الخميس 22 أغسطس 2019 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أطفال الدواعش .. إلى أين المصير؟!

أطفال الدواعش .. إلى أين المصير؟!

فوزي رمضان

(هذا جناه أبي عليَّ… وما جنيت على أحد)، ما قاله أبو العلاء المعري يلخص معضلة إنسانية تواجه العالم، أطفال لم يتخطوا الست سنوات من أعمارهم، لا ذنب لهم ولا جريرة سوى أنهم أبناء متشددين أجانب انضموا كمقاتلين في تنظيم “داعش” الإرهابي، هؤلاء الأطفال شوكة في حلق الجميع، الدول جميعها في موقف صعب، ما بين دمجهم وإعادة تأهيلهم، وبين التشكك فيهم ومراقبتهم خوفا من نشر فيروس التطرف في مجتمعات تحارب الإرهاب بشق الأنفس.
بعد الضربات الموجعة التي تلقاها مقاتلو التنظيم ومحاصرتهم واستسلامهم للسلطات المحلية في العراق وسوريا، وبعد وهم الخلافة إلى حيث مخيمات الإيواء في الموصل والرقة، انزوت زوجات الدواعش مع أطفالهن في انتظار المصير المجهول، رغم المعاملة الحسنة من قبل السلطات، إلا أنهم منبوذون ومعزولون، ويعاملون بقسوة واشمئزاز من قبل سكان المخيمات.
مأساة إنسانية تعادل الدمار والخراب اللذين خلفهما الدواعش في بلاد العراق وسوريا، هؤلاء المقاتلون كانوا يتزوجون من نساء المناطق التي يستولون عليها بعقود زواج غالبا ما تغفل الاسم الحقيقي للزوج، مكتفية باسم الشهرة المستعار، فلا يعلم له نسب ولا اسم، هؤلاء المتشددون إما قتلوا أو هاجروا، وقد تركوا خلفهم أطفالا مجهولي الهوية يواجهون مع أمهاتهم مصيرا مجهولا. والمصير الأعوج نفسه تواجهه النساء اللاتي أجبرن على الزواج من مقاتلي “داعش” ومعظمهم أجانب ممن تزوجوا ثلاث وأربع نساء، ومع فقدان ملاذاتهم الآمنة فروا هاربين وتركوا أطفالهم بلا هوية ولا نسب سوى أسماء وهمية في سجلات التنظيم.
تشير منظمة إنقاذ الطفل الدولية إلى وجود 2500 طفل من 30 دولة يعيشون في ثلاثة مخيمات للنازحين شمال شرق سوريا؛ 38 منهم مجهولو الهوية وبدون وثائق رسمية، يفتقدون إلى أسماء آبائهم الحقيقية، ما يعد معضلة كبرى أمام تسوية أوضاعهم، أو إعادتهم لبلدانهم الأصلية.
الجانب الإنساني دفع معظم الدول لحل مشكلة هؤلاء الأطفال خشية تركهم في سوريا، فيصبحون متشددين أيضا في نهاية المطاف، لذا اتجهت فرنسا وألمانيا إلى استعادة الأطفال ممن يحملون جنسية بلادهم، لكن تترك أمهاتهم لتحاكمهن السلطات المحلية، وهذا الحل يشكل معضلة إنسانية أخرى، فعودة الأطفال دون ذويهم يشكل عبئا نفسيا قاسيا عليهم وعلى أمهاتهم.
الحكومات الغربية وإن كانت مستعدة لاستقبال مواطنيها الدواعش وتقديمهم للمحاكمات بسبب انتمائهم إلى منظمات إرهابية، إلا أن برلماناتها سنت قوانين رادعة تمنع دخول المتطرفين الإسلاميين لدولهم، وقررت جميعها سحب الجنسية من أي متجنس حديثا ويحمل جنسية أخرى، وقامت بريطانيا بالفعل بسحب الجنسية من حوالي 100 من المقاتلين المتطرفين داخل الأراضي السورية ممن يحملون جنسية مزدوجة. ومؤخرا سحبت الجنسية من البنجالية ساميما بيجوم، البالغة 19 عاما والتي انضمت إلى التنظيم عام 2015 وأنجبت حاليا طفلها الثالث. ساميما مثال صارخ على حجم المأساة، فقد أسقطت عنها جنسيتها البريطانية ورفضت داكا دخولها بنجلاديش (موطنها الأصلي)، وأسقطت عنها الجنسية البنجالية، فأين تذهب هي وأطفالها؟ وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد أكد أنه لن يتردد مطلقا في توقيف وسحب الجنسية المزدوجة من أي شخص انضم للتنظيمات الإرهابية في الخارج، واعتباره غير مرغوب فيه.
وفي إطار إنسانية الدول وإعادة القُصَّر إلى أوطانهم، سعت روسيا لاستعادة 27 طفلا من العراق، وبلجيكا 22 طفلا، واستعادت تونس 44 طفلا تونسيا من ليبيا، كذلك استعادت مصر عن طريق الصليب الأحمر 12 طفلا مصريا فقدوا آباءهم الدواعش المصريين في ليبيا، وتم استعادتهم بدون ذويهم من مدينة مصراتة إلى القاهرة.
من حال أطفال المخيمات، إلى مأساة أطفال السجون، تتفاقم المعاناة؛ فمعظم العائلات استسلمت مع أزواجها أثناء معارك الموصل، وقد احتجزت السلطات العراقية نحو 833 طفلا، مع ما يزيد عن 500 امرأة من 14 جنسية أجنبية في سجونها، في انتظار محاكمتهم بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش الإرهابي. كم تتفاقم أيضا أزمة أطفال الشوارع من أبناء المتشددين الأجانب من غير المدانين، هؤلاء الأطفال يتعرضون للعنف والإيذاء والاستغلال والإصابة وحتى القتل، وهذا الوضع السيئ يجردهم من حقوقهم الإنسانية، ويعرضهم لعواقب جسدية ونفسية قاسية.
وما بين التعاطف من البعض، والتشفي من جانب البعض الآخر، يتأرجح مؤشر الإنسانية في كل الدول، من حيث إنقاذ أطفال المفترض فيهم البراءة، وبين المحاكمات الرادعة لذويهم، لكن من شب في بيئة الدم والقتل والنحر والدمار، في حاجة إلى سنوات من التأهيل النفسي، لكن سيظلون في نظر المحيطين بهم أنهم أبناء إرهابيي “داعش”؛ التنظيم الذي يستحضر ذكره كل الألم والقتل والخراب. وسيظل العار موصوما بهم يلاحقهم حيثما وجدوا (هذا ما جناه أبي).

إلى الأعلى