الجمعة 24 مايو 2019 م - ١٨ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب الدافئة

الحرب الدافئة

أيمن حسين

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، نشب توتر وصراع بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي، ونشر الكاتب الإنجليزي جورج أورويل مقالا في صحيفة تريبيون البريطانية بعنوان “أنت والقنبلة الذرية” في أكتوبر عام 1945 وصف فيه حالة الشد والجذب بين الأميركان والسوفيت بـ”الحرب الباردة”، ثم استخدمه الاقتصادي الأميركي برنارد باروش في بداية 1947، وأصبح المصطلح أكثر انتشارا بفضل الكاتب الصحافي ولتر ليبمان.
ظل المصطلح متداولا في الأوساط السياسية والإعلامية الرسمية وغير الرسمية، بفضل حدة سباق التسلح بين البلدين وجهودهما في بسط النفوذ والقوة واكتساب أرض جديدة في العالم، وذلك حتى سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار الحرب الباردة مطلع التسعينيات؛ ودخل الاتحاد السوفيتي في مراحل تفكك نتج عنها العديد من الدول، وبقيت روسيا وريثا شرعيا للاتحاد لأنها أكبر دولة فيه، وتعاظمت الولايات المتحدة لتهيمن على العالم وحدها، وتتراجع روسيا؛ لكن مراحل الاستقرار الاقتصادي والسياسي التي مرت بها روسيا أحيا بداخلها الشوق لخوض مباريات التسلح مرة أخرى وقررت دخول السباق من جديد.
وفي عام 1962 قامت الولايات المتحدة بنشر صواريخ في تركيا القريبة من السوفيت، فرد عليها الاتحاد السوفيتي بإرسال صواريخ بالستية إلى كوبا القريبة من الأميركان، ما أدى إلى اندلاع أزمة دفعت العالم إلى شفا حرب نووية، وسميت بأزمة الصواريخ الكوبية.
وفي السنوات الماضية نشبت أزمة بين أميركا وروسيا بسبب النزاع في شبه جزرة القرم والتدخل في أوكرانيا، ووصلت إلى حد التهديد والتلويح المتبادل باستخدام القوة، وفي الأسبوع الماضي نقلت وكالة رويترز تصريحات عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال خلالها إن بلاده مستعدة عسكريا لأزمة على غرار أزمة الصواريخ الكوبية إذا كانت الولايات المتحدة لديها “حماقة” تريد بها أزمة مثلها، وإن روسيا لديها الأفضلية حاليا للمبادرة بتنفيذ ضربة نووية، وذلك ردا على قيام الولايات المتحدة بإنشاء نظام صاروخي في بولندا وآخر في رومانيا.
ولأول مرة منذ انتهاء الحرب الباردة يخرج رئيس روسي ويستعرض قدرات بلاده العسكرية، فقال إنه قادر على نشر صواريخ سرعتها تفوق سرعة الصوت 5 مرات أو أكثر على متن سفن وغواصات بالقرب من المياه الإقليمية للولايات المتحدة، وأضاف “نتحدث عن مركبات نقل بحرية متحركة وليست ثابتة، سنضعها في مياه محايدة، وصواريخها مداها أكثر من ألف كيلو متر.. الحسابات ليست في صالحهم” ـ بحسب رويترز.
إذا كان البلدان مرتبطين بمعاهدة القوى النووية متوسطة المدى، والتي تحظر عليهما نشر صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى تنطلق من البر في أوروبا، فإنهما اخترقا المعاهدة بالفعل، وإذا كانت الحرب الباردة شهدت عدة أزمات مثل: الصواريخ الكوبية، والحرب الكورية، وأزمة برلين، وحرب فيتنام، والثورة المجرية، وغزو أفغانستان وغيرهم؛ فإن ويلات الحرب العالمية الثانية هي ما دفعت العالم نحو التهدئة بعد ما شهد كم الدمار الذي خلفته الحروب، إضافة إلى زوال حكم قادة العالم أصحاب الفكر السياسي المنحرف مثل هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا وغيرهما، فأصبحت القيادة العالمية أكثر هدوءا، وانبثق عن الحرب منظمة أممية ـ الأمم المتحدة ـ تعمل على حماية السلم والأمن الدوليين.
العالم الآن تغير، فالتعملق الأميركي سحب البساط من الأمم المتحدة وأفقدها تأثيرها، وخلفت السياسات الأميركية أنواعا من الكراهية، بجانب التقدم التكنولوجي الرهيب في صناعة السلاح، والتقدم التقني الذي يسهم في عمليات التعبئة وتوجيه الرأي العام والاستقطاب، حتى أن الجماعات الإرهابية والتكفيرية باتت لها منابر إعلامية تستقطب بها أعضاء جددا، وفي المقابل داوت روسيا جراحها، وعالجت مشكلاتها، وبدأت تحلم بالعهد القديم.
سباق التسلح الآن أخطر من تنافس دام 55 عاما طيلة الحرب الباردة، فالخريطة العالمية ملتهبة في كل القارات، والسكان مدججون بنزعات الأرض والعرق والدين، هي أسلحتهم، والدماء تتشربها الرمال وتعبر الحدود في كل القارات، حتى يبدو العالم أكثر دفئا من فترات الحرب الباردة، وكل المحاذير من أن يقود سباق التسلح لحرب جديدة، فالمعلن حاليا عن هذا التوتر والتنافس يوحي بأنها “حرب دافئة” وليست باردة.

إلى الأعلى