمة لتعبر عن ثقافة مجتمعية تربط التعليم والبحث العلمي والابتكار بحجم المصروفات المالية والموازنات المقدمة لها، بمعنى أن الزيادة في الدعم المالي المقدم، تشكل بعدا مهما في قدرة هذه المجالات على النمو والاستمرارية، وتقليل الإنفاق والصرف عليها مبرر لإيقاف حركة تطورها والتقدم فيها ويقلل من مؤشرات التفاؤلية في نجاحاتها، وهو ما نعتقد بأن الوقف سيعمل على تصحيحه بما يؤسسه من نظم الإدارة ويوفره من خيارات الدعم وضبط نواتج الاستثمار.
ويبدو أن العالم المتقدم قد فهم قيمة الوقف وأثرها في تعزيز قدرة التعليم على التعامل مع التحديات المالية، كما فهم قيمته سلف الأمة وأبناء عمان في عصور مختلفة، فهو يشكل اليوم أحد أهم الأنظمة الاقتصادية والمالية المؤثرة والموثوق بنتائجها في العالم، ومصدر استثماري مستدام، وقيمة مضافة لتعزيز الإدارة والحوكمة المالية للمؤسسات، ويظهر أن التحولات التي تعيشها منظومة الوقف العالمية وإن اختلفت في الدول الأخرى عنها في المنظور الإسلامي، إلا أنها تؤسس لمرحلة الاستثمار الأمثل للموارد، وإعادة هيكلة المؤسسات المالية، وتقنين الصرف وحسن توجيهه، واستدامة المنفعة وتناغمها مع الواقع والمستجدات، وتأصيل ثقافة الادخار وحبس المال، وتوظيف الفرص والممكنات الأخرى في المؤسسات البنكية والشركات ومؤسسات الاستثمار للدخول في هذا المجال كداعم حقيقي، يوظف تجربة الوقف المصونة بالشرع والمدعومة بقوة التشريع وكفاءة التنظيم.
فإن ما يمثله البعد التاريخي العميق للوقف في كونه ثقافة أصيلة في الحضارة الإسلامية وإحدى القواعد الفقهية التي أطرها الشرع وأسهم علماء الأمة في التأصيل الفقهي للوقف، وكان له حضوره الفاعل في عمان حتى فترات متأخرة، خصوصا انه يستمد مصادر قوته من مصادر الشريعة الإسلامية التي فصلت كثيرا في الوقف بما يتناسب مع طبيعة المكان وظروف الزمان، وقوة القانون التي توجت بالمرسوم السلطاني رقم (65/2000) بإصدار قانون الوقف، والتفصيلات الحاصلة في مواده والمراجعات التي تمت عليها في السنوات الأخيرة والتي جاءت كمتطلبات للتطوير الحاصل في الوقف وبروز المؤسسات الوقفية، ودور التشريع في تعزيز قدرتها على المنافسة، داعم قوي للتفكير في إعادة تأهيل وانتاج المنظومة الوقفية في عمان لتتناغم مع التحولات الحاصلة في المجتمع والطموحات الساعية لتأكيد حضوره في رسم ملامح البنية الأساسية للكفاءة التمويلية للتعليم، وتوقعات تحقق نجاحاته كبيرة في واقع الحالة العمانية لعاملين رئيسيين، أولهما، الرصيد الثري الذي شكّله الوقف في التاريخ والفكر العماني على مر العصور، تشهد بذلك أنواع الوقف وتشعباتها وما يرتبط منها بالعلم والتعليم والمساجد وفئات المجتمع المختلفة في الداخل العماني وخارجه، وثانيهما، يتعلق باكتمال البنية التشريعية والمؤسسية والتنظيمية والهيكلية لمنظومة الوقف، من خلال إصدار قانون الوقف، والتعديلات التي أجريت على القانون منذ إصداره والقرارات الوزارية المرتبطة به، وما أفصح عنه الواقع من وجود تجارب وطنية بدأت تأخذ طريقها في تأطير فلسفة بناء المؤسسة الوقفية، على أن ميثاق الحوكمة لإدارة المؤسسات الوقفية مدخل مهم لوضع التجربة الوطنية في إطار معايير عالمية ومنطلقات وتوجهات دولية بما يتناغم مع طبيعة الوقف وشروط الشرع فيه، ويستجيب لمحطات التطوير والتجديد الحاصلة في المجال، فهو بذلك مدخل لقراءة أعمق تبرز متطلبات الوقف التعليمي من واقع الحالة العمانية، كما يؤسس لشراكات أقوى وفهم أعمق، يتناغم مع التوجهات الاقتصادية العالمية ويستوعب البنى الاقتصادية والتشريعات والقوانين النافذة.
على أن ضمان المرونة والجدية في استشراف الخيارات الوطنية المقدمة لدعم الوقف وتنوع بدائل التمويل المتاحة، يستدعي الإجابة عن تساؤلين رئيسيين، أولهما: كيف يمكن توجيه أنظار الأيادي البيضاء وأصحاب البر والإحسان والواقفين ومن لديهم بسطة في المال، إلى وجود وجوه أخرى في الوقف، ترتبط بحاجة المجتمع واولوياته وظروفه والغايات الكبرى التي تحقق الشمولية والاتساع والعدالة في المنتج الوقفي والتثمير في عين الوقف وأصوله ومنافعه، وتعميم الاستفادة منها لكل شرائح المجتمع؟ بمعنى كيف يمكن تغيير قناعات المواطن عامة في تأطير قيمة الوقف التعليمي المستدام بشكل يستوعب المفردات والأفكار المجتمعية التي تتجه إلى تعظيم الوقف الديني (بناء المساجد)، دون ما سواه وكأنّ الخيرية والفضل فيه وحده دون ما سواه، وهو دور يقع على العلماء والفقهاء في ترقية الخطاب الديني، وتكثيف الجهود الإعلامية والوعظية والتعليمية نحوه، وضمان وعي المواطن بها بما لا يفقده حماسه، ويستوعب عمليات التطوير والتجديد في المنظومة الوقفية، ومراجعة لكل الأطروحات أو الفتاوى أو المفاهيم وإعادة التجديد فيها، بما لا يؤثر في مسلمات الوقف ويحفظ لها خصوصيتها وحضورها، وثانيهما، كيف يمكن استشراف خيارات الدعم وعمليات التمويل القادمة وزيادة مساراتها وتنويعها بشكل يغطي متطلبات الوقف وينوع مصارفه، ويزيد حجم المدركات المالية والعقارية وأصول الأموال وتنوعها وقدرتها على تأسيس مسار وقفي واضح، بحيث يضمن هذا التعدد في موارد الوقف الثابتة، من فتح المجال للاستثمار الوقفي وتقديم أفضل المسارات المالية البديلة، وبالتالي فإن البحث في استدامة موارد الوقف في مؤسسات التعليم ينبغي أن يتجه إلى تبني سياسات تعليمية ومالية تقوم على ترسيخ منظومة الكفاءة المالية للوقف التعليمي وفصله عن الإدارة المالية الحالية، عبر التمكين والاستقلالية والصلاحيات والتشريعات المالية الداعمة، لتدخل فيها تلك الموارد التي تقدمها المؤسسات الخاصة والأهلية والشركات كأحد أنشطتها في المسؤولية الاجتماعية، والتثمير الوقفي في المجالات العقارية والصناعية والتجارية والسياحية والأسواق والأسهم البنكية (البنوك الإسلامية المتخصصة)، وترقية منظومة المسؤولية الاجتماعية للشركات لتعزز من موارد الوقف، والاستفادة من المصادر الذاتية للمؤسسات التعليمية (المدارس والمعاهد والجامعات)، والتبرعات والهبات الخارجية، وصكوك الاستثمار والأصول الاستثمارية والسندات والأسهم والأصول الثابتة والمنقولة للمؤسسات، والاكتتاب والهبات والأسهم، وأموال موقوفة من عقارات وممتلكات منقولة، وأصول متنوعة تدار على شكل محفظة استثمارية، وإيجاد صندوق وقفي استثماري موجه لخدمة التعليم وأنشطته، وأنظمة تسويق وجذب استثمارات وتعميق للشراكات والدخول في ممارسات تجارية كتوريد الأدوات وتمويل الأنشطة التعليمية والبحثية وغيرها.
إن استشراف التحول في هذه الموارد يستدعي إيجاد استراتيجية وطنية لتمويل التعليم الناتج من الاستثمارات الوقفية، والاعتماد على مصادر تمويلية ثابتة، لتحقيق السيولة النقدية بالشكل الذي يضمن استقطاب المستثمرين من الداخل والخارج، وتوفير الأطر التشريعية المالية والبنى المؤسسية والاستراتيجيات التي تتناغم مع طبيعة مصادر التمويل الحاصلة والممكنات الداعمة لنهوض الوقف، وتقديم مؤشرات إنجاز واضحة تظهر على نواتج الوقف، بما يؤكد الحاجة إلى المزيد من التسويق وعمليات الترويج وصناعة النماذج الوقفية والإكثار منها، بمعنى أن نشهد في قادم الوقت تطبيقات عملية لقياس نواتج الأداء الوقفي وحجم الأموال الموقوفة، وكيف تم الاستفادة منه، ونسبة المصادر الأخرى التي تتكون منها منظومة الوقف، وعلاقة مصارف الوقف لبعض الفئات بحجم الإنفاق اليومي أو الشهري للأسرة العمانية، وما نواتجه على الأفراد الموقوف لها أو الفئات أو المؤسسة ذاتها والقائمين على العمل الوقفي، للوصول إلى حلول مالية، فإن حلحلة هذه التوجهات وإعادة تصحيح بعض المفاهيم السائدة حول منظومة الوقف، وتعزيز الديناميكية والمرونة في الحصول على مصادر وقفية أكبر، والتنويع في مداخل التمويل، يستدعي زيادة سلة المدخلات الوقفية، وتحفيز المبادرات الوطنية للأفراد والشركات، وتوجيهها لصالح منظومة الوقف، وخلق مساحة الخيرية وتلمس الفضل في وقف الأفضل من الأموال والموارد والممتلكات، ويبقى البحث عن استدامة هذه الموارد وتعظيم منافعها وتعدد أوجهها وتنوع حضورها في التعاطي الواعي مع الظروف المالية، أولوية يجب العمل عليها، والجدية في التعاطي مع متطلباتها، إذ لم تعد العودة الحاسمة للوقف ترفا اقتصاديا، كما لا ينبغي ان تكون سلوكا وقتيا تطلبه الواقع المالي، ولا هو بفعل قرار آني أو ظرفي أو نتيجة التحولات الاقتصادية الوطنية والإقليمية والدولية، بل خيار استراتيجي للبحث عن ممكنات نجاحه عبر تعزيز التشريعات المالية الداعمة للوقف من جهة، وتصحيح المفاهيم والتوجهات الفردية والمجتمعة حول مفهوم الوقف، والتنويع في المصارف التي يجب أن يتجه إليها والأولويات التي يجب أن يحققها، وخلق تناغم في توظيف موارد المؤسسات ومواقعها الاستراتيجية، وتعزيز التناغم في التوجهات المؤسسات التعليمية ذاتها، التي عليها أن تعزز من مفهوم الإدارة المالية للمدارس والجامعات والاستثمار في ممتلكاتها، وخلق التوأمة والاندماج في الموارد المؤسسية والمبادرات المجتمعية والمسؤولية الاجتماعية لتتجه جميعها إلى تحقيق عائد مستدام للوقف، في ظل المرونة الناتجة في مصارفه.
وعليه، تتطلب المرحلة القادمة الكثير من العمل الجمعي، في إعادة إنتاج ثقافة الوقف في الواقع الاجتماعي بالطريقة التي تلتزم فيها المعايير والمرتكزات الشرعية والتي جاء قانون الوقف لتأكيدها، ويضيف لها جانب المرونة والصلاحيات والتمكين والتنويع والتنوع، فإن بناء خيارات أوسع للدعم والتمويل الوقفي يرتبط في أكثره بهاجس الثقة الحاصلة بين الواقف والموقوف له، والممكنات الاستراتيجية بعد حبس عين الوقف لتصل منافعها إلى المجال، في ظل إعادة ترتيب الأولويات ومعالجة القناعات حول مصارفه، فإن المتوقع من حلقات العمل التحضيرية لمنتدى دور الوقف في دعم التعليم وتمويله والتي نظمها مجلس التعليم ممثلا بالأمانة العامة للمجلس في يومي التاسع عشر والعشرين من فبراير الجاري، والذي هدف إلى مناقشة آلية الاستفادة من الأطر التشريعية والبنى التنظيمية والتجارب الرائدة بالسلطنة، وبعض التجارب العالمية الناجحة للمؤسسات الوقفية التعليمية من مدارس وجامعات وغيرها، في تعزيز حضور الوقف التعليمي في الفترة القادمة، وما أتاحه من فرص التفكير في البحث عن مصادر تمويلية مستدامة وثابتة، منطلقة من فقه الاستثمار الوقفي وتشريعاته وقوانينه وحوكمة المؤسسات الوقفية وكفاءة الإدارة المالية، وبلورة سياسات وطنية أكثر نضوجا وفاعلية، تنقل الممارسة المالية للتعليم من حالة الاستجداء والتفاوض والتكرارية والهدر، لتتحول إلى مؤسسات استثمارية ذكية قادرة على تعظيم قيمة الانتفاع من الإمكانات والموارد المادية المتاحة وابتكار أدوات تنويعها والتثمير فيها.

إلى الأعلى